recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة جرائم التحرش الإلكتروني إعداد الشيخ أحمد أبو اسلام

 جرائم التحرش الإلكتروني 

شرُّ الخلق هم الذين يستخدمون  نعمة الله تعالى في معصية الله

من نعم الله علينا وسائل التواصل الاجتماعي

 الحذر من الوقوع في أعراض المسلمين

 راقبوا أبناءكم وبناتكم

 ارشادات للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي

الحمد لله ،،،

شرُّ الخلق هم الذين يستخدمون  نعمة الله تعالى في معصية الله

 

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، شَرُّ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَغِلُّونَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَخُونُونَهَا، وَيَسْتَخْدِمُونَهَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، هَؤُلَاءِ يُعَذِّبُونَ أَنْفُسَهُمْ بِعُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾ [طـه: 124-126].

يَا عِبَادَ اللَّهِ، نِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ، فَمَنْ شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ رَأَيْتَهُ عَبْدًا مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ، قَرِيرَ الْعَيْنِ، رَاضِيًا عَنْ رَبِّهِ أَتَمَّ الرِّضَا، مَلَأَ قَلْبَهُ حُبًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَرَجَاءً فِيهِ، وَيَقِينًا فِي رَحْمَتِهِ، وَاسْتَبْشَرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: 7]؛ لِأَنَّ الشُّكْرَ لِلَّهِ تَعَالَى يَعْقِلُ النِّعْمَةَ الْمَوْجُودَةَ، وَيَسْتَجْلِبُ النِّعْمَةَ الْمَفْقُودَةَ.

من نعم الله علينا وسائل التواصل الاجتماعي

 

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ، مِنْ جُمْلَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا نِعْمَةُ مَا يُسَمَّى بِوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَكُلُّ نِعْمَةٍ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا اخْتِبَارٌ وَابْتِلَاءٌ ﴿ لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ [النَّمْلِ: 40]، وَأَجْهِزَةُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ بِحَدِّ ذَاتِهَا نِعْمَةٌ، وَلَكِنَّهَا وَبِكُلِّ أَسَفٍ انْقَلَبَتْ إِلَى نِقْمَةٍ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ، حَيْثُ سَهَّلَتْ عَلَيْهِمْ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعَالَى، بِسَبَبِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

يَا عِبَادَ اللَّهِ، يَا أَصْحَابَ الْجَوَّالَاتِ، رَاقِبُوا اللَّهَ تَعَالَى الْقَائِلَ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النِّسَاءِ: 1]، وَالْقَائِلَ: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾ [الْعَلَقِ: 14]، وَالْقَائِلَ: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ [الْحَدِيدِ: 4]، وَالْقَائِلَ: ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ [طـه: 46].

يَا أَصْحَابَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، لَا تَجْعَلُوا اللَّهَ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْكُمْ، وَتَذَكَّرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18]، وَاسْمَعُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ».

قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.

قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلِتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ»؛ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَعَلَى الْمَرْءِ كَذَلِكَ أَنْ يَتَذَكَّرَ مَسْؤُولِيَّتَهُ عَمَّا تَجْتَرِحُهُ جَوَارِحُهُ مِنْ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴾ [النُّورِ: 24-25].

وَإِنَّ مِمَّا يُذْكَرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا جَاءَ عَنِ الْمَعْصُومِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ قَالَ: «إِنَّهُ أَتَانِيَ اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِيَ انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا»، وَفِيهِ: «فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكُلُوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمِنْخَرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى».

وَفِيهِ: «وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ، يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمِنْخَرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الْكِذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ»؛ (الْحَدِيثُ بِطُولِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 الشَّرْحُ:

1. «فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ»

أَيْ: مُضْطَجِعٌ عَلَى ظَهْرِهِ، لَا يَسْتَطِيعُ الدِّفَاعَ عَنْ نَفْسِهِ، فِي حَالَةِ عَجْزٍ تَامٍّ.

