خطبة الجمعة (التحرش الإلكتروني)
استباحة الحرمات في عالم
الشاشات
الحمد لله الذي جعل الكلمة أمانة، والسمع
والبصر والفؤاد مسؤولية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل حرمة المؤمن
أعظم عند الله من حرمة الكعبة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله ليتمم مكارم
الأخلاق، فكان خلقه القرآن، وأدبه الربَّان.. أما بعد،
عباد الله، إننا اليوم لا نتحدث عن
"تكنولوجيا" أو "تطبيقات"، بل نتحدث عن "دين وأخلاق"
في زمنٍ كسر فيه البعضُ حواجز الحياء، واستحلوا فيه ما حرم الله تحت مسمى "حرية
النشر" أو "المزاح الإلكتروني".
مفهوم_التحرش_الرقمي:
أكثر من مجرد شهوة
التحرش الإلكتروني يا عباد الله ليس مجرد
كلمة خادشة للحياء -رغم قبحها- بل هو "إرهاب نفسي" ممنهج. هو تتبع عورات
الناس، هو الدخول في "الرسائل الخاصة" بغير إذن وبقصد الإزعاج، هو تصوير
الناس دون علمهم ونشر صورهم للسخرية، هو "التنمر" الذي يكسر نفوس الشباب
والفتيات.
إن "التحرش" في جوهره هو استعلاء؛
شخص يرى نفسه قادراً على إيذاء الآخر لأنه خلف شاشة لا يراه فيها أحد. ونسي هذا المسكين
أن الله {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}.
الأثر النفسي والاجتماعي: القتل الصامت
أيها الإخوة، بصفتنا مطلعين على أحوال النفس،
نرى آثاراً مدمرة لهذا السلوك:
#زعزعة_الأمن_النفسي:
الضحية لا تشعر بالأمان حتى وهي في بيتها؛
لأن المعتدي يلاحقها في "جيبها" عبر الهاتف. هذا يولد قلقاً مزمناً، ورهاباً
اجتماعياً، وفقدان ثقة بالبشر.
تفكك_الأسر:
كم من بيوت خُربت بسبب "تعليق"
طائش، أو "رسالة" تطفلية، أو "صورة" مفبركة نُشرت بقصد الابتزاز
والتحرش بالسمعة.
تدمير_المستقبل:
الكلمة التي تكتبها في لحظة طيش قد تلاحق
إنساناً طوال عمره، وتمنعه من وظيفة، أو تهدم زواجاً، أو تلوث سمعة عائلة شريفة.
التأصيل الشرعي: "المسلم من سلم المسلمون
من لسانه ويده"
لقد وضع النبي ﷺ قاعدة ذهبية في حجة الوداع: "إن دماءكم
وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام". والعرض هنا ليس الجنس فقط، بل هو "الكرامة
الإنسانية".
#سوء_الظن_والتجسس:
قال تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا}. والدخول
لبروفايلات الناس وتتبع سكناتهم وحركاتهم للتعليق عليها بسوء هو عين التجسس الرقمي
المحرم.
أدب_الاستئذان:
إذا كان الله قد أمرنا ألا ندخل بيوت الناس
حتى نستأنس، فكيف تسمح لنفسك أن تقتحم "الخاص" (DM) عند شخص لا تعرفه لتقول كلاماً لا تجرؤ
أن تقوله له وجهاً لوجه؟ هذا نفاق إلكتروني واعتداء آثم.
الخطبة_الثانية:
الاستثمار في الفضيلة.. كيف نستعيد
"إنسانيتنا الرقمية"؟
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده
الذين اصطفى.. أما بعد،
أيها المسلمون، إن العالم الرقمي اليوم
هو "سوق" ضخم، وهو "ميدان" للدعوة، وهو "ساحة" لطلب
الرزق. ومن منظور "ريادة الأعمال" والنجاح في الحياة، فإن التحرش الرقمي
هو "إفلاس حقيقي".
القواعدالخمس: للحياة الرقمية الرشيدة:
قاعدة "المرآة": قبل أن تكتب
تعليقاً أو ترسل رسالة، تخيل أنك تقف أمام هذا الشخص وتنظر في عينيه. إذا كنت لا تجرؤ
على قول الكلمة جهراً، فلا تكتبها سراً؛ فربك يسمع ويرى.
سمعتك_هي "براند" حياتك: لكل
شاب يسمعني، حسابك على منصات التواصل هو "سيرتك الذاتية" الحقيقية. المتحرش
والمتنمر يترك "أثراً رقمياً"
(Digital Footprint) لا يزول. غداً حين تطلب وظيفة أو تخطب زوجة، سيبحث
الناس عن تاريخك الرقمي؛ فلا تجعل تاريخك مخزياً.
الاستثمار_لا_الاستهلاك: الفضاء الرقمي
فرصة لتعلم مهارة، لبناء مشروع، لنشر فكرة نافعة. الذي ينشغل بـ "التحرش"
وتتبع الخلق هو إنسان "فاشل" ضيع بوصلة النجاح ولم يدرك قيمة الوقت الذي
هو رأس ماله.
المسؤولية_الجماعية: إذا رأيت تحرشاً أو
تنمراً، فلا تكن "شيطاناً أخرس" بالإعجاب (Like) أو المشاركة (Share). كن إيجابياً، انصح بالمعروف، أو أبلغ الجهات
المختصة لحماية المستضعفين.
التربية_الرقمية_في_البيوت: يا معشر الآباء،
راقبوا هواتف أبنائكم ليس من باب التخوين، بل من باب "الرعاية". علموهم أن
"الرجولة" هي حماية الأعراض لا انتهاكها، وأن "الأنوثة" هي الحياء
لا الابتذال.
وختاما_فاليعلم_شبابنا
إن هذه الأجهزة التي بين أيدينا هي إما
"جسر إلى الجنة" بكلمة طيبة وعلم نافع، وإما "هوة إلى النار" باعتداء
على حرمة أو تحرش بخصوصية. فاتقوا الله في صيامكم وصلاتكم وهواتفكم؛ فغداً تُسألون
عن كل "كليكة" ضغطتم عليها.
اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وألسنتنا من
الكذب، وأعيننا من الخيانة.. اللهم احفظ أعراض المسلمين، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق
للشر.