recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة آيات الله في بدر الشيخ عبدالناصربليح

آياتُ اللهِ في بدرَ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين أما بعد فياعباد الله 

:"وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"(آل عمران:123).

عباد الله:" وقعت أحداث غزوة بدر في السابع عشر مِنْ رمضان في العام الثاني مِنَ الهجرة النبوية، بين المسلمين بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، وقريش ومَنْ حالفها مِنَ العرب بقيادة أبي جهل عمرو بن هشام، وقد سُمِّيَت غزوة بدر بهذا الاسم نسبة إلى المنطقة التي وقع القتال فيها بالقرب من بئر بدر بين مكة والمدينة المنورة، وقد انتهت هذه الغزوة المباركة بانتصار المسلمين على قريش وقتل قائدهم عمرو بن هشام، وقد قال الله تعالى عنها:"وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"(آل عمران:123). 

قال ابن كثير: "قوله:"وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ" أي: يوم بدر، وكان في يوم جمعة وافق السابع عشر من رمضان، من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرب محله، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فيهم فَرَسان وسبعون بعيرا، والباقون مشاة، ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه، وكان العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد (المُغطي للبدن) والبَيْض (خُوَذ من حديد على شكل نصف بيضة يقي بها المحارب رأسه)، والعُدة الكاملة والخيول المُسَوَّمة والحُلي الزائد، فأعز الله رسوله، وأظهر وحيه وتنزيله، وبيَّض وجه النبي وقبيله، وأخزى الشيطان وجيله، ولهذا قال تعالى - ممتنا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين ـ: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} أي: قليل عددكم ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله، لا بكثرة العَدد والعُدًد"..

 وقد سماها الله عز وجل أيضا بيوم الفرقان، والتي فرَّق الله عز وجل فيها بين الحق والباطل، وأعزَّ الإسلام ودمغ الكفر وأهله، قال الله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(الأنفال:41). قال الطبري: "عن ابن عباس قوله: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} يوم بدر". وقال السعدي: "وهو يوم بدر، الذي فرَّق الله به بين الحق والباطل، وأظهر الحق وأبطل الباطل".

أبرز الدروس المستفادة من غزوة بدر

عباد الله:" 

وغزوة بدر (2 هـ) هي يوم الفرقان، وتضمنت دروساً تربوية وعسكرية وسياسية خالدة، أبرزها: حتمية نصرة الله للحق، أهمية الإيمان والتوكل على الله مع اتخاذ كافة الأسباب المادية، الشورى في القيادة، الصبر والثبات أمام العدو، وعلو العقيدة على روابط الدم، أكدت أن النصر من عند الله.

الأخذ بالأسباب: اتخذ النبي أسباب النصر باختيار الموقع المناسب، والتنظيم العسكري، واستشارة أصحابه، مما يعلمنا الجمع بين التوكل والعمل.

الشورى: تطبيق مبدأ الشورى كما في استشارة الحباب بن المنذر في موقع المعركة، مما يرسخ أهمية إشراك أهل الرأي والمشورة.

 الشورى:

الشورى هي أنْ يأخذ الإنسان برأي أصحاب العقول الراجحة والأفكار الصائبة، ويستشيرهم حتى يتبين له الصواب فيتبعه، ويتضح له الخطأ فيجتنبه، وهي تكون في الأمور التي ليس فيها أمْر مِن الله عز وجل، أو أمْر مِنْ الرسول صلى الله عليه وسلم، إذْ لا شورى مع وجود نص شرعي.. والشورى صورة من صور التعاون على الخير، واجتماع للعقول في عقل، وهي مِنْ هدي نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد سمَّى الله تعالى سورة في القرآن الكريم باسم الشورى، قال الله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}(الشورى:38). قال ابن كثير: "أي: لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه، ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها، كما قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}(آل عمران:159)، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام، يشاورهم في الحروب ونحوها". وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يشاور المسلمين، ويأخذ آراءهم، فقال تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(آل عمران:159)..