2. «وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكُلُوبٍ مِنْ حَدِيدٍ»

الْكُلُوبُ هُوَ آلَةٌ حَدِيدِيَّةٌ ذَاتُ خُطَّافٍ تُسْتَخْدَمُ لِلشَّدِّ وَالتَّمْزِيقِ.

3. «فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ»

أَيْ: يَمْزِقُ جَانِبَ فَمِهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى مُؤَخِّرَةِ رَأْسِهِ، وَالشِّدْقُ هُوَ جَانِبُ الْفَمِ.

4. «وَمِنْخَرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ»

أَيْ: يُمَزَّقُ أَيْضًا أَنْفُهُ وَعَيْنُهُ حَتَّى مُؤَخِّرَةِ رَأْسِهِ، تَمْزِيقًا بَشِعًا مُتَكَرِّرًا.

5. «ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ...»

أَيْ: بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ تَمْزِيقِ نِصْفِ الْوَجْهِ، يَنْتَقِلُ إِلَى النِّصْفِ الْآخَرِ لِيَفْعَلَ بِهِ الشَّيْءَ نَفْسَهُ.

6. «فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ»

أَيْ: بَيْنَمَا يَنْتَهِي مِنْ جِهَةٍ، تَكُونُ الْجِهَةُ الْأُخْرَى قَدْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ أَوَّلًا، فَيَبْدَأُ الْعَذَابُ مِنْ جَدِيدٍ — عَذَابٌ مُتَجَدِّدٌ لَا يَنْقَطِعُ.

  المعنى والعبرة:

 

هَذَا الرَّجُلُ يُعَذَّبُ فِي الْبَرْزَخِ (مَا بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْبَعْثِ) لِأَنَّهُ كَانَ يَكْذِبُ الْكِذْبَةَ الْكَبِيرَةَ الَّتِي تَنْتَشِرُ بَيْنَ النَّاسِ وَتَبْلُغُ الْآفَاقَ، أَيْ تَنْتَشِرُ بِسُرْعَةٍ وَتَصِلُ إِلَى أَمَاكِنَ بَعِيدَةٍ.

تَمْزِيقُ الْوَجْهِ يُرْمِزُ إِلَى أَنَّ الْوَجْهَ هُوَ أَدَاةُ الْكَذِبِ (الْفَمُ وَالْأَنْفُ وَالْعَيْنُ)، فَالْعُقُوبَةُ جَاءَتْ مِنْ جِنْسِ الذَّنْبِ.

كُلَّمَا انْتَهَى الْعَذَابُ عَادَ وَجْهُهُ كَمَا كَانَ، لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَكْرَارِ الْعَذَابِ دُونَ تَوَقُّفٍ، لِأَنَّ الْكَذِبَ الْمُزَعْزِعَ لِلنَّاسِ لَا يَنْقَطِعُ أَثَرُهُ بِسُهُولَةٍ.

وَهَذَا وَاقِعٌ مَشْهُودٌ، يَكْذِبُ الْإِنْسَانُ الْكِذْبَةَ فِي هَذَا الْجِهَازِ فَتَبْلُغُ الْآفَاقَ، وَعِقَابُهُ فِي الْبَرْزَخِ مَا قَدْ سَمِعْتُمْ.

الحذر من الوقوع في أعراض المسلمين

 

فَالحَذَرَ الحَذَرَ، وَاعلَموا أَنَّ أَعرَاضَ المُسلِمِينَ وَأَسرَارَهُم غَيرُ مُبَاحَةٍ لِلتَّعَدِّي، وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ يَجِبُ سَترُ المُسلِمِينَ، وَيَحرُمُ كُلُّ مَا يُؤَدِّي إِلَى انتِهَاكِ أَعرَاضِهِم وَفَضحِهَا، فَالإِسلَامُ دِينُ الأَخلَاقِ الحَسَنَةِ، وَقَد أَمَرَ بِحِفظِ الأَعرَاضِ مِن أَن تُنتَهَكَ بِالقَولِ أَوِ الفِعلِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُورِثُ العَدَاوَةَ وَالبَغضَاءَ بَينَ المُسلِمِينَ.

