فضل الليلة الأخيرة من شهر رمضان
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام
على أشرف المرسلين.
أما بعد :
الساعات الأخيرة من رمضان
إن في خواتيم النفحات الربانية حِكَمًا
بالغة تستنهض هِمم المخلصين، حيث يمتزج في قلوب العارفين حنين الوداع بعظيم الرجاء،
ليكون ختام الشهر ميزانًا حقيقيًّا يعكس صدق العبودية وانكسار العبد أمام فيض الكرم
الإلهي.
إِنَّمَا یَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِینَ
المتأمل في طبيعة الأيام الأخيرة من شهر
رمضان المبارك يدرك أنَّ الحق سبحانه وتعالى قد ادخر في طيات الخواتيم أسرارًا لا توجد
في الفواتح؛ فالنهايات هي مظانُّ التجلِّي، وخواتيم الأعمال هي موازينُ القبول، وهذا
المعنى هو الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم الصادق؛ حيث إنَّ العبد يسير في أواخر رمضان
بين جناحَي المسارعة بالخيرات والوجل من فوات القبول، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ
یُؤۡتُونَ مَاۤ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ﴾
[المؤمنون: ٦٠].
روي عن سيدنا علي رضي الله عنه قال:
"كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا منكم بالعمل ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا
یَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِینَ﴾ [المائدة: ٢٧]"، وعن فضالة بن عبيد قال:
"لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إليَّ من الدنيا وما
فيها لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا یَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِینَ﴾".
قال ابن دينار: "الخوف على العمل أن
لا يُتقبل أشد من العمل" [لطائف المعارف، طبعة دار ابن حزم، ص ٢٠٩].
فالمؤمن الصادق لا يَمُنُّ بعمله، بل ينكسر
بقلبه على أعتاب ربه، طالبًا العفو عن التقصير، فالمعول عليه هو كرمُ القابل لا جودةُ
العمل.
أقبل على نفحات الله في الليلة الأخيرة
وآخر ليلة من ليالي رمضان هي أشرف الليالي
بعد ليلة القدر، فإن أشرف ليلة في العشر الأواخر بعد ليلة القدر هي الليلة الأخيرة،
بل قد جاءت الأحاديث بالأمر بتحري ليلة القدر في الليلة الأخيرة من رمضان، فالليلة
الأخيرة وردت فيها أحاديث من نوعين؛ أحاديث تأمر بتحري ليلة القدر فيها، كقوله عليه
الصلاة والسلام -وهي أحاديث صحيحة-: ( التمسوها في العشر الأواخر في الوتر منها )،
ثم عد الوتر في الواحد والعشرين، والثالث والعشرين، إلى أن قال: وفي التاسع والعشرين،
أو في الليلة الأخيرة، مع أن الليلة الأخيرة من ليالي الشفع إذا كانت ليلة الثلاثين،
ومع هذا أمر عليه الصلاة والسلام بتحري ليلة القدر فيها، حتى إن بعض العلماء بوب باباً
خاصاً لليلة الأخيرة من رمضان، كما فعل ابن خزيمة رحمه الله في صحيحه، فقال: باب الأمر
بطلب ليلة القدر في الليلة الأخيرة من رمضان، ثم ذكر الأحاديث التي وردت عن النبي صلى
الله عليه وسلم في الأمر بتحري ليلة القدر في الليلة الأخيرة، وهناك أحاديث من نوع
آخر على فرض أنها لم توافق ليلة القدر فهي أشرف من غيرها من الليالي، جاء في الحديث
الذي رواه الإمام أحمد ، قال عليه الصلاة والسلام: ( أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان
)، أي: خص الله هذه الأمة بخمس خصال، ثم عد الخصالالخمس: الأولى: ( خلوف فم الصائم
أطيب عند الله من ريح الصائم )، إلى أن قال في الخصلة الأخيرة والخامسة: ( يغفر لهم
في آخر ليلة )، قال الراوي للنبي عليه الصلاة والسلام: ( أهي ليلة القدر يا رسول الله؟
قال: لا ) قال: يعني: المغفرة ليست خاصة بما إذا وافقت ليلة القدر، ففي كل سنة يغفر
الله لهم في آخر ليلة، سواءً وافقت ليلة القدر أم لم توافق ليلة القدر، الصحابي ظن
بأن فضل الله عز وجل في هذه الليلة بالمغفرة لأنها ليلة القدر، فسأل: ( أهي ليلة القدر
يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله )، فالعمال نعطيهم
الرواتب آخر الشهر، فآخر الشهر إذا قضى الإنسان العمل يعطى الأجر والمثوبة، والأجر
والمثوبة في هذه الليالي المغفرة والعتق من النار، فيغفر لهم في آخر ليلة، هذا بالنسبة
للمغفرة.
وفي حديث آخر ورد في العتق من النار في
هذه الليلة، قال عليه الصلاة والسلام: ( يعتق الله عز وجل في كل ليلة من ليالي رمضان
ستمائة ألف )، في كل ليلة من أول رمضان ( فإذا كان في آخر ليلة أعتق من النار بعددهم
جميعاً )، يتفضل عليهم بقدر العدد الذي أعتقه وزيادة، فهذه الليلة الأنفاس الأخيرة
في رمضان، والساعات القادمة آخر الساعات ينبغي أن يكون حرص المؤمن على اغتنامها أشد
ما يكون، وربما تكون لحظات في أواخر الوقت هي سبب المغفرة والقبول عند الله تعالى.
