آيات الله في بدر
غزوة بدر يوم الفرقان يوم التقي الجمعان
غزوة بدر من أعظم ملاحم الإسلام.
أهمية تلاحم القلوب وتآلفها.
الدروس المستفادة من غزوة بدر الكبرى
الحمد لله الواحد القهار المنزه عن السوي
والاغيار الذي ينجي اولياءه من عذاب النار
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له مقلب القلوب والأبصار الذي الف بين قلوب الصحابة علي النصر من المهاجرين والانصار
وهذه منَّةٌ من الله ومن أعظم أسرار النصر: يقول الله تعالى: { هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ
بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي
الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:62-63].
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده المصطفى
المختار، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأطهار وعلى جميع أصحابه الأخيار ومن سار
على نهجهم واهتدى بهديهم ما أظلهم الليل وأضاء النهار.
أما بعد:
فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله
عز وجل.
اولا - غزوة بدر من أعظم ملاحم الإسلام
قال تعالى: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ
بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ
تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ
آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ
مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ
مُسَوِّمِينَ } [آل عمران: 123- 125].
فما أعظمَ هذا اليوم، وما أكثرَ ما نزلَ
فيه من الملائكة، ألفٌ، أم ثلاثةُ آلاف، بل إنهم خمسةُ آلاف من الملائكة، قد نزلوا
في هذا اليوم، إنه يومُ الجمعة السابع عشر من شهر رمضان، وفي السنة الثانية من الهجرة،
نزلت لتنصر جندَ الرحمن بأمر من الكريم المنان، سماه الله( يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ
الْتَقَى الْجَمْعَانِ) [آل عمران: 155.
نعيش اليوم مع غزوة بدر وأهل بدر. أتدرون
من هم أهل بدر؟ إنهم أولئك القلة المؤمنة التي بسواعدها الثابتة نشب أول صدام رئيسي
بين قوى الإيمان وقوى الكفر.
اقرءوا التَّارِيخَ إِذْ فيه العِبَرْ ضَلَّ قَوْمٌ لَيْسَ يَدْرُونَ الخَبَرْ
هذه هي غزوة بدر أول معارك الإسلام الكبرى،
إن هذه الغزوة توجت بالنصر المبين
فقد وقعت هذه الغزوة في السابع عشر من رمضان
في السنة الثانية من الهجرة النبوية، اي ان الغزوة بعد خروج المصطفى صلى الله عليه
وسلم من بلده مكة مهاجرا مطاردا من قبل مشركي مكة وقد تبعه أصحابه تاركين أموالهم وبلادهم
واستولى عليها المشركون.
اما اسبابها
فقد سمع الرسول صلى الله عليه وسلم أن عيرا
لقريش محملة بالأموال قادمة يقودها أبو سفيان حرب. فأمر النبي أصحابه بالخروج للاستيلاء
على هذه القافلة، وقال لهم: ((هذه عير قريش فيها أموالكم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها
)). أخرجه ابن اسحاق في السيره في غزوة بدر والطبري في تفسير (13/298).
نجاة أبي سفيان بالعير
أرسل صلى الله عليه وسلم عدي بن أبي الزغباء
وبَسْبَس بن عمرو الجهني، طليعةً يوم بدر، فرجعا إليه صلى الله عليه وسلم بخبر القافلة
وكان بسبس بن عمرو ، وعدي بن أبي الزغباء ، قد مضيا حتى نزلا بدرا ، فأناخا إلى تل
قريب من الماء ، ثم أخذا شنَّا لهما يستقيان فيه ، ومجدي بن عمرو الجهني على الماء
. فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر ، وهما يتلازمان على الماء ، والملزومة
تقول لصاحبتها : إنما تأتي العير غدا أو بعد غد ، فأعمل لهم ، ثم أقضيك الذي لك
. قال مجدي : صدقتِ ، ثم خلَّص بينهما . وسمع ذلك عدي وبسبس ، فجلسا على
بعيريهما ، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبراه بما سمعا
أقبل أبو سفيان بن حرب ، حتى تقدم العير
حذرا ، حتى ورد الماء ؛ فقال لمجدي بن عمرو : هل أحسست أحدا ؟ فقال : ما
رأيت أحدا أنكره ، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ، ثم استقيا في شن
لهما ، ثم انطلقا .