وَقَد وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، حَيثُ يَقولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:

«يَا مَعشَرَ مَن آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَم يَدخُلِ الإِيمَانُ قَلبَهُ».

وَهَذَا نِدَاءٌ لِلتَّحذِيرِ؛ لِأَنَّ الإِيمَانَ يَجِبُ أَن يَكُونَ بِالجَوَارِحِ بَعدَمَا يَصدُقُ وَيَستَقِرُّ فِي القَلبِ، فَتَكُونُ الأَفعَالُ وَالأَعمَالُ وَالاستِجَابَةُ لِلأَوامِرِ وَالنَّوَاهِي دَلِيلًا عَلَى هَذَا التَّصدِيقِ.

"لا تَغْتابوا المسلِمينَ"، أي: لا تَذكرُوهم في غَيبتِهم بما يَسوءُهم ويُحزِنُهم، "ولا تتبِعوا عَوراتِهم"، أي: ولا تتحرَّوْا تتبُّعَ سقَطاتِهم وزَلَّاتِهم، وكشْفَ ما يَسترُونَه عن النَّاسِ من القَبائحِ؛ "فإنَّه مَنِ اتَّبع عَوراتِهم يتَّبِعِ اللهُ عورتَه، ومَن يتَّبعِ اللهُ عوْرتَه يفضَحْه في بيتِه"، أي: يكونُ الجزاءُ مِن جِنس العَملِ، فكمَا تتبَّعوا سَقطاتِ المسلمينَ وزلَّاتهِم واغْتابوهم لفَضحِهم، سَخَّر اللهُ تَعالى له مَن يتَّبعُ عورتَه فيفضَحُه حتى وهو في بيتِه.

وفي الحديثِ: بيانُ أنَّ الإيمانَ يكونُ بالقولِ والعَملِ والجوارحِ، وأنَّ المغْتابَ لم يَستقِرَّ الإيمانُ في قلبِه.

وفيهِ: التَّحذيرُ من الغِيبةِ، والترهيبُ الشَّديدُ مِن تتبُّعِ عوراتِ المسلمينَ.

عباد الله:

لا يليق بمجتمع الإسلام تداوُل أقاويل وأحاديث سندُها الظنُّ والتخمين، والرجمُ بالغيب من غير تثبيتٍ ولا تبيين، فذلكم مما يحمِل المفاسد العُظمى، ويتضمَّن الآثام الكبرى، لذا جاء النهي الصريح من سيد الثَّقَلَيْن -عليه الصلاة والسلام- عن تلك المبادئ القبيحة، والمسالك المُعوجَّة؛ ففي الصحيحين أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله كرِه لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".

إخوة الإسلام: حُرمة الأعراض عظيمةٌ في الإسلام، لذا فمن أعظم الظلم: التجنِّي على أحدٍ من المسلمين، أو التعرُّض له وفق عواطف عمياء، وتبعيَّةٍ بلهاء، فقد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الربا اثنان وسبعون بابًا، أدناها مثل إتيان الرجلِ أمَّه، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عِرْض أخيه". وفي حديثٍ آخر: "أربى الربا شتم الأعراض".

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج لمَّا عٌرِج به -وأرجو أيها الأخ العزيز، أن تتخيل المشهد- (رأى رجالاً لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم، وصدورهم -تخيل الدم ينزل، ولو رأيته لقلت إنه مجنون، من يفعل بنفسه هذا الفعل؟ هذا الإنسان يخمش وجه وصدره- فقال: سبحان الله ما هذا؟! فقال: هؤلاء الذين يقعون في أعراض الناس، ويتكلمون في أعراض المسلمين) (ونظر إلى الكعبة وقال: ما أعظم حرمتك! لكنَّ حرمة المسلم أعظم منك)

فالواجب على من يخاف مقام ربه ويخشى المُثول بين يديه: البُعد عن الخوض مع الخائضين بقيل وقال، وأن لا يُشغل نفسه بما يخدِش دينه، ويُعرِّضه لغضب ربه؛ ففي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من قال في مؤمنٍ ما ليس فيه أسكنَه الله رَدْغَة الخَبال حتى يخرج مما قال". ورَدْغَة الخَبال: عصارة أهل النار.

