عبقُ الانتصارات: رمضانُ شهرُ العزةِ لا شهرُ النعاس
الحمد لله.. الحمد لله القوي العزيز، الجبار
المتكبر، الذي خضعت لعظمته الرقاب، وذلت لجبروته الصعاب. الحمد لله الذي جعل الصيام
جُنة، والقيام قربة، والجهاد ذروة سنام الدين.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك
له.. {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}. يعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، وينصر مستضعفاً، ويقصم
ظالماً.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.. الذي ربى
جيلاً من الصيام، فخرجوا من الصحراء ليدوسوا تيجان الأكاسرة والقياصرة. اللهم صلِ وسلم
وبارك على هذا النبي الأمي، الذي لم يقرأ كتاباً، ولكنه علّم البشرية معنى "الحرية"
ومعنى "العزة" ومعنى "لا إله إلا الله".
أما بعد..
قال رسول الله ﷺ: والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَخُلُوفُ
فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ
يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ.
♦️يا عباد الله، هل تظنون أن ريح المسك هذه
لخمول الأبدان؟ كلا!
إن الله يحب ريح الصائم لأنه ريح الكفاح
ضد النفس.. ريح المرابط الذي ترك شهوته لله.. فإذا كان ريح فمه مسكاً، فكيف بدمه إذا
سكب في سبيل الله؟ وكيف بسجوده في ظلمات الليل؟".
♦️أيها المسلمون.. يا أمة القرآن:
لقد مضى من شهر رمضان تسعة أيام بلياليها،
ولكن أيُّ رمضان نعيش؟
❓هل نعيش شهر الموائد والمسلسلات؟
❓هل نعيش شهر الخمول والرقاد؟..........كلا وربي!
إن رمضان الذي أتحدث عنه اليوم هو
"رمضان الزلزال".. رمضان الذي يهد أصنام النفوس قبل أصنام الحجر.
رمضان الذي جاء ليقول لنا: "يا أمة
محمد، إن العزة لا تُوهب، وإنما تُنتزع بالدم والدمع والسجود".
♦️تأملوا يا عباد الله..
لماذا اختار الله رمضان لينزل فيه القرآن؟
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ
الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ}.
لأن القرآن نزل ليصنع "الفرقان".
نزل ليفصل بين الحق والباطل، بين العزة
والذلة، بين التمكين والاستضعاف.
إن الأمة التي تقرأ: {وَأَعِدُّوا لَهُم
مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} وهي نائمة، أمةٌ صامت بطونها ولم تصم عقولها!
إن الأمة التي تقرأ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
إِخْوَةٌ} وهي ترى إخوانها يذبحون ولا تحرك ساكناً، أمةٌ تحتاج إلى "زلزال"
يحيي موات قلوبها.
♦️يا أهل المساجد.. عودوا بذاكرتكم إلى السابع
عشر من رمضان.. يوم بدر الكبرى.
تخيلوا المشهد: ثلاثمائة رجل، جياع، حفاة،
لا يملكون إلا فرسين.. يقابلون جيشاً كأنه جبل من الحديد.
في نهار رمضان.. والشمس تلهب الرؤوس.. وقف
النبي ﷺ ينظر إلى أصحابه، وينظر إلى عدوه، ثم دخل
العريش.
بصوت متهدج وبدأ يناشد ربه: "اللهم
نصرك الذي وعدت! اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض بعد اليوم!".
ظل يرفع يديه حتى سقط رداؤه، وأبو بكر يقول:
"يا رسول الله، كفاك مناشدة لربك".
لماذا كل هذا البكاء يا رسول الله؟
لأنه يعلم أن المعركة ليست معركة سيوف،
بل معركة "إرادة صائمة".
فجاء الرد من فوق سبع سماوات: {أَنِّي مُمِدُّكُم
بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}.
فأين ملائكة الله اليوم؟
الملائكة لم تمت!
والرب هو الرب!
والقرآن هو القرآن!
