الصَّوْمُ حكْمٌ وَأسْرَارٌ
"حِكْمةٌ التَّيْسِيرِ فِي الصِّيَامِ"
الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد
فياعباد الله حديثنا إليكم اليوم عن حكمة التيسير في الصيام
فيُعد التيسير في الصيام مقصداً شرعياً أصيلاً، لقوله تعالى :"يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ"(البقرة: 185)، رحمةً بالعباد ورفعاً للحرج. وتتمثل مظاهر التيسير في رخص الفطر للمريض، المسافر، الحامل، والمرضع، والشيخ الكبير، وصحة صيام من أكل أو شرب ناسياً، مما يؤكد سماحة الإسلام.
أبرز مظاهر التيسير في الصيام:
رخصة الفطر للمريض والمسافر: أباح الله
للمريض الذي يضره الصيام والمسافر سفراً يُبيح القصر الفطر، مع قضاء أيام أُخر، تيسيراً
عليهم.
عذر أصحاب الأمراض المزمنة والعجز: الشيخ
الكبير والمريض الذي لا يُرجى شفاؤه يُفطران ويطعمان عن كل يوم مسكيناً (الفدية) بدلاً
من الصيام.
حالات خاصة (الحامل والمرضع): يسر الله
عليهما بالفطر إذا خافتا على أنفسهما أو أولادهما، مع القضاء لاحقاً.
النسيان: من أكل أو شرب ناسياً في نهار
رمضان فلا قضاء عليه وصيامه صحيح، فالله هو الذي أطعمه وسقاه.
الحيض والنفاس: يسر الله على المرأة بوجوب
الإفطار أثناء الحيض والنفاس وقضاء الأيام لاحقاً، مراعاةً لظروفها الجسدية.
صلاة التراويح: شرعت سنةً لتيسير قيام الليل في رمضان، وليست فرضاً، تخفيفاً عن الناس.وتصلي إحدي عشر ركعة كما ورد في الحديث الصحيح عنعائشة أم المؤمنين قالت:"- أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كان يُصلِّي من الليلِ إحدى عشرةَ ركعةً يُوترُ منها بواحدةٍ فإذا فرغ منها اضطجعَ على شِقِّهِ الأيمنِ"(البخاري ومسلم وغيرهما).
يؤكد هذا التيسير أن الدين مبني على السماحة
والرحمة، ويرفع المشقة عن المكلفين
من رحمة الله بعباده أنْ شَرَعَ لهم الدِّينَ لرعاية مصالحهم وتحقيق المنافع لهم كما يعلمها الخالق سبحانه، وقد أكَّدَتْ جميعُ الأحكام التشريعية في الإسلام عل مبدأ رفع الحرج عن العباد في التكاليف، والتيسير عليهم في التطبيق دون مشقَّة أو ضَرَر أو عُسْر، قال الله تعالى:"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا"(البقرة: 286)؛ وقال سبحانه:"وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ "(الحج: 78).
ويُعلن القرآن الكريم مبدأَ اليُسر في أحكام الصيام في قوله تعالى:" فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"(البقرة: 185).
فإرادة اليُسر للعباد من مقاصد الدين العظيمة؛ لِيُكْمِلوا عِدَّةَ صومهم، ويُكبِّروا الله تعالى على ما هداهم، ولعلهم يشكرونه بسبب الترخيص والتيسير.
وقد شملت أحكام الصيام في رمضان ترخيصاً بالإفطار لأصحاب الأعذار؛ لدفع الحرج أو الضَّرر عنهم، وتقديراً لظروفهم المتنوعة، ومن ذلك:
السَّماح بإتيان الأزواج لنسائهم في ليالي رمضان، فقد ذَكَرَ المُفسِّرون بأنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، إِذَا صَلَّوُا الْعِشَاءَ حَرُمَ عَلَيْهِمُ النِّسَاءُ وَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ إِلَى مِثْلِهَا من القابلة، ثم إنَّ ناساً من المسلمين أصابوا النساءَ والطعامَ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ الْعَشَاءِ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: "أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ"(البقرة: 187).
