recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الدعوة الي الله بالحكمة والموعظة الحسنة أمجد عبدالعاطي

الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ

 


 الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَظِيفَةُ النَّبِيِّينَ 

 الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ: طَرِيقُ الْجَنَّةِ وَأَمَانُ الْأُمَّةِ مِنَ الْهَلَاكِ

  الْحِكْمَةُ فِي الدَّعْوَةِ 

 الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِقَدْرِ مَعْرِفَتِهِ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله  أمـا بـعد

الأدلة من القرآن والسنة :- 

1) لِأَجْلِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى اصْطَفَى اللَّهُ الرُّسُلَ وَالنَّبِيِّينَ، وَبَعَثَهُمْ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، يَحْمِلُونَ مَشَاعِلَ الْهِدَايَةِ، وَيُوقِظُونَ الْقُلُوبَ مِنْ سُبَاتِهَا، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]؛ أَيْ: مَا مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا مَضَى فِيهَا رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يَدْعُوهَا إِلَى الْحَقِّ، وَيُقِيمُ عَلَيْهَا الْحُجَّةَ. وَقَدْ تَجَلَّتْ عَظَمَةُ هَذَا الِاصْطِفَاءِ فِي كَثْرَةِ مَنْ بَعَثَهُمُ اللَّهُ لِهِدَايَةِ الْبَشَرِ، حَتَّى رَوَى الْإِمَامُ ابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الْأَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: «مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: "ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، جَمًّا غَفِيرًا".

وَلَوْلَا الدَّعْوَةُ مَا بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ، وَلَا أَنْزَلَ الْكُتُبَ، وَصَدَقَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ إِذْ قَالَ: "فَالْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَا بُعِثُوا إِلَّا لِلدَّعْوَةِ إِلَى الْحَقِّ" [مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ]. فَالْدَّعْوَةُ إِذَنْ هِيَ الشِّعَارُ الْأَوَّلُ لِلِاقْتِدَاءِ بِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ، وَالطَّرِيقُ الْوَاضِحُ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَ سَبِيلَهُ، كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].

2) { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) }فصلت

عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - : أَنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال : «بلِّغُوا عني ولو آية ، وحَدِّثوا عن بني إِسرائيل ، ولا حَرَجَ ، وَمَن كَذَبَ عليَّ مُتَعمِّدا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِن النَّارِ». أخرجه البخاري ، والترمذي.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ "يَوْمَ خَيْبَرَ": «...، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: (هِيَ الْإِبِلُ الْحُمْرُ، وَهِيَ أَنْفَسُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، يَضْرِبُونَ بِهَا الْمَثَلَ فِي نَفَاسَةِ الشَّيْءِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَتَشْبِيهُ أُمُورِ الْآخِرَةِ بِأَعْرَاضِ الدُّنْيَا إِنَّمَا هُوَ لِلتَّقْرِيبِ مِنَ الْأَفْهَامِ، وَإِلَّا فَذَرَّةٌ مِنَ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ خَيْرٌ مِنَ الْأَرْضِ بِأَسْرِهَا وَأَمْثَالِهَا مَعَهَا لَوْ تُصُوِّرَتْ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ فَضِيلَةِ الْعِلْمِ، وَالدُّعَاءِ إِلَى الْهُدَى، وَسَنِّ السُّنَنِ الْحَسَنَةِ). [شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ].

وَكَمَا أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يَقُومُ بِالدَّعْوَةِ وَرَتَّبَ لَهُ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ؛ فَقَدْ ذَمَّ مَنْ يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا وَلَا يَقُومُونَ بِحَقِّهَا، إِذْ لَا قِيمَةَ لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ إِذَا لَمْ تَسْلُكْ مَسْلَكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقَدْ لَعَنَ اللَّهُ تَعَالَى أَقْوَامًا لِأَجْلِ تَرْكِهِمْ دَعْوَةَ نَبِيِّهِمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩].

وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ، حَتَّى يَرَوْا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلَا يُنْكِرُوهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، عَذَّبَ اللَّهُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ].