وفي الصحيحين قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقُل خيرًا أو ليصمُت".

وفيما رواه الطبراني بسندٍ حسنٍ: "فلا تقل بلسانك إلا معروفًا، ولا تبسط يدكَ إلا إلى خير".

إِخْوَةَ الإِيمَانِ، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الخَطَرِ وَأَعْظَمِ مُصِيبَةٍ أَنْ تُنْشَرَ المَعَاصِي وَالمُوبِقَاتُ فِي وَسَائِلِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجتِمَاعِيِّ، وَتَبْقَى تَحْصُدُ تِلْكَ الذُّنُوبَ المُسْتَمِرَّةَ فِي حَيَاتِكَ وَبَعْدَ مَوْتِكَ.

قَالَ حَبِيبُ الفَارِسِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: إِنَّ مِنْ سَعَادَةِ المَرْءِ أَنْ يَمُوتَ وَتَمُوتَ مَعَهُ ذُنُوبُهُ.

إِخْوَةَ الإِيمَانِ، إِنَّ وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَصْبَحَتْ مَعَاوِلَ هَدْمٍ لِلْقِيَمِ وَالأَخْلَاقِ، وَأَصْبَحَ التَّافِهُونَ وَالفَاسِقُونَ قُدْوَاتٍ، كَمَا قِيلَ:

نَحْنُ نَشْغَلُ أَوْقَاتَنَا بِمُتَابَعَةِ فَرَاغِ الآخَرِينَ وَتَفَاهَتِهِمْ

فهذا منذر شرٍّ على المجتمع فالدُّنيا دارُ ابتِلاءاتٍ ومِحَنٍ، والحَصيفُ مَن تَحرَّز لنَفسِه ولدِينِه؛ حتَّى لا يقَعَ في الفِتَنِ، ولِيَنجُوَ مِنها، وقد علَّمَنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم سُبلَ النَّجاةِ مِن هذه الفتنِ في  الحديثِ الذي رواه ابن ماجه عن أبي هُريرةَ رَضِي اللهُ عَنه: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "سَيأتِي على النَّاسِ سَنواتٌ خَدَّاعاتٌ"؛ لِما سيَظهَرُ بها مِن قلْبٍ وتزييفٍ للحقائقِ، حتَّى فيما يَجِبُ على الإنسانِ ألَّا ينخَدِعَ فيه، "يُصدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكذَّبُ فيها الصَّادقُ، ويُؤتمَنُ فيها الخائنُ، ويُخوَّنُ فيها الأمينُ"، وهذا مِن تَبدُّلِ الأحوالِ وانقِلابِها ومِن خِداعِ الدُّنيا؛ حيث يَنتشِرُ الكذِبُ والخيانةُ ويُعتبَرانِ هما الحقيقةَ، ويَنحصِرُ الصِّدقُ والأمانةُ فيُعتبَرانِ ترَفًا، أو يُكذَّبُ مَن قال الصِّدقَ ويُخوَّنُ مَن أدَّى الأمانةَ؛ لأنَّهما أصبَحا نَشازًا في جسَدٍ مَريضٍ، لا يَستطيبُ الطَّيِّبَ، بل يَقبَلُ الخبيثَ ويَستسيغُه. ويَدخُلُ في تَضْييعِ الأمانةِ: ما كان في مَعناها ممَّا لا يَجري على طَريقِ الحقِّ؛ كاتِّخاذِ الجُهَّالِ عُلماءَ عِندَ غِيابِ أهلِ العِلمِ الحقِّ، واتِّخاذِ وُلاةِ الجَوْرِ، وحُكَّامِ الجَورِ عندَ غلَبةِ الباطلِ وأهلِه.