والنبي صلى الله عليه وسلم أغنى الناس عن المشاورة ـ لو استغنى عنها أحد ـ، فهو المعصوم المُسَدَّد بالوحي، وهو أحسن الناس رأيا، وأحكمهم عقلا، وأطهرهم قلبا، وأزكاهم نفسا، ولكنه مع ذلك كان يشاور أصحابه وأهله ليؤصل هذا النهج الذي تستقيم به الأمة في حياتها، فكان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس مشورة في أحواله كلّها، في السِلم والحرب، وأموره الخاصّة والعامة، حتى شهد أصحابه بذلك.. وفي غزوة بدر استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه كثيرا: حيث شاورهم في الخروج لملاقاة عِير قريش وقال قولته المشهورة: (أشيروا عليَّ أيها الناس) عندما علم بخروج قريشٍ للدفاع عن أموالها، واستشارهم عن أفضل مكان ينزلون فيه قبل المعركة، وأخذ برأي الحُبَاب بن المنذر ـ كخبير عسكري ـ وقال له: (لقد أشرتَ بالرأي)، واستشارهم كذلك بعد المعركة في موضوع أسرى قريش..

علو العقيدة: أظهرت المعركة تقديم عقيدة الإسلام على القرابة الدينية، حيث قاتل المسلمون أقاربهم من المشركين.

علو العقيدة و الإيمان والعمل الصالح من أعظم أسباب النصر؛ ولذلك وعد الله المؤمنين الصالحين بالنصر في غير آية من كتاب الله، قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ﴾ [غافر: 51].

علو العقيدة و التوكل على الله من أعظم أسباب النصر، قال تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 160].

وهذا ما حصل في غزوة بدر، فإن الصحابة على قلة عددهم وعُددهم مقابل عدوهم إلا أنهم توكلوا على الله، وقاتلوا فنصرهم الله، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [آل عمران: 123].

حتمية نصرة الحق: أثبتت المعركة أن الباطل -مهما بلغت قوته- لا يصمد أمام الحق إذا نُصر، وأن الصراع بينهما ضرورة لإحقاق الحق.

القيادة الحكيمة والتواضع: مشاركة النبي في التعب والمشي، ومساواته بنفسه مع جنوده، تجسيداً للقيادة النبوية.

الوفاء بالعهود والأخلاق: الالتزام بآداب الحرب وحقوق الأسرى، وحفظ العهود حتى في أوقات الصراع.

حفظ العهود:

السيرة النبوية بما فيها مِن غزوات وأحداث مليئة بالمواقف المضيئة التي تحث وتؤكد على الوفاء وحفظ العهد مع العدو، ومن هذه المواقف موقفه صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر مع حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأبيه.

عن حُذيفة رضي الله عنه قال: (ما مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْل، قالَ: فأخَذَنَا كُفَّار قُرَيْشٍ، قالوا: إنَّكُمْ تُرِيدون مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: ما نُرِيدُه، ما نُرِيد إلَّا المَدِينَة، فأخَذوا مِنَّا عَهْدَ الله وَمِيثَاقَه لَنَنْصَرِفَنَّ إلى المدينة، وَلَا نُقَاتِل معه، فأتَيْنَا رسولَ الله صلى اللَّهُ عليه وسلم، فأخْبَرْنَاه الخَبَرَ، فقال: انْصَرِفا، نَفِي لهمْ بعَهْدِهِمْ، وَنَسْتعِينُ اللَّهَ عليهم) رواه مسلم.