وَلَا نَجِدُ عِبَارَةً فِي مَدْحِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كَلَامِ عُلَمَائِنَا أَوْفَى مِنْ عِبَارَةِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ قَالَ: "فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ هُوَ الْقُطْبُ الْأَعْظَمُ فِي الدِّينِ، وَهُوَ الْمُهِمُّ الَّذِي ابْتَعَثَ اللَّهُ لَهُ النَّبِيِّينَ أَجْمَعِينَ، وَلَوْ طُوِيَ بِسَاطُهُ، وَأُهْمِلَ عِلْمُهُ وَعَمَلُهُ؛ لَتَعَطَّلَتِ النُّبُوَّةُ، وَاضْمَحَلَّتِ الدِّيَانَةُ، وَعَمَّتِ الْفَتْرَةُ، وَفَشَتِ الضَّلَالَةُ، وَشَاعَتِ الْجَهَالَةُ، وَاسْتَشْرَى الْفَسَادُ، وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ، وَخُرِّبَتِ الْبِلَادُ، وَهَلَكَ الْعِبَادُ، وَلَمْ يَشْعُرُوا بِالْهَلَاكِ إِلَّا يَوْمَ التَّنَادِ. [إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ].

3) الْحِكْمَةُ: وَقَدْ عَرَّفَهَا الْعُلَمَاءُ بِأَنَّهَا: "وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ، وَقِيلَ: كُلُّ كَلَامٍ وَافَقَ الْحَقَّ فَهُوَ حِكْمَةٌ، وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ هِيَ الْكَلَامُ الْمَعْقُولُ الْمَصُونُ عَنِ الْحَشْوِ، وَقِيلَ: هِيَ مَا لَهُ عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ. [الْكُلِّيَّاتُ].

فَإِذَا لَمْ تَكُنِ الدَّعْوَةُ حَامِيَةً لِلنَّاسِ مِنَ الِانْحِرَافِ، وَمُحَقِّقَةً لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فَلَا خَيْرَ فِيهَا، وَهَذَا أَصْلُ الْحِكْمَةِ الَّتِي وَرَدَ ذِكْرُهَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨].

فَهَذَا حُصَيْنٌ الْخُزَاعِيُّ وَالِدُ سَيِّدِنَا عِمْرَانَ، كَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَظِّمُهُ، فَطَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يُكَلِّمَ النَّبِيَّ فِي آلِهَتِهَا، فَجَاءَ حُصَيْنٌ وَمَعَهُ بَعْضُ أَفْرَادِ قُرَيْشٍ حَتَّى جَلَسُوا قَرِيبًا مِنْ بَابِ النَّبِيِّ ، وَدَخَلَ حُصَيْنٌ، "فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ قَالَ: «يَا حُصَيْنُ كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهًا»؟ قَالَ أَبِي: سَبْعَةً، سِتَّةً فِي الْأَرْضِ، وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ»؟ قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «يَا حُصَيْنُ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تَنْفَعَانِكَ». قَالَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِيَ الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي، فَقَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "سُنَنِهِ"]، «فَقَامَ إِلَيْهِ وَلَدُهُ عِمْرَانُ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَلَمَّا أَرَادَ حُصَيْنٌ الْخُرُوجَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : شَيِّعُوهُ إِلَى مَنْزِلِهِ». [إِنْسَانُ الْعُيُونِ فِي سِيرَةِ الْأَمِينِ الْمَأْمُونِ]. أَرَأَيْتَ كَيْفَ دَخَلَ الرَّجُلُ مُعْرِضًا نَاقِمًا، فَخَرَجَ صَادِقًا مُسْلِمًا؟! إِنَّهَا الدَّعْوَةُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ.

بَرَزَ هَذَا الْأُسْلُوبُ الْحَكِيمُ فِي مَوَاقِفَ كَثِيرَةٍ مِنْ سِيرَةِ النَّبِيِّ ، وَمِنْ أَظْهَرِهَا مَوْقِفُهُ مِنَ الْخِلَافِ الَّذِي نَشَبَ بَيْنَ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ عِنْدَ وَضْعِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي مَوْضِعِهِ. فَقَدْ أَعَادَتْ قُرَيْشٌ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا بَلَغُوا مَوْضِعَ الْحَجَرِ اخْتَلَفُوا: أَيُّهُمْ يَنَالُ شَرَفَ رَفْعِهِ؟ حَتَّى كَادَ النِّزَاعُ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى اقْتِتَالٍ وَسَفْكِ دِمَاءٍ، وَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ أَيَّامًا، ثُمَّ اتَّفَقُوا أَخِيرًا عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا الْحَكَمَ بَيْنَهُمْ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، فَكَانَ الدَّاخِلُ رَسُولَ اللَّهِ – وَذَلِكَ قَبْلَ بَعْثَتِهِ – فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ، رَضِينَا بِهِ حَكَمًا، فَطَلَبَ ثَوْبًا، فَوَضَعَ الْحَجَرَ فِيهِ، وَأَمَرَ كُلَّ قَبِيلَةٍ أَنْ تُمْسِكَ بِطَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِهِ، فَرَفَعُوهُ جَمِيعًا، ثُمَّ أَخَذَهُ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ فَوَضَعَهُ فِي مَكَانِهِ.