ثُمَّ قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "ويَنطِقُ فيها الرُّويبِضةُ، قيل: وما الرُّويبضةُ؟ قال: الرَّجلُ التَّافِهُ في أمرِ العامَّةِ"، والرَّجلُ التَّافهُ هو: الرَّذيلُ والحَقيرُ، والرُّويبضةُ تَصْغِيرُ رابِضةٍ، وهُو العاجِزُ الَّذي ربَضَ عَن مَعالي الأُمورِ، وقعَد عَن طلَبِها.

وفي الحديثِ: علَمٌ مِن أعلامِ النُّبوَّةِ؛ لأنَّه عليه السَّلامُ ذكَر فَسادَ أديانِ النَّاسِ، وتَغيُّرَ أماناتِهم، وقد ظهَر كثيرٌ مِن ذلك. عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: "سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات؛ يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكَلَّم في أمر العامة".

قد تكون شبكات التواصل منبعاً للفتن

 

أيها المتقون: إن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت منبعاً للفتن والمِحنِ, علينا أن نتنبه ونحذر ونُحاذر فالدين وأحكامه يُؤخذان من العلماء الربانيين, من علماء الأمة وبقية السلف, وليس من سفهاء النت وشبكات التواصل الاجتماعي التي جعلت من المفسدين  مصلحين والفجار أتقياء والعصاة أنقياء, ودُعي إلى الرذيلة وحُوربت الفضيلة,  وفسدت المجالسُ والبيوت فلا تُجالس أحداً في بيتك أو بيته أو مجلس أصدقائك إلا وقلبه وبصره سابحاٌ سارحٌ في بحور التواصل الاجتماعي يمزحُ تارةً ويضحكُ تارةً, ويحتارُ مُجالسه تارةً, فلا تدري أنت مجالسٌ مجنونا أم أن بك الجنون، تشتت الأسر وتمزقت, وطلق الزوجُ زوجته, ونُقلت الشائعاتُ, وسُوغت بالكذب القراراتُ, وكُذب على النبي والسنة.

أيها المؤمنون: إننا مأمورون أن نفرَ من الفتن ونحاربَها ونُنابذَ أهلها؛ لأن الفتن شرٌ مَنْ استشرفها تشرفته وأهلكته، ومَنْ تابعها ضل وأضل. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن"، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يقبض العلم، ويظهر الجهل والفتن، ويكثر الهرج", قيل يا رسول الله، وما الهرج؟ فقال: "هكذا بيده فحرفها، كأنه يريد القتل".