ولكن.. هل نحن "العصابة" التي
تستحق نصر الله؟
هل نحن الأمة التي تضحي بالدنيا من أجل
الآخرة؟
بدر علمتنا أن النصر ليس بالعدد، بل بالمدد
من الواحد الأحد!
♦️يا عباد الله.. انظروا إلى حالنا اليوم..
نحن نأكل ونشرب، وإخواننا في الثغور يذوقون
الموت كل يوم.
نحن نشتكي من غلاء الأسعار، وهم يشتكون
من فقد الأرواح!
رمضان جاء ليزلزل فينا "الأنانية".
جاء ليقول لنا: "كيف تشبع وأخوك جائع؟
كيف تنام وأخوك خائف؟".
يا أمة المليار غثاء!
إن العزة لا تأتي بالدعاء واليد مرتعشة،
بل بالدعاء واليد قابضة على الحق.
️يا عباد الله..
إن التمكين الذي منحه الله لقطز في عين
جالوت والتي كانت في رمضان
ولصلاح الدين في حطين . لم يكن صدفة!
بل كان لأنهم عرفوا أن رمضان هو "معسكر
صناعة الرجال".
انظروا إلى "سيف الدين قطز".. حينما
جاءه التتار بجيوشٍ لا قِبل للبشر بها، جيوشٍ أكلت الأخضر واليابس، وهدمت بغداد، وأحرقت
كتب العلم، وذبحت الملايين حتى قال الناس: "إذا قيل لك إن التتار يُهزمون فلا
تُصدق!".
لكن قطز الصائم.. قطز الراكع.. قطز الساجد،
لم يستسلم لليأس الذي نعيشه اليوم. وقف في قلب المعركة، وفي نهار رمضان، والسيوفُ تحصد
الرؤوس، فرمى خوذته على الأرض وصرخ صرخةً هزت أركان الكون: "واإسلاماه.. يا الله
انصر عبدك قطز على التتار".
لم يقل "يا جيشي"، ولم يقل "يا
سلاحي"،
بل استنصر برب رمضان! فاهتزت الأرض، ونزل
المدد، وانكسر الجيش الذي لا يقهر تحت أقدام الصائمين.
أتدري لماذا؟
لأنهم لم يصوموا عن الطعام والشراب فحسب،
بل صامت أرواحهم عن "الذل" لغير الله، وصامت قلوبهم عن "التعلق"
بغير الله، فصار الجوع في أمعائهم قوة، والعطش في عروقهم كبرياءً وعزة!
️يا أمة الإسلام..
أين نحن من هذه الروح ونحن في يومنا التاسع؟
نحن اليوم نملك من السلاح ما لم يملكه قطز،
ونملك من الأعداد ما لم يحلم به صلاح الدين،
ولكننا نعيش "هزيمة نفسية" مريرة!
نحن نصوم لنرتاح، وهم صاموا ليفتحوا الدنيا!
نحن ننتظر رمضان لننام، وهم انتظروا رمضان
ليردوا كيد الكائدين!
️يا صائمين..
إن الأمة التي لا ينتصر أفرادها على
"شهواتهم" في رمضان، لن ينتصر جيشها على "عدوهم" في الميدان.
إن الذي تغلبه نفسه عن صلاة الفجر، وتغلبه
عينه عن الحرام، وتغلبه شهوته عن الطاعة.. كيف يطمع أن يفتح الله له أبواب التمكين؟
️يا أيها الناس.. يا أمة القرآن..
مضت تسعة أيام، وعشر الرحمة توشك أن تودعنا..
فبالله عليكم، هل استشعرتم الرحمة في نصرة
إخوانكم؟
هل استشعرتم العزة في سجودكم؟
إن رمضان لا يعترف بالضعفاء، ولا يحمل النصر
للكسالى. رمضان هو "زلزال" جاء ليدك حصون الغفلة في قلوبكم.
فيا خيبة من خرج من العشر الأول ولم يُغفر
له!