فَبِهَذَا التَّدْبِيرِ الْحَكِيمِ أَطْفَأَ فِتْنَةً كَادَتْ تَعْصِفُ بِالْقَبَائِلِ، وَأَشْرَكَ الْجَمِيعَ فِي الشَّرَفِ، وَقَدَّمَ نَمُوذَجًا عَمَلِيًّا بَلِيغًا فِي الْحِكْمَةِ الدَّعْوِيَّةِ، وَحُسْنِ إِدَارَةِ الْخِلَافِ، وَجَمْعِ الْقُلُوبِ قَبْلَ جَمْعِ الْأَحْجَارِ.

ومن الْحِكْمَةِ فِي الدَّعْوَةِ الرِّفْقُ وَلِينُ الْخِطَابِ

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا نَبِيَّهُ مُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَنْ يَقُولَا لِفِرْعَوْنَ فِي حَالِ تَبْلِيغِ رِسَالَةِ اللَّهِ إِلَيْهِ «قَوْلًا لَيِّنًا» أَيْ: كَلَامًا لَطِيفًا سَهْلًا رَقِيقًا، لَيْسَ فِيهِ مَا يُغْضِبُ وَيُنَفِّرُ".

وَلَمَّا قَرَأَ رَجُلٌ عِنْدَ سَيِّدِنَا يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ هَذِهِ الْآيَةَ: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، فَبَكَى يَحْيَى، وَقَالَ: إِلَهِي هَذَا رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ أَنَا الْإِلَهُ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ أَنْتَ الْإِلَهُ؟ [تَفْسِيرُ الْبَغَوِيِّ].

وَقَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ: "وَهَذَا كُلُّهُ حَضٌّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لِلنَّاسِ لَيِّنًا، وَوَجْهُهُ مُنْبَسِطًا طَلْقًا مَعَ: الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالسُّنِّيِّ وَالْمُبْتَدِعِ مِنْ غَيْرِ مُدَاهَنَةٍ، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَهُ بِكَلَامٍ يَظُنُّ أَنَّهُ يُرْضِي مَذْهَبَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ لِمُوسَى وَهَارُونَ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ [طه: ٤٤]، فَالْقَائِلُ لَيْسَ بِأَفْضَلَ مِنْ مُوسَى وَهَارُونَ، وَالْفَاجِرُ لَيْسَ بِأَخْبَثَ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَقَدْ أَمَرَهُمَا اللَّهُ بِاللِّينِ مَعَهُ". [الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ].

وَعَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلْيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» [الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ].

4) إِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى تَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِدَقِيقِ الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى، أَمَّا مُجَرَّدُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْخَيْرِ وَتَحْذِيرِ النَّاسِ مِنَ الشَّرِّ، فَفَرْضٌ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ، إِذْ هُوَ وَاجِبٌ مُجْتَمَعِيٌّ، وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يُنْكِرَ حَتَّى لَوْ بِقَلْبِهِ، وَرَحِمَ اللَّهُ الْإِمَامَ الْفَقِيهَ مُجَدِّدَ الْمِائَةِ السَّابِعَةِ ابْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ الْمُتَوَفَّى ٧٠٢هـ حِينَ قَالَ: "ثُمَّ إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِي سَقَطَ عَنِ الْبَاقِي، وَإِذَا تَرَكَهُ الْجَمِيعُ أَثِمَ كُلُّ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ. ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يَتَعَيَّنُ كَمَا إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ إِلَّا هُوَ، أَوْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِزَالَتِهِ إِلَّا هُوَ، وَكَمَنْ يَرَى زَوْجَتَهُ أَوْ وَلَدَهُ أَوْ غُلَامَهُ عَلَى مُنْكَرٍ وَيُقَصِّرُ.... ثُمَّ قَالَ نَقْلًا عَنِ الْعُلَمَاءِ: وَلَا يَخْتَصُّ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ بِأَصْحَابِ الْوِلَايَةِ، بَلْ ذَلِكَ ثَابِتٌ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يَأْمُرُ وَيَنْهَى مَنْ كَانَ عَالِمًا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ مِثْلَ: الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَكُلُّ الْمُسْلِمِينَ عُلَمَاءُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ دَقَائِقِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاجْتِهَادِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْعَوَامِّ فِيهِ مَدْخَلٌ، فَلَيْسَ لَهُمْ إِنْكَارُهُ، بَلْ ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ" [شَرْحُ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ].