وعن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا", وقال حذيفة: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ""تُعرَضُ الفِتَنُ" تُوضَعُ وتُبسَطُ وتَلتصِقُ، وأصلُ الفِتنةِ الامتحانُ والاختبارُ؛ فالفِتنةُ التي يُضيفُها اللهُ سبحانَه إلى نفْسه، أو يُضيفُها رسولُه إليه بمعنى الامتحانِ والاختبارِ والابتلاءِ مِن الله لعبادِه بالخيرِ والشرِّ، بالنِّعمِ والمصائِبِ، وفِتنةُ المؤمنِ في مالِه وولدِه وجارِه لونٌ، وفتنةُ المشركين لونٌ آخَرُ، والفتنةُ التي تقعُ بين أهلِ الإسلامِ فيتقاتَلوا ويتهاجَروا لونٌ آخَرُ، وُيعرَفُ المرادُ حيثما وَرَدَ بالسِّياقِ والقرائنِ. "على القلوبِ عَرْضَ الحصيرِ عُودًا عُودًا"؛ قيل: عُودًا: بضمِّ العينِ؛ بمعنى أنَّ الفِتنَ تُلصَقُ بعَرْضِ القلوبِ؛ أيْ: بجانبِها، كما يَلصَقُ الحصيرُ بجنبِ النائمِ ويُؤثِّرُ فيه بشدَّةِ لصقِه به، وقيل: بفتحِ العينِ؛ ومعناه: تُعادُ الفِتنُ على القلبِ وتُكرَّرُ، والعَوْدُ: تَكرارُ الشيءِ، "فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها" استجابَ لها وخالَطَها، واستقَرَّتْ في قلبِه، وحلَّتْ فيه محلَّ الشرابِ كما يَستقِرُّ الماءُ بالأمعاءِ، "نُكِتتْ فيه نُكْتةٌ سوداءُ" تُرِكُ في قَلبِ صاحِبِها نُقطةٌ وعلامةٌ سوداءُ مِن أثَرِ تلك الفتنةِ، فلا يزالُ هكذا حتى يَسْوَدَّ قلبُه كلُّه مِن جميعِ جوانبِه، "وأيُّ قلبٍ أنكَرَها" فلم يَستجِبْ لها، وعَمِل على إنكارِها بالقلبِ أو اللِّسانِ أو اليدِ، "نُكِتتْ فيه نُكْتةٌ بيضاءُ" تُرِكَ في قلبِ صاحِبِها نُقطةٌ وعلامةٌ بيضاءُ أثرًا لهذا الإنكارِ؛ "حتى يصيرَ القلبُ أبيضَ" وهو الذي كثُرتْ فيه العلاماتُ البيضاءُ مِن أثرِ تكرُّرِ إنكارِه لتلك الفِتنِ، "مِثلَ الصَّفَا" وهو الحَجَرُ المَرْمَرُ الأملَسُ الذي هو في غايةِ البياضِ والصَّفاءِ، مِن شِدَّتِه على عَقْدِ الإيمانِ، وسلامتِه مِن الخَلَلِ، وأنَّ الفِتنَ لم تَلصَقْ به، ولم تُؤثِّرْ فيه كالصَّفا، "لا تضُرُّه فتنةٌ ما دامتِ السمواتُ والأرضُ" جعَلَ اللهُ لهذا القلبِ بصيرةً يَرى فيها بنورِ اللهِ فلا يَختلِطُ عليه الحقُّ والباطلُ، "والآخَرُ أَسْوَدُ" وهو القلبُ الذي كثُرتْ فيه العلاماتُ السوداءُ مِن أثرِ تكرُّرِ استجابتِه لتلك الفتنِ، "مُرْبَدًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا" والرُّبْدةُ لونٌ بينَ السَّوادِ والغُبْرةِ، فأصبَحَ القلبُ أسْودَ كالرَّمادِ، وكالإناءِ المائلِ المنكوسِ لا يَستقِرُّ فيه شيءٌ، ولا يَعلَقُ به خيرٌ ولا حِكمةٌ، فيَخْلو ويَفرَغُ عمَّا أُودِعَ فيه مِن المعارفِ ومحاسنِ الأخلاقِ والآدابِ، "لا يَعرِفُ معروفًا، ولا يُنكِرُ منكَرًا" لا يُميِّزُ بينَ المعروفِ والمنكَرِ، ويَخلِطُ بينَهما قصدًا وعمدًا، "إلَّا ما أُشرِبَ مِن هواهُ" إلَّا ما يَتَّبِعُ فيه هواهُ أنْ يَجعَلَ هذا معروفًا فيَفعَلَه، وهذا منكَرًا فيُنكِرَه، وإن خالَفَ تمييزُه هذا القواعدَ التي يَنطلِقُ منها الحقُّ والباطلُ".

إخوة العقيدة: علينا أن نتقي الله ونجتنب الفتن ما ظهر منها وما بطن, ونحمي أنفسنا من مضلات الفتن فإنها تُهلك, وتُفرق ولا تجمع, وتجعل المجتمعات بعضها يأكل بعض, وتحل الفرقة وتذهب الريح, علينا -يا عباد الله- أن نقتل الشائعات, أن نقف مع علمائنا وولاتنا وحكومتنا ورجال أمننا في صف واحد متحد غير مفترق متعاونٍ لا متعادٍ, نوجه الأبناء والبنات, ونُحذرّ الأهل والزوجات, ونوجه الجيران والقرابات؛ لنعيش بعيدين عن البدعة، ونموت على التوحيد والسنة.