ويا ضيعة من أدرك رمضان ولم يتعلم منه كيف
يكون عزيزاً!
استيقظوا من سكرة الغفلة..
عودوا إلى قرآنكم..
اركعوا لربكم ركوع المفتقرين،
وقوموا لأمتكم قيام الفاتحين.
اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا،
وهواننا على الناس..
اللهم فاجعل رمضان هذا "بدرنا"
الجديد، و"فتحنا" المبين.
توبوا إلى الله، واستغفروه من كل ذنب، لعلكم
تُرحمون.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين
اصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى.
أما بعد......
️يا عباد الله.. إن القضية ليست في
"رحيل رمضان"،
بل في "رحيل العزة" من قلوبنا
إن لم نتب!
ألا فليعلم كل من يظن أن الدين "موسم"
أو "عادة"، أن الله غنيٌ عن العالمين. إن الله لا ينظر إلى أجسادكم التي
جاعت، بل ينظر إلى قلوبكم التي هل خضعت؟ وإلى أقدامكم هل في سبيل الله سعت؟
ويلٌ لأمةٍ تظن أن النصر يأتي بالتمثيل
على الله!
ويلٌ لمن يحبس نفسه عن الحلال شهرًا، ثم
ينغمس في الحرام دهرًا!
ألا فاستحيوا من ملك الملوك، فإنه سبحانه
لا يُخادع، وما عنده لا يُنال إلا بطاعته.
اسمعوا لقول الجبّار في كتابه، وهو يحذرنا
من نقض عهد الاستقامة:
{وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا
مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا}.
فيا خيبة من بنى في رمضان طاعةً ثم هدمها
بالمعصية!
ويا ضيعة من ذاق حلاوة القرب ثم ارتد إلى
مرارة البعد!
واحذروا يا صائمين.. احذروا دعاء جبريل
وتأمين محمد ﷺ؛ فقد صعد النبي ﷺ المنبر يوماً فقال: «آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ»،
ثم قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ
يُغْفَرْ لَهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ».
رَغِمَ أَنْفُ.. رَغِمَ أَنْفُ.. أي ذلّ
وعُفّر بالتراب من ضاعت منه فرصة المغفرة في هذا الشهر العظيم.
يا أمة محمد.. يا من مضى من شهركم تسع،
واليوم نحن في قلب المعركة النفسية.. والله إن العزة قاب قوسين أو أدنى، لكنها تنتظر
"رجلاً" ينتصر على نفسه، و"امرأة" تصون بيتها، و"شباباً"
يرفضون الذل.
إذا أردتم أن تزلزلوا عروش الظلم، فزلزلوا
عروش المعاصي في صدوركم!
إذا أردتم أن يرتفع الأذان فوق مآذن التمكين،
فارفعوا القرآن فوق أهواء نفوسكم!
ألا وصلوا وسلموا على من بكى شوقاً لرؤيتكم،
وسجد طويلاً لنصرتكم، إمام الفاتحين وقائد الغر المحجلين.
اللهم يا من نصرت أهل بدر بقلتهم، انصرنا
بضعفنا!
اللهم إننا نعيش شهر رمضان فاجعله شهر فتحٍ
وعزةٍ وتمكين.
اللهم زلزل الأرض تحت أقدام الظالمين، وأرنا
فيهم عجائب قدرتك.
اللهم ارفع عن أمة محمد الذل والمهانة..
اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً.
اللهم اجعلنا ممن يصومون رمضان "روحاً"
لا "جسداً" فقط.
اللهم يا حي يا قيوم، اجعل قلوبنا معلقة
بكلمتك، وألسنتنا لاهجة بذكرك، وأقدامنا ثابتة على طريقك.
اللهم انصر المستضعفين في كل مكان.. اللهم
اطعم جائعهم، واكسُ عاريهم، وثبت أقدامهم........
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ
وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ
ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على
نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
أقم الصلاة!