فأتى أبو سفيان مُناخهما ، فأخذ من أبعار
بعيريهما ، ففتَّه ، فإذا فيه النوى ؛ فقال : هذه والله علائف يثرب . فرجع
إلى أصحابه سريعا ، فضرب وجه عيره عن الطريق ، فساحل بها ، وترك بدرا بيسار ، وانطلق
حتى أسرع
وكان خروج النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذه
الغزوة من المدينة في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ووقعت
الغزوة في السابع عشر من رمضان
وحين خروجه -صلى الله عليه وسلم- من المدينة
لم يكن في نيته قتال، وإنما كان قصده عير قريش، وكانت الحالة بين المسلمين وكفار مكة
حالة حرب، وفي حالة الحرب تكون أموال العدو ودماؤهم مباحة، فكيف إذا علمنا أن جزءًا
من هذه الأموال الموجودة في القوافل القرشية كانت للمهاجرين المسلمين من أهل مكة قد
استولى عليها المشركون ظلمًا وعدوانًا
أما قريشٌ فإنَّه لما جاءهم الخبرُ خَرجُوا
بأشْرافِهِم عن بَكْرَةِ أبِيهم في نحو ألفِ رجلٍ، معهم مائةُ فرسٍ وسبعُمائة بَعِيرٍ:
(بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ) [الأنفال: 47]، ومَعهَم
الْقِيَانُ يُغَنِّينَ بهجاءِ المسلمينَ، فلما عَلِمَ أبو سفيانَ بخروجِهم بعثَ إليهم
يُخْبرهُم بِنَجَاتِه، ويُشير عليهِم بالرجوعِ وعدمِ الْحَربِ، فأبَوْا ذلك وقال أبُو
جهلٍ: والله لا نرجعُ حتى نبلُغَ بدرًا ونُقِيمُ فيه ثَلاثًا، نَنْحَرُ الجزُورَ، ونُطْعِمُ
الطعامَ، ونسقِي الْخَمْرَ، وتسمعُ بنا العَرَبُ فلا يَزالون يهابونَنَا أبدًا.
كم كانت عدة المسلمين ؟ وعدة الكافرين ؟
عن البراء بن عازب قال: كنا نتحدث أن أصحاب
محمد صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت
الذين جازوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن. ورواه البخاري قيل 314 وقيل 317 لان البضع عشر من 11 الي 19
اما المشركون فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «القوم ما بين التسعمائة والألف»
ثانيا : أهمية تلاحم القلوب وتآلفها
عباد الله: وقفنا أمام غزوة بدر الكبرى
فاستلهمنا منها مواقف المحبة والرضا من أصحاب رسول الله وعلمنا أن من أسباب النصر العظيمة
تآلف القلوب وتراحمها، كان أصحاب النبي في قلة من العدد والعدة، ولكن كانت بينهم المحبة
والصفاء والمودة، كانوا متراحمين متعاطفين متآلفين متكاتفين متناصرين متآزرين، شعارهم:
لا إله إلا الله فسبحان من أعزهم وهم أذلاء، سبحان من أغناهم وهم فقراء، سبحان من رفعهم
وهم وضعاء.
التآلف والتعاطف والتكاتف والتناصر والتآزر
سبيل إلى نصر المؤمنين، طريق لعزة الأخيار والصالحين، فإن وجدت أهل الإسلام متعاطفين
متراحمين فاعلم أن النصر حليفهم، وإن وجدتهم متقاطعين متباعدين متناحرين، إن مزقتهم
الجماعات والحزبيات والرايات والشعارات فادمع على الإسلام بين أهله.