ومن اليُسر: وجوب الإفطار على المرأة الحائض والنفساء في شهر رمضان، مع وجوب قضاء الأيام التي أفطرت فيها مراعاةً لظروفها الصعبة، ومنعاً من تأثير الصيام عليها.
ومن اليُسر: الترخيص بالفِطْرِ للشيخ الكبير، والمريض الذي لا يُرجى شفاؤه، فيكتفيان بدفع فدية طعام مسكينٍ عن كلِّ يومٍ أفطرا فيه، ويسقط عنهما القضاء لتعذره عليهما؛ قال تعالى: "وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ "(البقرة: 184). قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: «هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لاَ يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا؛ فَلْيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا"(البخاري).
ومن اليُسر: إباحة الفِطر للمريض مرضاً عارضاً يُرجى شفاؤه، وللمسافر سفراً شرعياً، مع وجوب قضاء الأيام التي فاتتهما؛ قال تعالى:"وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ "(البقرة: 185).
ويَختار المسافِرُ الصيامَ أو الإفطارَ حسب تحمله؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: "كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَلاَ يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلاَ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ"(مسلم).
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ؛ فَرَأَى رَجُلاً قَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَقَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا لَهُ؟". قَالُوا: رَجُلٌ صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ"( مسلم).
ومن اليُسر: الترخيص للحامل والمُرضِعِ بالإفطار؛ إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما، بناءً على توصية طبيبٍ مسلمٍ حاذق، أو شعورهما العملي بالضرر.
ومن اليُسر: صحة الصيام إذا أكل أو شَرِبَ ناسياً؛ حيث يتم صيامه ولا قضاء عليه، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَسِىَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ"(مسلم).
ومن اليُسر: النهي عن صيام الوِصال رحمةً بالعباد، واجتناباً للضَّرر الحاصل منه، فعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ" مَرَّتَيْنِ. قِيلَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ:"إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي، فَاكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ"(البخاري).
ومن اليُسر: الحُكم بكفَّارةٍ لِمَنْ أفطر عمداً مع التخيير فيها، والتسامح مع العاجز عنها إشفاقاً عليه، وتداركاً للخطأ الحاصل، وتيسيراً على عِبادِه التائبين، ودفع الحرج عنهم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: هَلَكْتُ. فَقَالَ:"وَمَا ذَاكَ؟" قَالَ: وَقَعْتُ بِأَهْلِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: «تَجِدُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لاَ، قَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟" قَالَ: لاَ، قَالَ: «فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لاَ، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِعَرَقٍ، وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: «اذْهَبْ بِهَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ». قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ"(البخاري).
فهنيئاً للصائمين بفضائل صيامهم، ولأصحابِ الأعذار بسماحة الإسلام ويُسره، وتوبةِ الله ورحمته على مَنْ فرَّطَ في الإفطار ثم ندم فتدارك أمرَه بالتعويض بالقضاء والكفَّارة.
ويا خسارة مَنْ أفطر في رمضان يوماً بغير عذرٍ مشروع، فإنه أتى كبيرةً عظيمة، وفاتته فضائلُ الصوم وبركاتُ شهر رمضان، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الرؤيا التي رآها: «حتَّى إذا كنتُ في سواءِ الجَبَلِ، فإذا أنا بأصْواتٍ شديدةٍ، فقلتُ: ما هذه الأصواتُ؟ قالوا: هذا عُواءُ أهلِ النارِ. ثُمَّ انْطَلقَ بي، فإذا أنا بقومٍ مُعَلَّقينَ بعَراقيبِهمْ، مُشَقَّقَةٍ أشْداقُهمُ تسيلُ أشْداقهم دَماً. قال: قلتُ: مَنْ هؤلاء؟ قيلَ: هؤلاء الذين يُفَطِرونَ قَبْل تَحِلَّةِ صوْمِهِمْ أي: قبل وقت الإفطار"(ابن خزيمة وابن حبان).
اللهم أعِنَّا على الصيام والقيام وقراءة
القرآن، واجعلنا في شهر رمضان من عُتقائك من النيران، وأدخلنا الجنة من باب الريان،
يا كريم يا منَّان.