recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة بدرٌ ورمضان: حين ينتصر الإيمان الشيخ عادل عبدالله هندي

بدرٌ ورمضان: حين ينتصر الإيمان



الحمد لله العزيز القويّ، ناصر المستضعفين، وقاصم الجبّارين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعد بالنصـر من نصـره، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، القائل: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

أما بعد، فمرحبا بكم عباد الله:

وأوصي نفسي وإياكم بتقوى الله، واعلموا أن الأمم لا تنتصر بقوة الأجساد وحدها، ولا بوفرة العَدد والعُدد فحسب، وإنما تنتصـر حين تسمو أخلاقها، ويعلو إيمانها، وتتوحد كلمتها، وتصدق مع ربها.

وإذا أردنـا أن نرى الأخلاق في أبهى صورها، فلننظر إلى مدرسةٍ عظيمةٍ من مدارس السيرة، إنها غزوة بدر الكبرى، التي وقعت في السابع عشـر من رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، فكانت أول معركة فاصلة بين الحق والباطل، وأول انتصارٍ كبيرٍ للمؤمنين.

لقد كانت بدرٌ أكثر من معركة عسكرية؛ كانت مدرسةً في الإيمان، ومنهجًا في الأخلاق، ودستورًا في القيادة، وبرهانًا على أن النصر من عند الله.

أولا: بدر مدرسة الأخلاق

عباد الله، إنَّ رسالة الإسلام رسالة أخلاق قبل أن تكون رسالة سيف، قال صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق». فالأخلاق في الإسلام ربانيّة المصدر، شاملة لكل الحياة، ثابتة في مبادئها، عادلة حتى مع الأعداء.

تأملوا أخلاق النبي في بدر، وذلك على النحو التالي...

خلق التخطيط والأخذ بالأسباب: لم يعتمد على المعجزة، بل خطط، ورتّب الصفوف، وبعث العيون، واختار الموقع، واستشار الصحابة. هكذا يُعلِّمنا أن التوكل لا يعني التواكل.

خلق الشورى: قـال صلى الله عليه وسلّم: «أشيروا عليّ أيها الناس»، فتكلم المهاجرون، ثم أراد أن يسمع الأنصار، فقام سعد -رضي الله عنه- ونطق بكلمات خالدة. هذا قائد الأمة يستشير جنوده! أيُّ خلقٍ أعظم من هذا؟

خلق العدل حتى مع الأعداء: لما أُسر سهيل بن عمرو، وأراد بعض الصحابة أن يُمثَّل به، قال : «لا أُمثِّل به». بينما كان العالم يومها لا يعرف إلا البطش، كان محمد يرسخ قيم العدل.

خلق الوفاء: لما عاهد حذيفة بن اليمان وأبوه قريشًا ألا يقاتلا، أصرّ النبي أن يلتزما بالعهد. دينٌ لا يقبل الغدر، ولو كان في ساحة الحرب.

خلق الرحمة: وقف على قتلى المشـركين، وتأثَّر وبكى؛ لأن قلوبًا عاندت فهلكت. أيُّ قلبٍ هذا القلب الرحيم؟

خلق الإخلاص والتواضع: بعد النصـر لم يقل: انتصرنا بخططنا، بل قال: «نصـرني الله». نسب الفضل إلى ربه... فهكذا كانت بدر: انتصار أخلاق قبل أن تكون انتصار سيوف.

ثانيًا: بدرٌ ووحدة الصف

أيها المسلمون، ما انتصـرت أمةٌ وهي متفرقة، ولا ارتفعت رايةٌ في ظل النزاع. قال تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ في بدر توحد المهاجرون والأنصار، وتكاملت الأدوار، وتقدمت القيادات الشابة، وبرز فضل أبي بكر وعمر والمقداد وسعد رضي الله عنهم، فكانوا صفًا واحدًا خلف قائدهم ؛ فالأمة لا تنتصـر بالاختلاف، ولا بمخالفة أمر الله ورسوله، وإنما تنتصر بالطاعة، والثبات، ووحدة الكلمة.

ثالثًا: رمضان شهر الانتصار

عباد الله، بدر لم تقع في أي شهر… بل وقعت في رمضان. رمضان الذي يظنه بعض الناس شهر نوم وكسل، هو في الحقيقة شهر العزائم الكبرى والانتصارات العظمى.

في رمضان كانت بدر، وفي رمضان كان فتح مكة، وفي رمضان انتصاراتٌ متتابعة عبر التاريخ، لأن رمضان يصنع الرجال... إنه شهر الانتصار على النفس قبل الانتصار على العدو.

انتصار على الرياء، لأنَّ الصيام سرّ بين العبد وربه.

انتصار على الشهوات، حين يقول الصائم: إني امرؤ صائم.

انتصار على الغيبة والنميمة، فليس الصيام من الطعام والشراب فقط.

انتصار على البخل، وكان النبي أجود ما يكون في رمضان.

انتصار على الكسل، فرمضان تدريب على الانضباط لا على التراخي.

انتصار على اليأس، ﴿ولا تيأسوا من روح الله﴾.

انتصار على الفرقة، فالصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون.

انتصار على الضعف الروحي، بقيامٍ وقرآنٍ وذكرٍ وصدقة. فإذا كانت الأمة قد انتصرت في رمضان على أعدائها، أفلا تنتصر على شهواتها وعاداتها السيئة؟

رابعًا: كيف نحقق النصر اليوم؟

عباد الله، إنَّ النصر ليس قصةً تُروى، بل سننٌ تُتبع:

1. إيمان صادق بالله، ونصرة لدينه: ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾.

2. صبر وثبات عند الشدائد.

3. وضوح في الغاية والنية.

4. كثرة ذكر الله.

5. وحدة الصف وجمع الكلمة.

6. حسن التوكل مع الأخذ بالأسباب.

7. أملٌ ويقينٌ فيما عند الله.

8. عدم الاغترار بقوة المتجبرين؛ فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.

عباد الله،

اجعلوا رمضان نقطة تحول في حياتكم، واجعلوا من بدرٍ قدوةً في أخلاقكم، وفي بيوتكم، وفي أعمالكم، وفي دعوتكم.. انتصـروا على أنفسكم… ينصـركم الله على أعدائكم. أصلحوا سرائركم… يصلح الله علانيتكم. كونوا مع الله… يكن الله معكم.

اللهم كما نصـرت عبادك في بدر، فانصرنا على أنفسنا، وانصـرنا على أهوائنا، واجعل لنا من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، واجعل هذا الشهر فاتحة نصـرٍ وعزٍّ وتمكين. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

google-playkhamsatmostaqltradent