عباد الله: وقفنا أمام غزوة بدر الكبرى،
، وجدناهم تحت راية النبي صلي الله عليه وسلم لا يقولون غير قوله، لا يتقدمون عليه
ولا يؤخرون أمراً أمر بإمضائه صلوات الله وسلامه عليه، فسلام على أسد الشَّرى، سلامٌ
على رجال الوغَى يوم سمعوا وأطاعوا، سلامٌ علي الذين أتم الله عليهم المحبة والرضا سلام عليهم يوم قال قائلهم: "يا رسول الله
أمض لما أمرك الله، وصل حبال من أردت، واقطع حبال من شئت، فأنا سلم لمن سالمت، وحرب
لمن حاربت، وخذ من أموالنا ما شئت، والله ما أخذت منها أحب إلينا مما تركت"، سلام
عليهم من الله ورحمات "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه"، (سورة الأحزاب/
الآية 23)
ثالثا : بعض الدروس المستفادة من غزوة بدر
ما أكثر الدروس وما أعظمها في هذه الغزوة
النبوية الكبرى غزوة بدر الكبرى
:
دروس وعبر من غزوة بدر الكبرى
بعد الاطلاع على مجمل أحداث غزوة بدر الكبرى،
يمكن استخلاص بعض الدروس والعبر منها، على النحو الآتي:
1-
أهمية الأخذ بالأسباب ، واعداد القوة والاستعداد الجيد للعدو قال تعالى:
{ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ
بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ
اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ
وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } [الأنفال: 60].
ومن الاعداد القوى تقصي أخبار العدو، فقد
ارسل النبي صلي الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص،
في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يتسقصون له الأخبار عن جيش قريش، فوجدوا غلامين يستقيان
لجيش المشركين فأتوا بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: «أخبراني عن
جيش قريش» فقالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «كم القوم؟» قالا: كثير، قال: «ما عدتهم؟» قالا: لا ندري، قال
الرسول صلى الله عليه وسلم: «كم ينحرون كل يوم؟» قالا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القوم ما بين التسعمائة والألف»، ثم قال لهما: فمن
فيهم من أشراف قريش؟ فذكرا عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا جهل وأمية بن خلف في آخرين من
صناديد قريش، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه قائلا: «هذه مكة قد ألقت
إليكم أفلاذ كبدها » الحباب بن المنذر خطته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقال: «أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم
هو الرأي والحرب والمكيدة
كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش
إلى كتيبتين: كتيبة المهاجرين بقيادة علي بن أبي طالب، وكتيبة الأنصار بقيادة المقداد
بن عمرو، وعندما اختار مكان نزول الجيش، نزل عن رأيه صلى الله عليه وسلم
و سار النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه
حتى نزل بأدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة
وانظر الي الأدب مع رسول الله، صلى الله
عليه وسلم، والالتزام بالشريعة، ويظهر ذلك حين عرض وقدم أعلم الصحابة بالعلوم الحربية
بلغة العصر رأيه وهو سيدنا “الحباب بن المنذر بن الجموح” إذ قال: يا رسول الله، أرأيت
هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب
والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل،
فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني
عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي. فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس،
فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت، وبنى حوضا على
القليب الذي نزل عليه، فملئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية” .
2 - ظهور الصبغة العقائدية على أولى الملاحم
الإسلامية، حيث التحق أحد شجعان المشركين بالمسلمين في الطريق إلى بدر ليصيب معهم،
فأبي صلى الله عليه وسلم حتى أسلم الرجل، والتحق بالمسلمين
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -صلى
الله عليه وسلم- أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قِبَلَ
بَدْرٍ فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ
مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم
- حِينَ رَأَوْهُ فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-
جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-
« تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ». قَالَ لاَ قَالَ « فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ
بِمُشْرِكٍ » قَالَتْ ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا
كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ
فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَالَ
« فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ ». قَالَ ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ
فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ « تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ». قَالَ
نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « فَانْطَلِقْ » رواه مسلم
3 - استواء القائد والجند في تحمل الشدائد والمصاعب،
فها هو صلى الله عليه وسلم يتعاقب مع علي بن أبي طالب وأبي لبابة على بعير واحد، ويأبى
أن يؤثراه
روى الامام احمد عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ، كَانَ أَبُو
لُبَابَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، زَمِيلَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، قَالَ: وَكَانَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
قَالَ: فَقَالَا نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ، فَقَالَ: " مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي،
وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الْأَجْرِ مِنْكُمَا "
4 - أهمية الأمير ودوره في الحضر والسفر، فقد
استعمل صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس، ورد أبا لبابة من الروحاء،
واستعمله على المدينة
والحرص على الرعية، ومراعاة الفروق الفردية
بين أفرادها، والاختيار المناسب للمهمة الموكلة، ومنه رده صلى الله عليه وسلم للبراء
بن عازب، وعبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، لصغر سنهما
وأهمية حماية القائد في المعركة، ويظهر
ذلك من بناء الصحابة عريشًا للنبي صلى الله عليه وسلم، خلف الجيش يدير منه المعركة،
وتوفير الحراسة الكافية له.