وَقَدْ جَاءَ عَنِ الْعُرْسِ ابْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: "إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ، كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا، وَقَالَ مَرَّةً: «أَنْكَرَهَا» كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا، كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا" [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: "لِأَنَّ الرِّضَا بِالْخَطَايَا مِنْ أَقْبَحِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَيَفُوتُ بِهِ إِنْكَارُ الْخَطِيئَةِ بِالْقَلْبِ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ" [جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ]. وَقَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ: "وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ عُظْمَى، حَيْثُ يَكُونُ الرِّضَا بِالْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةً" [الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ].

وَلَمَّا سَمِعَ سَيِّدُنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ مَسْعُودٍ رَجُلًا يَقُولُ: "هَلَكَ مَنْ لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ"، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «لَا، وَلَكِنْ هَلَكَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ مَعْرُوفًا، وَلَمْ يُنْكِرْ بِقَلْبِهِ مُنْكَرًا" [جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ] . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: "يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ هَلَكَ، وَأَمَّا الْإِنْكَارُ بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ، فَإِنَّمَا يَجِبُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ" [جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ].

فَقَدْ جَعَلَ سَيِّدُنَا ابْنُ مَسْعُودٍ الْهَلَاكَ لَيْسَ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ إِذْ ذَلِكَ مَرْتَبَةٌ عَالِيَةٌ جِدًّا لَا يَقْوَى عَلَيْهَا إِلَّا الْكِبَارُ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ الْهَلَاكَ عَلَى أَقَلِّ تَقْدِيرٍ لِمَنْ لَمْ يُنْكِرْ بِقَلْبِهِ كَأَقَلِّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، فَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْدِرُ عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ جَهْرًا، وَيُفَسِّرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: "إِنَّهَا سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ [أُمُورٌ سَيِّئَةٌ لَا تُرْضِي]، فَبِحَسْبِ امْرِئٍ إِذَا رَأَى مُنْكَرًا لَا يَسْتَطِيعُ لَهُ غَيْرَ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ كَارِهٌ" [مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَة].

فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يَخْتَصُّ بِالْعُلَمَاءِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، حَتَّى إِذَا رَأَى الْمُنْكَرَ وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ أَوْ لِسَانِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ حَاسَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِالظُّلْمِ، وَيَحْمِلُ الْوِزْرَ كَمَنْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ تَمَامًا.

إِنَّ مَا نَطْلُبُهُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُعَلِّمَ أَوْلَادَهُ - عَلَى الْأَقَلِّ - أَبْرَزَ الْآدَابِ الْعَامَّةِ مِثْلَ: الْبَسْمَلَةِ عَلَى الطَّعَامِ، وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ، وَأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: حَسِّنُوا أَخْلَاقَكُمْ مَعَ النَّاسِ، وَإِذَا وَجَدْتُمْ إِنْسَانًا فِي شِدَّةٍ فَسَاعِدُوهُ، أَوْ وَجَدْتُمْ ضَرِيرًا عَلَى الطَّرِيقِ فَخُذُوا بِيَدِهِ، فَكُلُّ هَذَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ، بَلْ هَذَا مِمَّا يُدْرَكُ بِسَلَامَةِ الْفِطْرَةِ وَأَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِتَعَالِيمِ الْوَحْيِ الشَّرِيفِ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَى صُوَرِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَشْهَدُ لِكُلِّ هَذَا قَوْلُ رَسُولِنَا الْكَرِيمِ: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" [صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ]. فَالْمُسْلِمُ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ وَلَوْ آيَةٍ، وَالْآيَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا آيَةٌ قُرْآنِيَّةٌ أَوْ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ، أَوْ عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ إِشَارَةٌ لِمَعْرُوفٍ أَوْ خَيْرٍ، وَحَرْفُ "وَلَوْ" يُفِيدُ التَّقْلِيلَ لِمُسَارَعَةِ الْمُسْلِمِ فِي تَبْلِيغِ مَا يَقَعُ لَهُ مِنْ عِلْمٍ.

ما المستفاد ؟ {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)} النحل

عملياً:- عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - : أَنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال : «بلِّغُوا عني ولو آية ، وحَدِّثوا عن بني إِسرائيل ، ولا حَرَجَ ، وَمَن كَذَبَ عليَّ مُتَعمِّدا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِن النَّارِ». أخرجه البخاري ، والترمذي.


google-playkhamsatmostaqltradent