recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعةجرائم التحرش الاليكتروني للدكتور محمد عامر

جرائم التحرش الاليكتروني



                                                                              

وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.

 التحرش جريمة في الشرع.

 صور التحرش الإلكتروني

- أضرار التحرش وعواقبه.

 قْوَمٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا.

 رسائل للمتحرشين.


الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم التنزيل: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَمُبِينًا}، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صان الأعراض وحرّم الانتهاك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، القائل: "المسلمُ مَن سَلِمَ المسلمون مِن لسانِه ويدِه"

أما بعد

عباد الله.. إن من أخطر الجرائم المعاصرة التي تفتك بأمن المجتمع وأخلاقه، وتتسلل عبر الشاشات الذكية، جريمة "التحرش الإلكتروني". هو سلوكٌ منحرف، وابتزازٌ دنيء، يُقصد به إيذاء الآخرين عبر الرسائل والمواقع بكلماتٍ خبيثة أو صورٍ منتهكة، وهو في ميزان الشرع خيانةٌ، وهتكٌ للستر، وعدوانٌ صريح على الكرامة الإنسانية التي أمر الله بحمايتها.

فقد انتشرت في هذا الزمان جرائم التحرش عبر الفضاء الرقمي، (وسائل التواصل الاجتماعي، البريد الإلكتروني، تطبيقات الدردشة)، من خلال الرسائل غير اللائقة، أو الابتزاز، أو نشر الصور والمعلومات الخاصة، أو التلاعب بالمشاعر بقصد الإفساد والإضرار.

التحرش جريمة في الشرع وفساد في الأرض:

قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].

إن التَّحَرُّش بجميعِ أَنْوَاعِهِ سواءٌ أكانَ لَفْظِيًّا أَوْ جَسَدِيًّا أَوْ بَصَرِيًّا أَوْ إِلِكْتْرُونِيًّا يُعد فِعْلًا مُحَرَّمًا شَرْعًا، يقول تعالى:"وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا"(الأحزاب: ٥٨)، فهذه الآيةُ تُحَرِّمُ كُلَّ أَذًى يُوَجَّهُ إِلَى المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ التَّحَرُّشُ الجِنْسِيُّ بِكُلِّ صُوَرِهِ

وقد يظنُّ بعضُ الناس أنَّ التحرّشَ من وراء الشاشاتِ أخفُّ وطأةً، وأهونُ جرمًا من نظيره في الواقع، وذلك وَهْمٌ عظيم؛ فالمعصيةُ لا تُقاسُ بمكان وقوعها، بل بحقيقتها وأثرها، وقد بيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ أبوابَ الفتنة قد تُفتَحُ بنظرةٍ أو كلمة، فقال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ‌ابْنِ ‌آدَمَ ‌حَظَّهُ ‌مِنَ ‌الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تتمنى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ أو يُكَذِّبُهُ» [متفق عليه].

من صور التحرش الإلكتروني:

1- التشهير "وتحسبونه هينا"

حذَّر القرآن الكريم من هذا المسلك تحذيرًا بالغًا، فقال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون"(النور: ١٩)، فكيف بمن لا يكتفي بالمحبة، بل يُسهم فعلًا في نشرها، ويُروّج لها عبر الفضاء الرقمي؟! فقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الفَاحِشَ المُتَفَحِّشَ» [الأدب المفرد].

وعليه، فلا يحلُّ لأحدٍ أن يمسَّ حياءَ غيره، أو يُؤذيه بكلمةٍ جارحة، أو تصرّفٍ مُهين

2- الابتزاز الإلكتروني:

هو من أخطر صور التحرّش الإلكتروني؛ حيث يستغلُّ ضعافُ النفوس الثقةَ أو الغفلة، فيهددون بنشر صورٍ أو رسائل، ليوقعوا الضحية في الحرام، أو ليستنزفوا مالها وكرامتها، وهذه جريمةٌ مركّبة، تجمع بين الظلم والخيانة والإيذاء، والله تعالى يقول: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: ١٩].

وقد قرَّر النبي صلى الله عليه وسلم قاعدةً جامعة بقوله: «لا ضرر ولا ضرار"( الطبراني)، فكل ما فيه أذى للناس فهو محرَّمٌ مردود.

3- التحرّش بالألفاظ البذيئة والعبارات الساقطة:

حيث تنفلت الألسن خلف الشاشات بما لا يليق، وقد نهى الشرع عن ذلك أشدّ النهي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إيَّاكُم والفُحش؛ فإن الله لا يُحبُّ الفاحِشَ والمُتفحِّش"( ابن حبان).

فدلّ ذلك على أن طهارة اللسان من علامات الإيمان، وأن خُبث القول مسلكٌ مذمومٌ ممقوت.

4- التحرّش عبر الرسائل الإلكترونية

حيث يتسلّل المعتدي إلى ضحيته بكلماتٍ ماكرة، أو تهديدٍ خفيّ، أو استدراجٍ خبيث، قد ينتهي بابتزازٍ أو نشرٍ لخصوصياتٍ لا يجوز كشفها، وهذا من الفواحش الباطنة التي حذّر الله منها بقوله: "وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ"(الأنعام: ١٥١)، لما فيه من انتهاكٍ للستر، واعتداءٍ على الحرمات.

أضرار التحرش وعواقبه:

والمُتَحَرِّش الذي أَطْلَق سهام شهوته جامعٌ بين منكرات، منها: استراق النظر، خَرْق خصوصية الغير، والإيذاء النفسي للضحية، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ»، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْىٌ عَنِ الْمُنْكَر»

فشرار الخلق هم المتحرشون: ففحشهم يؤدي إلى اجتنابهم، والتحسس من التواصل معهم، قال صلى الله عليه وسلم :"إن شرَّ الناسِ منزِلةً عند الله يوم القِيامة: مَن ودَعَه أو ترَكَه الناسُ اتِّقاءَ فُحشِه"( مسلم).

قْوَمٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من صنف من الناس تفنى حسناتهم يوم القيامة، قال: "لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ... أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا"(ابن ماجة والطبراني)، فالإنترنت اليوم هو أعظم اختبار لصدق الخلوة مع الله.

فإذا كان الشاب يعتقد أنه في الفضاء الإلكتروني لا يراه أحد وليس هناك رقيب على ما يقوم به، فهو مخطئ، لأن الله لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، قال تعالى:"إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ"(آل عمران: ٥)

أقول ماتسمعون واستغفروا الله إن الله غفور رحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على ما أعطى واجزل نحمده تبارك وتعالى حمد العارفين الشاكرين الطالبين لمزيد فضله والصلاة على إمام العارفين وسيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

رسائل للمتحرشين:

- اترضاه لأمك ؟؟؟

عَنْ أَبِي أُمَامَة رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟» قَالَ: لا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ»، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ» فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ» [رواه أحمد].

عباد الله: إن الله تعالى قد أمرنا بأمر بدأ فيه بنفسه فقال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56.

هذا وما كان من توفيقٍ فمن الله وحده، وما كان من خطأٍ، أو سهوٍ، أو نسيانٍ، فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه الأطهار الأخيار ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.


google-playkhamsatmostaqltradent