ولنعلم أن النصح والإصلاح له طرقه وأهله, فننصح سرا ولا نُشهر بمسلم ولا عالمٍ ولا حاكمٍ ولا أميرٍ, ونحفظ أعراض المسلمين والمسلمات وننتقي الكلمات الطيبات, ونُحاذر من الخبيثات, وعلينا أن نسير على نهج سلفنا وعقيدتهم, وطريقة محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وكتاب ربنا, لانرجو بها قربة إلا لله, ولا نبتغي دنيا ولاعرضا, فسيروا على نهجهم تسعدوا, وسيروا على عقيدتهم تفلحوا .

أطواق النجاة من الفتن

 

وجدت هذه الأطواق تتجلَّى بشدَّة في موقف سيدنا يوسف مع امرأة العزيز، وأنت تقرأ الآيات تستغرب من ثباته أمام هذه الفتنة العظيمة التي من الصعب الصمود أمامها؛ ولكن يزول عجبك عندما تتدبَّر الآيات وتتعلَّم منها ما هي أطواق النجاة التي لبسها سيدنا يوسف لينجو بنفسه من هذا البلاء وهذه الفتنة؟  

طوق {مَعَاذَ اللَّهِ} [يوسف: 23].

طوق {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} [يوسف: 23].

 طوق {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23]. • طوق {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]. • طوق {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} [يوسف: 25].

طوق {فَاسْتَعْصَمَ} [يوسف: 32].

 طوق {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} [يوسف: 33].

 طوق {إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} [يوسف: 33].  

فما كانت نتيجة تمسُّكه بتلك الأطواق، قال الله: {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ} [يوسف: 34].

راقبوا أبناءكم وبناتكم

 

إِخْوَةَ الإِيمَانِ، إِنَّ عَلَى الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ مَسْؤُولِيَّةً عَظِيمَةً فِي مُرَاقَبَةِ الأَبْنَاءِ وَالبَنَاتِ، «فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، فَإِنَّكُمْ سَتُسْأَلُونَ أَمَامَ اللهِ عَنْ رَعِيَّتِكُمْ.

وَمِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُعِينُ عَلَى مُوَاجَهَةِ هَذَا الطُّوفَانِ التِّقَنِيِّ الَّذِي فَتَحَ أَبْوَابَ الشَّرِّ عَلَى مِصْرَاعَيْهَا، تَعْزِيزُ الرَّقَابَةِ الذَّاتِيَّةِ عِنْدَ أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا، وَهِيَ شُعُورٌ دَاخِلِيٌّ، وَقُوَّةٌ ضَابِطَةٌ، نَابِعَةٌ مِنْ إِيمَانِهِ بِمُرَاقَبَةِ اللهِ تَعَالَى، وَاطِّلَاعِهِ عَلَى أَعْمَالِهِ، تَدْعُوهُ إِلَى الحِرْصِ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ طَلَبًا لِمَرْضَاةِ اللهِ وَثَوَابِهِ، وَالبُعْدِ عَنِ المَعَاصِي خَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ، وَهَذَا هُوَ مَقَامُ الإِحْسَانِ.

فَقَدْ وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ –رَضِيَ اللهُ عَنْهُ– فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ الطَّوِيلِ، أَنَّهُ قَالَ:

يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِحْسَانُ؟

قَالَ: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».

وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي جَامِعِ العُلُومِ وَالحِكَمِ:

يُشِيرُ إِلَى أَنَّ العَبْدَ يَعْبُدُ اللهَ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَهُوَ اسْتِحْضَارُ قُرْبِهِ، وَأَنَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الخَشْيَةَ وَالخَوْفَ وَالهَيْبَةَ وَالتَّعْظِيمَ.

وَمِنَ الأُمُورِ المُعِينَةِ، الِاهْتِمَامُ بِكِتَابِ اللهِ قِرَاءَةً وَحِفْظًا، اقْرَؤُوا القُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ أَبْنَاءَكُمْ، فَقَدْ قَالَ أَحَدُ السَّلَفِ:

«عَلِّمْ وَلَدَكَ القُرْآنَ، وَالقُرْآنُ سَيُعَلِّمُهُ كُلَّ شَيْءٍ».