هذا الموقف النبوي يُعدُّ من مفاخر أخلاقيات الحروب في تاريخ الإنسانية، فلم ير المؤرخون في تاريخ الحروب على مَرِّ التاريخ موقفًا يُشابه هذا الموقف من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يؤكد فيه على احترام العهود والمواثيق، وهو يعطي صورة من أعظم صور الوفاء، لأن هذا العهد والاتفاق لم يكن معه صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك أقرَّه وأمضاه مع احتياجه لحذيفة رضي الله عنه في القتال في بدر، بسبب قلة عدد المسلمين وكثرة عدد المشركين، وذلك لأنه صلوات الله وسلامه عليه سيد الأوفياء، وما كان له أن يرضى بأن يخالف حُذَيفة رضي الله عنه عهداً قطعه على نفسه مع المشركين، حتى لا يُنسَب أحدٌ من أصحابه إلى الخيانة ونقض العهد.. قال النووي: "في هذا الحديث جواز الكذب في الحرب، وإذا أمكن التعريض في الحرب فهو أوْلى، ومع هذا يجوز الكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس، وكذب الزوج لامرأته، كما صرح به الحديث الصحيح، وفيه الوفاء بالعهد". وقال الصنعاني: "(ونستعين اللهَ عليهم) أي: نستغني عنكما بإعانة الله على قتالهم، وقد أعانه الله فكان له الفتح العظيم يوم بدر". وقال المناوي: "(انصرفا، نَفِي بعهدِهم) أمْرٌ لِحُذيفة وأبيه بالوفاء للمشركين بما عاهدوهما عليه.. (ونستعين الله عليهم) أي: على قتالهم، فإنما النصر من عند الله لا بكثرة عَدَد ولا عُدَد، وقد أعانه الله تعالى، وكانت واقعة (بدر) أعزَّ الله بها الإسلام وأهله".. وقال ابن القيم في "زاد المعاد": "ومِنْ هديه صلى الله عليه وسلم أن أعداءه إذا عاهدوا واحداً مِنْ أصحابه على عهد لا يضر بالمسلمين بغير رضاه أمضاه، كما عاهدوا حذيفة وأباه الحُسيل أن لا يقاتلاهم معه صلى الله عليه وسلم فأمضى لهم ذلك، وقال: (انصرفوا نفِي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم)".

 الدعاء سلاح النصر:"

 عباد الله:"إن الدعاء من أعظم أسباب النصر على الأعداء،  و الله تعالى يجيب دعوة المؤمنين إذا استغاثوا به، وهم في كرب مع عدوهم، فإن الله تعالى أمدهم بالملائكة، وأنزل عليهم النعاس، وغير ذلك كما حدث في غزوة بدر. قال تعالى: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ [الأنفال: 9].

وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186].

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو ربه ويستغيث به كلما نزل به كرب أو شدة، كما حدث في غزوة بدر.

وقال تعالى: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل: 62].

المساواة:

أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر وغيرها مِن غزوات بقيمة ومبدأ المساواة، بين القائد وجنوده، ومشاركته لهم في الظروف المختلفة، والتعب والعمل، والآلام والآمال، يتضح ذلك في موقفه وإصراره صلى الله عليه وسلم على مشاركة أبي لبابة وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما في المَشْي وعدم الاستئثار بالراحلة. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (كنَّا يومَ بدر، كلَّ ثلاثةٍ علَى بعير ـ أي يَتعاقَبون ـ، وكان أبو لبابة وعليّ بن أبي طالب زميلَي (مُرافِقَيْه على البَعير) رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، قال: فَكانَت عُقبة (نَوبة نزول) رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقالا له: نَحن نمشي عَنك ـ ليظلَّ راكِبًا ـ، فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنتُما بأقوى منى على المشيِ ولا أَنا بأَغنى عنِ الأجرِ منكما) رواه أحمد والنسائي. قال الطيبي: "فيه إظهار غاية التواضع منه صلوات الله وسلامه عليه، والمواساة مع الرفقاء، والافتقار إلى الله تعالى". وفي "المفاتيح في شرح المصابيح": "قوله: (ما أنتما بأقوى مِني) أي: بأقوى مني على السَّير راجلاً (على رِجْلَي)، بل أنا أقوى. قوله: (وما أنا بأغنى عن الأجر منكما) يعني: أنتما تريدان أن تمشِيا راجلين لطلب الأجر، وأنا أيضاً أطلب الأجرَ بأن أنزل وأُرْكِبَكُما على الدابة، وإنما قال هذا لتعليم الأمة طلب الأجر، وان كان طالب الأجرِ عالماً أو زاهداً، فإنَّ أحداً لا يستغني عن الأجر، لأن الأجر مزيد درجات النعيم"..


لقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر ـ وغيرها من الغزوات وأحداث سيرته، في السلم والحرب ـ الكثير والكثير مِن الدروس والقِيم والمواقف الحضارية في: الشورى، والمساواة، وحفظ العهود والمواثيق، وحقوق الإنسان ولو كان محارباً أو أسيراً، والتي سبقت الحضارة المعاصرة بأكثر مِن ألف وأربعمائة سنة..

google-playkhamsatmostaqltradent