إنها الليلة التي يجبر الله فيها كسر القلوب
المحرومة، ويختم فيها بالعتق لجموع الصائمين، حيث يعتق الله فيها بعدد ما أعتق من أول
الشهر إلى آخره، كما ذكره الحافظ ابن رجب. [لطائف المعارف، طبعة دار ابن حزم، ص
٢١٠].
عبرة الختام وثمرة الصيام
إنَّ هذا الختام الرمضاني يصهر روح المؤمن
ليدخله في رحاب العيد بمفهومه الحقيقي؛ فالعيد ليس مجرد مظاهر مادية، بل هو كما قرره
عمر بن عبد العزيز: "عيدُ مَن طاعته تزيد، ومَن غُفرت له الذنوب". [لطائف
المعارف، ص ٢٠٩].
عن قتادة: كان يقال: من لم يغفر له في رمضان
فلن يغفر له فيما سواه، وفي حديث آخر: إذا لم يغفر له في رمضان فمتى يغفر لمن لا يغفر
له في هذا الشهر، من يقبل من رد في ليلة القدر متى يصلح من لا يصلح في رمضان حتى يصلح
من كان به فيه من داء الجهالة والغفلة مرضان، كل ما لا يثمر من الأشجار في أوان الثمار
فإنه يقطع ثم يوقد في النار، من فرط في الزرع في وقت البدار لم يحصد يوم الحصاد غير
الندم والخسارة.
ترحل شهر الصبر وانصرما ** واختص بالفوز في الجنات من خدما
وأصبح الغافل المسكين منكسرا ** مثلي فيا
ويحه يا عظم ما حرما
من فاته الزرع في وقت البدار فما ** تراه
يحصد إلا الهم والندما
يقول ابن مسعود رضي الله عنه في ختام الشهر:"
مَن هذا المقبول منا فنهنئه، ومن هذا المحروم منا فنعزيه؟ أيها المقبول هنيئًا لك،
أيها المردود جبر الله مصيبتك". [لطائف المعارف، ص ٢١١].
إنَّ المنهج الحق هو أن يخرج المسلم من
رمضان بقلبٍ سليم، ولسانٍ ذاكر، وعزمٍ صادق على الاستقامة، ليكون ربانيًّا لا رمضانيًّا،
متصلًا بنور ربه في كل زمان ومكان.
فعليك بأن تجتهد إلى النهاية أيها المؤمنون!
تعلمون قصة الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً، ثم سأل: هل له توبة؟ فذهب وسأل عابداً
ليس له علم، فقال له: كيف تريد توبة وقد قتلت تسعاً وتسعين نفساً؟ فقتله وأكمل به المائة،
ثم بعد ذلك أنبه ضميره مرة ثانية فأراد أن يتوب، فسأل: هل له توبة؟ فدل هذه المرة على
عالم، فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ إن باب التوبة مفتوح، فتاب، لكن ما الذي حصل
معه؟ أمره هذا العالم أن يترك القرية التي كان يسكنها؛ لأنها أرض سوء، قال: اذهب إلى
قرية كذا فإن فيها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم، فسافر يريد القرية الثانية،
فأتاه الموت وهو في الطريق، قال راوي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: فجعل ينوء
بصدره جهة القرية، وهو مضطجع على الأرض، يغتنم ما بقي من عمره ولو لحظة واحدة، وهو
على الأرض مضطجع ينوء بصدره، يحاول أن يحرك نفسه ويوجه نفسه جهة القرية التي يريدها،
فقبض الله روحه، ولما قبضت روحه أرسل الله عز وجل ملائكة الرحمة وملائكة العذاب يختصمون
فيه، فملائكة الرحمة تقول: رجل جاء تائباً فإنه يستحق الرحمة، وملائكة العذاب تقول:
لم يعمل خيراً قط، طول عمره يسفك الدماء، فبعث الله إليهم ملكاً حكماً بين الفريقين:
أن يقيسوا المسافة بينه وبين القرية الصالحة، والمسافة بينه وبين القرية التي كان فيها،
فأيهما أقرب نسب إليه، فإذا كان أقرب إلى الصالحين دخل في الرحمة، وإذا كان أقرب إلى
أولئك فهو معهم، فلما قاسوا المسافة وجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر واحد، هذا
الشبر ربما يكون ثمرة الحركة وقت الأنفاس الأخيرة، ربما يكون هذا الشبر هو ثمرة تلك
اللحظة الأخيرة، اللحظة الواحدة في هذه الدنيا، الربع الساعة، والخمس الدقائق هذه لو
بذلت مال الدنيا كله من أجل أن تشتريها إذا جاءك الموت لا تستطيع من أجل أن تصلي ركعتين،
أو تسبح تسبيحة، وعندك مال الدنيا كله، تقول: أنا أبذل لكم هذا المال كله، مقابل أن
تؤخروني خمس دقائق، يقال لك: كلا، فأشرف ما في هذا الوجود عمر الإنسان المسلم، عمرك،
ساعتك، لحظتك، لا يوجد زمان أنت مفرغ فيه للعبادة وزمان بعد ذلك تتركه أو تتكاسل عنه
أو نحو ذلك، إنما هناك أزمان تستزيد فيها من الطاعات، ثم تواصل المسير بقدر الاستطاعة،
نسأل الله أن يجعل خاتمتنا إلى خير، وأن يحسن عاقبتنا في الأمور كلها.
أيها السالك طريق ربه، اجعل من ختام شهرك
معراجًا لروحك نحو الاستقامة؛ فاللهُ سبحانه يريد منك أن تكون ربانيًّا لا موسميًّا،
فداوم على أدب الطاعة ليدوم عليك مدد القبول، فمَن عرف ربّ رمضان عرف أنه معه في كل
زمان ومكان.