وَكَمَا أَشَارَ الْحُبَابُ بنُ الْمُنْذِرِ
بِبِنَاءِ الْحَوْضِ، أَشَارَ سَعْدٌ بنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنْ يَبْنُوا
لَهُ عَرِيشًا، يَشْرِفُ مِنْهُ عَلَى الْمَعْرَكَةِ وَيُوَجِّهُهَا وَيَأْمَنُ غِرَّةَ
العَدُوِّ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَلا نَبْنِي لَكَ عَرِيشًا، تَكُونُ فِيهِ
وَنُعِدُّ عندَكَ رَكَائِبَكَ، ثُمَّ نَلْقَى عَدُوَّنَا، فَإِذَا أَعَزَّنَا اللهُ
وَأظْهَرْنَا عَلَى عَدُوِّنَا، كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا وَإِنْ كَانَتْ الأُخْرَى
جَلَسْتَ عَلَى رُكَائِبَكَ، فَلَحِقْتَ بِمَنْ وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَدْ
تَخَلَّفَ عَنْكَ أَقْوَامٌ مَا نَحْنُ بَأَشَدَّ مِنْهُمْ حُبًّا لكَ وَلَوْ ظَنُّوا
أَنَّكَ تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلَّفُوا عَنْكَ، يَمْنَعُكَ اللهُ بِهِمْ، وَيُنَاصِحُونَك،
وَيُجَاهِدُونَ مَعَكَ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وَدَعَا لَهُ بِخَيْرِ، ثُمَّ بُنِيَ العَرِيشُ عَلَى تَلٍّ، كَمَا أَشَارَ سَعْدٌ،
وَأُعِدَّتْ عِنْدَهُ أَنْجَبُ الرَّكَائِب، وَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يُسَوِّي الصُّفُوفَ، وَيَتَفَقَّدُ الرِّجَالَ، وَيُهَيِّئُ أَصْحَابَهُ
لِلْقِتَالِ، وَدَفَع رَايتَهُ إِلى مُصْعَبِ بن عُمَيْرِ، فَتَقَدَّمَ بِهَا إِلى
مَوْضِعِهَا الذِي أَمْرَهُ أَنْ يَضَعَهَا فِيهِ، ثُمَّ وَقَفَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إِلى الصُّفُوفِ، فَاسْتَقْبَلَ الْغَرْبَ وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَرَاءَهُ،
وَأَقْبلَ الْمُشْرِكُونَ، فَاسْتَقْبَلُوا الشَّمْسَ.
5 - تطبيق مبدأ الشورى، وتعويد الأمة على ممارستها،
وبيان أهميتها، بخاصة في الأمور المصيرية كالحروب، ومنه ما فعل النبي صلى الله عليه
وسلم، حين استشار أصحابه وأراد الأنصار، وقبوله صلى الله عليه وسلم بمشورة الحباب بن
المنذر بشأن ماء بدر، وفيه تعويد للصحابة على التفكير بالمشكلات العامة، والتربية على
الشعور بالمسؤولية
فمع هذا المشهد التنظيمي الخالد .يقف الرسول
صلى الله عليه وسلم على مشارف بدر، فيستطلع آراء الصحابة في خوض المعركة ، ومن ثم
“أتَاهُ الْمِقْدَادُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ
فقد روى البخاري عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ،
يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنَ المِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ مَشْهَدًا، لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ
أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ، أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَهُوَ يَدْعُو عَلَى المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: لاَ نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى:
اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ، وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ
شِمَالِكَ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ «فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ» يَعْنِي: قَوْلَهُ
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ الأَنْصَارَ،
…، قَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: وَاللَّهِ، لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ
اللَّهِ. قَالَ: أَجَلْ، قَالَ: فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ
مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا
عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَا أَرَدْتَ، فَوَالَّذِي
بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ
مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا
غَدًا. إِنَّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الْحَرْبِ، صُدْقٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ
يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ. فَسُرَّ
رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِقَوْلِ سَعْدٍ، وَنَشَّطَهُ
ذَلِكَ”
.
