آيات الله يوم بدر
مقدمة وقصة الصحابي الجليل حباب بن المنذر
رضي الله عنه.
مدخل: يوم الفرقان ويوم نصر الله للمؤمنين.
العنصر الأول: فضل أهل بدر ومكانتهم عند
الله.
العنصر الثاني: آيات النصر الإلهي (المدد
بالملائكة، والرعب، ونزول المطر).
العنصر الثالث: دروس في الثقة بالله وحسن
التوكل والأخذ بالأسباب.
الخاتمة والدعاء.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره،
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل
فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيا عباد الله، اتقوا
الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
عباد الله، إننا نعيش هذه الأيام ذكرى عزيزة
على قلوب المؤمنين، ذكرى يوم الفرقان، يوم بدر، ذلك اليوم الذي تجلت فيه آيات الله
ونصره لعباده المؤمنين، وجعله عبرة لأولي الأبصار.
[قصة الصحابي]
أيها الإخوة الكرام، حديثنا اليوم عن آيات
الله في بدر، ولكن نبدأ بقصة عظيمة لصحابي جليل، يضرب لنا أروع الأمثال في الفهم الصحيح،
والتقدير العسكري السليم، مع كمال الأدب مع الله ورسوله.
♦فعن خارجة بن زيد بن ثابت رضي الله عنهما،
أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سار إلى بدر، نزل أدنى ماء من مياه بدر، فقال الحُباب
بن المنذر الأنصاري رضي الله عنه: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أهو منزل أنزلكه
الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال النبي صلى
الله عليه وسلم: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" . ♦هنا وقفة عظيمة، هذا الصحابي
لا يقدم رأيه بين يدي الله ورسوله، بل يستأذن. فلما علم أن الأمر للاجتهاد البشري،
قال: يا رسول الله، فليس هذا بمنزل، قم بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم
نغور ما وراءه من الآبار، ثم نبني حوضاً فنملأه ماء، فنشرب ولا يشربون. فوافق رأيه
الرأي الحكيم النبوي، فتحول النبي ومن معه إلى المكان الذي أشار به الحباب .
إنها قصة تجمع بين حسن الاتباع للنص، وحسن
التفكير والتدبير.
المدخل: يوم الفرقان
هذه القصة تفتح لنا باب الحديث عن ذلك اليوم
العظيم، يوم سماه الله في كتابه "يوم الفرقان". يقول الله تبارك وتعالى في
سورة الأنفال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ
وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ
إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ
يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41] .
سماه الله يوم الفرقان لأنه فرق بين الحق
والباطل، وبين الإيمان والكفر، وبين العزة والذلة.
في ذلك اليوم، كان جيش المسلمين لا يتجاوز
ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، معهم سبعون بعيراً وفرسان فقط، بينما كان جيش المشركين ألف
مقاتل، معهم مئة فرس، والعتاد الكامل . ومع ذلك كانت الغلبة للمؤمنين.
العنصر الأول: فضل أهل بدر
أيها المؤمنون، إن أول آيات الله في بدر
هي تلك المكانة الرفيعة التي منحها الله لمن شهدها من الصحابة الكرام.
فهم خيرة هذه الأمة بعد الأنبياء.
روى الإمام البخاري في صحيحه عن رفاعة بن
رافع رضي الله عنه وكان من أهل بدر، قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
"ما تعدون أهل بدر فيكم؟" قال: "من أفضل المسلمين" أو كلمة نحوها،
قال: "وكذلك من شهد بدراً من الملائكة" .
تخيلوا عباد الله، الملائكة يتباهون بهذا
الشرف. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم بشرهم بمغفرة الذنوب،
ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي الله
عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا
ما شئتم فقد غفرت لكم" . قال ابن حجر العسقلاني: "وهي بشارة عظيمة لم تقع
لغيرهم" .
ومما يروى في فضلهم، قصة أم حارثة بن سراقة
رضي الله عنها، حين أصيب ابنها حارثة يوم بدر بسهم غرب وهو يشرب من الحوض، فأتت النبي
صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله، إن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت
عليه في البكاء، فقال عليه الصلاة والسلام: "يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة،
وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" .
العنصر الثاني: آيات النصر الإلهي
ثم تأتي آيات النصر الإلهي، تلك الآيات
التي لا يد للبشر فيها.
لقد نصر الله المسلمين بجنود لم يروها.
يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ
اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ
آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ} [آل عمران: 123-124] .
وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس
رضي الله عنهما قصة عجيبة، قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين
أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه
فخر مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع،
فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صدقت، ذلك من مدد
السماء الثالثة" . كذلك من آياته تعالى أنه قذف الرعب في قلوب الكافرين، كما قال
تعالى: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [الأنفال: 12] .
وهذا من خصائص هذه الأمة،
ففي الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله
عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" . وآية أخرى،
وهي إنزال المطر الذي كان نعمة على المسلمين ليثبت به الأقدام ويطهر القلوب، بينما
كان وبالاً على المشركين.
العنصر الثالث: دروس في التوكل والأخذ بالأسباب
أيها الأحبة، إن آيات الله في بدر لا تعني
ترك الأخذ بالأسباب.
بل كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الناس
توكلًا، ومع ذلك كان أكثرهم أخذاً بالأسباب.
لقد تشاور مع أصحابه، كما رأينا مع الحباب
بن المنذر، وكما استشارهم قبل الخروج.
حين علم بخروج قريش، استشار الصحابة، فقام
أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فأحسنا، ثم قام المقداد بن عمرو رضي الله عنه فقال: يا
رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:
اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون .
ثم قام سعد بن معاذ رضي الله عنه وقال:
لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: "أجل" ، فقال سعد: يا رسول الله، إنا آمنا
بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع
والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر
فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد .
هذا هو التوكل الحقيقي، توكل لا ينفي الأخذ
بالأسباب، ولا ينفي المشورة، ولا ينفي الاستعداد.
الخاتمة والدعاء
فاتقوا الله عباد الله، وكونوا كأولئك النفر
المؤمنين، ثقوا بالله، واعملوا للأمة، وتأملوا آيات الله في نصر أوليائه. اللهم أعد
علينا من بدر أيامها، ومن نصرك آياته، ومن تأييدك بركاته.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان،
اللهم كن للمستضعفين في كل أرض، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين،
واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين.
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون
أحسنه، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا،
وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة
لنا من كل شر.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة،
وقنا عذاب النار.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.