قَالَ تَعَالَى:

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء: ٩]

أَيْ: يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَعْدَلُ وَأَعْلَى مِنَ العَقَائِدِ وَالأَعْمَالِ وَالأَخْلَاقِ.

وَقِيلَ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ: «فُلَانٌ يَحْفَظُ القُرْآنَ»، فَقَالَ:

«بَلِ القُرْآنُ يَحْفَظُهُ

إِرْشَادَاتٌ لِلتَّعَامُلِ مَعَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ:

 

أَوَّلًا:

إِنَّ الإِنْتَرْنِتَ وَوَسَائِلَ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللهُ –عَزَّ وَجَلَّ– بِهَا عَلَى عِبَادِهِ، فَهَذِهِ الحَقِيقَةُ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَشْعِرَهَا المُسْلِمُ وَهُوَ يَتَعَامَلُ مَعَهَا، فَإِنَّهَا سِلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ، يُمْكِنُ اسْتِخْدَامُهَا فِي الخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ.

وَهَذِهِ الوَسَائِلُ –كَمَا لَا يَخْفَى– فِيهَا مَجَالٌ كَبِيرٌ لِلدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ وَنَشْرِ الخَيْرِ وَمَا يَنْفَعُ النَّاسَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، فَلْيَحْرِصِ المُسْلِمُ عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَنَفْعِ الآخَرِينَ.

قَالَ تَعَالَى:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ {آل عمران: ١٠٤}.

وَقَالَ تَعَالَى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ {فصلت: ٣٣}.

وَجَاءَ فِي مُسْنَدِ الشِّهَابِ لِلْقُضَاعِيِّ، وَالحَدِيثُ حَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ، عَنْ جَابِرٍ –رَضِيَ اللهُ عَنْهُ– قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللهِ :

«خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ».

ثَانِيًا:

عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَلْزَمَ الصِّدْقَ فِيمَا يَنْشُرُهُ عَلَى تِلْكَ الوَسَائِلِ، وَيَجْتَنِبَ الكَذِبَ، فَعَاقِبَةُ الصِّدْقِ خَيْرٌ، وَعَاقِبَةُ الكَذِبِ شَرٌّ وَوَبَالٌ.

رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ –رَضِيَ اللهُ عَنْهُ– قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللهِ :

«عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا».

ثَالِثًا:

يَنْبَغِي تَمْحِيصُ مَا يَرِدُ مِنْ أَخْبَارٍ، وَالتَّحَرِّي فِيهَا، وَأَنْ لَا يَنْشُرَ المُسْلِمُ كُلَّ مَا يَرِدُهُ مِنْهَا.

قَالَ تَعَالَى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ {الحجرات: ٦}.

وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ –رَضِيَ اللهُ عَنْهُ– قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللهِ :

«كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ».

قَالَ المَنَاوِيُّ: فِيهِ زَجْرٌ عَنِ الحَدِيثِ بِشَيْءٍ لَا يَعْلَمُ صِدْقَهُ... اِنْتَهَى.

 

رَابِعًا:

اِجْتِنَابُ كُلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُودَ إِلَى الفِتْنَةِ فِي الدِّينِ وَالخُلُقِ مِنْ شُبُهَاتٍ وَشَهَوَاتٍ، وَخُصُوصًا النَّظَرُ إِلَى صُوَرِ النِّسَاءِ، وَمُشَاهَدَةُ الأَفْلَامِ الإِبَاحِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

قَالَ اللهُ –عَزَّ وَجَلَّ–:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ {النور: ٣٠}.

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ –وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ– عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ –رَضِيَ اللهُ عَنْهُ– عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

«كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ؛ فَالعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الكَلَامُ، وَاليَدُ زِنَاهَا البَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الخُطَا، وَالقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ».

اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن .

وصلوا رحمكم الله.

google-playkhamsatmostaqltradent