وبذلك حصل الإجماع، والتقت عزائم القلوب
والإرادات على حد سواء، وهكذا تلتقي رحمة القيادة،
مع المحبة والثقة والوفاء، لتجتمع في قالب شوري، فتكون الطاعة أمرا تلقائيا تغني عن
عزمة الأمير صلى الله عليه وسلم وحده، رغم ما خوله الله تعالى من نفاذ ذلك.
6 - حب الشهادة والتعلق بالجنة، ومنه ما فعله
عُمَير بن ا لحمامِ الأنصاري واحديث صحيح علي شرط مسلم من حديث عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ: «قُومُوا إِلَى
جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» ، قَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحَمَّامِ الْأَنْصَارِيُّ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَرْضُهَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بَخٍ بَخٍ، لَا وَاللَّهِ
يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا بُدَّ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ: «فَإِنَّكَ مِنْ
أَهْلِهَا» ، فَأَخْرَجَ تُمَيْرَاتٍ فَجَعَلَ يَأْكُلُ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ حَيِيتُ
حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ
مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ «صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ،
وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ» المستدرك
[التعليق - من تلخيص الذهبي] - على شرط مسلم
يقول عمير : بخ بخ -يعني: أنعم وأكرم-!
فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: ما يحملك على قولك بخ بخ! قال: لا -والله- يا رسول
الله! إلا رجاء أن أكون من أهلها.
قال: فإنك من أهلها.
فقام عمير وأخرج من قرنه تمرات، وجعل يأكلها،
فلما تذكر هذا الوعد وأنه من أهلها، وهي جنة عرضها السماوات والأرض قال: إنها لحياة
طويلة حتى آكل هذه التمرات ) يعني: الذي يحجزني عن دخول الجنة التي عرضها كعرض السماء
والأرض هي أن أموت ( فألقى التمرات من يده وقاتل حتى قتل، فكان أول قتيل في غزوة بدر ).
يقول: بخ بخ، هذا الذي يتمنى أن يموت، ترى
هل تمنى أن يرجع إلى أهله، أو إلى داره أو إلى ماله، أو إلى جيرانه وعشيرته؟ لا، خرج
لا يلوي على شيء إلا أن يقتل: { قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ
} [التوبة:52]: النصر أو الشهادة.
المؤمن عزيز، يظل في الدنيا غالباً لا مغلوباً،
وهو عندما يتحرك لقتال أعداء الله يقول في نفسه: إما أن أعيش سيداً منصوراً تدين لي
الآفاق، وإما أن أموت شهيداً سليماً ولا أبقى على الأرض ذليلاً.
7 -
الوفاء بالعهد، والصدق ومنه ما حدث مع حذيفة بن اليمان ووالده، حين أخذ
المشركون منهم العهد ألا يقاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ذكرا ذلك لرسول
الله صلى الله عليه وسلم، قال: «نستعينُ اللهَ عليهمْ، وَنَفِي بِعَهْدِهِمْ»، فذاك
الذي منعهما أن يشهدا بدرًا
روي الحاكم في المستدرك عَنْ حُذَيْفَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَا مَنَعَنَا أَنْ نَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي وَأَبِي
أَقْبَلْنَا نُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَتْنَا
كُفَّارُ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ،
إِنَّمَا نُرِيدُ الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا عَلَيْنَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ
لَتَصِيرُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا تُقَاتِلُوا مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فَلَمَّا جَاوَزْنَاهُمْ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فَذَكَرْنَا لَهُ مَا قَالُوا وَمَا قُلْنَا لَهُمْ، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ:
«نَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، وَنَفِي بِعَهْدِهِمْ» فَانْطَلَقْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ،
فَذَاكَ الَّذِي مَنَعَنَا أَنْ نَشْهَدَ بَدْرًا «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ،
وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»
8 - النصر من عند الله وفضل الدعاء والاعتصام
بحبل الله
فقد بيَّن سبحانه وتعالى أن النصر لا يكون
إلا من عند الله تعالى في قوله: { وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ
قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
} [آل عمران: 126]، وقوله تعالى: { وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ
بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
} [الأنفال: 10].
ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف
، ورجع إلى العريش فدخله ، ومعه فيه أبو بكر الصديق ، ليس معه فيه غيره ، ورسول الله
صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر ، ويقول فيما يقول : اللهم إن تهلك
هذه العصابة اليوم لا تعبد ، وأبو بكر يقول : يا نبي الله : بعض مناشدتك ربك
، فإن الله منجز لك ما وعدك .
وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة
وهو في العريش ، ثم انتبه فقال : أبشر يا أبا بكر ، أتاك نصر الله . هذا جبريل
أخذ بعنان فرس يقوده ، على ثناياه النقع .
والتقى الفريقان وقام النبي صلى الله عليه
وسلم بين يدي ربه يدعو ويلح في الدعاء ويتضرع بين يدي ربه ويستغيث به , يقول اللهم
أنجز لي ما وعدتني , اللهم هذه قريش قد أتت بخيلها وخيلائها تصد عن دينك وتحارب رسولك
,ثم يقول عن أصحابه : اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض .
واستجابة من الرب سبحانه وتعالى لاستغاثة
نبيه واستغاثة الصحابة أنزل عليهم نصره , أنزل الملائكة فهزموا عدوهم , هزمت قريش وولوا
الدبر , قتل من المشركين سبعون وأسر سبعون وجمع من القتلى أربعة وعشرون من صناديد المشركين
فألقي بهم في قليب من قلبان بدر , منهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد
بن عتبة وغيرهم من رؤوس الكفر وصناديد المشركين .
وبعد ثلاث ليال أقامها النبي صلى الله عليه
وسلم ببدر , انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند انصرافه وقف علي القليب ونادى
أولئك الصناديد بأسمائهم وأسماء آبائهم , يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان لقد وجدنا
ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا .
فقال له عمر الفاروق : أتنادي أجساداً قد
بليت يا رسول الله . فقال : والله ما أنتم بأسمع لكلامي منهم ,ذلك أن الله عز وجل أسمعهم
نداء نبيه في تلك اللحظة
رَوَى مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا،
ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: (يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ يَا
أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ يَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ أَلَيْسَ
قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي
رَبِّي حَقًّا". فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْمَعُونَ، وَأَنَّى يُجِيبُونَ وَقَدْ جَيَّفُوا؟
قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ
وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا). ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا
فِي الْقَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ." جَيَّفُوا" بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْيَاءِ،
وَمَعْنَاهُ أَنْتَنُوا فَصَارُوا جِيَفًا. وَقَوْلُ عُمَرَ:" يَسْمَعُونَ"
اسْتِبْعَادٌ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ (حُكْمُ) الْعَادَةِ. فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ كَسَمْعِ الْأَحْيَاءِ. وَفِي
هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ بِعَدَمٍ مَحْضٍ وَلَا فَنَاءٍ صِرْفٍ،
وَإِنَّمَا هُوَ انْقِطَاعُ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِالْبَدَنِ وَمُفَارَقَتُهُ، وَحَيْلُولَةٌ
بَيْنَهُمَا، وَتَبَدُّلُ حَالٍ وَانْتِقَالٌ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ. قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ
وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ) الْحَدِيثَ.
وفي هذين الفريقين فريق الإيمان رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفريق الكفر والشرك قريش وصناديدها أنزل الله تبارك وتعالى
قوله: هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم
الحميم [الحج:19].
ان من عظم هذه الغزوة وعلو شأنها كان شأن
هؤلاء القلة. فها هو أحدهم حاطب بن أبى بلتعة رضي الله عنه وقد تورط بعد ذلك في عمل
خطير، لو اقترفه غيره لقتل فورا وهو تسريب بعض المعلومات العسكرية عن تحركات النبي
نحو مكة، فأرسل رضي الله عنه كتابا إلى أهل مكة ينبئهم بتحركات الرسول ، ولكن وقع الكتاب
قبل أن يصل إلى هدفه في يدي الرسول، فاستدعى حاطبا ليسأله، فقال عمر بن الخطاب: دعني
اضرب عنقه يا رسول الله. فقال الرسول: ((إنه من أهل بدر وما يدريك لعل الله اطلع إلى
أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) أخرجه البخاري وفي رواية في الصحيح:
((اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة)) أخرجه البخاري
ان من أبرز سمات معركة بدر أنه تلاشت فيها
العصبيات والقبليات والنعرات الجاهلية، فلم يكن المسلمون ينتصرون لقبيلة أو لون أو
جنسية، بل كانوا ينصرون الإسلام وأهله ويواجهون المشركين أعداء الله بغض النظر عما
بينهم من خلافات إن وُجد بينهم خلافات، {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [النساء: 76].
وظهر الولاء والبراء وهو أصل من أصول الإيمان
: قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ
مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ
إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ
بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ
فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ
حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22].
كان مصعب بن عمير حامل لواء المسلمين، وَكَانَ
أَبُو عَزِيزٍ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمٍ، أَخُو مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ لِأَبِيهِ
وَأُمِّهِ وقد وقع أسيرًا يوم بدرٍ في يد أحد الأنصار، فَقَالَ أَبُو عَزِيزٍ: مَرَّ
بِي أَخِي مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَأْسِرُنِي، فَقَالَ:
شُدَّ يَدَيْكَ بِهِ، فَإِنَّ أُمَّهُ ذَاتُ مَتَاعٍ، لَعَلَّهَا تَفْدِيهِ مِنْكَ،
فقَالَ لَهُ أَبُو عَزِيزٍ: يَا أَخِي، هَذِهِ وَصَاتُكَ بِي! فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ:
إنَّهُ أَخِي دُونَكَ.
وقد ظهر صبر الصحابة وحسن بلائهم جليا في
الغزوة، نذكر من ذلك موقف الصحابية الجليلة الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ التي خلدت
للأمة درسا في الصبر و الفداء بالروح وفلذة الكبد، فقد روى أَنَس بن مالك رضي الله
عنه “أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، وَكَانَ ابْنُهَا الْحَارِثُ بْنُ سُرَاقَةَ أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ حَارِثَةَ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ احْتَسَبْتُ
وَصَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصِبِ الْجَنَّةَ اجْتَهَدْتُ فِي الدُّعَاءِ، فَقَالَ:
“يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ
الأَعْلَى” وكان حارثة غلاما في مقتبل العمر.
ثم ظهر موقف الرفق في مسألة الأسرى حيث
أسروا من المشركين سبعين رجلا، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في شأنهم
،فكان رأيه من رأي أبي بكر إذ قال : يا رسول الله، هؤلاء بنو العمِّ والعشيرة والإخوان،
وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوةً لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم
الله فيكونوا لنا عَضُدًا.” وعلى الرغم من نزول الآيات بعد هذا الموقف تعاتب رسول اللهأنه
أخذ بالرفق واللين مع هؤلاء الأسرى في هذا الموقف {لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ
لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 68] رغم ذلك لم يكن هذا
دافعًا لأن يسيء رسول الله معاملة هؤلاء الأسرى، أو يُغَيِّر من تعامله معهم بعد أن
أخذ قرارًا بإعفائهم من القتل، وقبول الفدية ممن يستطيع.
يا ابن آدم: أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل
ما شئت فإنك ملاقيه، وكن كما شئت فكما تدين تدان، ثم صلوا على خاتم النبيين، وإمام
المرسلين، فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين، فقال -عز من قائل-: (إِنَّ اللَّهَ
وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا
عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56]، وقال -صلى الله عليه وسلم-:
"من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرًا".
اللهم صلّ وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وذي النورين عثمان، وأبي السبطين علي، وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.