أَيَّامَ اللَّهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ (مَقَاصِد وَدِلَالَات).
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد قال الله تعالى في كتابه الحكيم:" وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ"( إبراهيم: 5).
والمراد بِأَيَّامِ اللَّهِ أي: بنعمه عليهم
وإحسانه إليهم، وبأيامه في الأمم المكذبين، ووقائعه بالكافرين، ليشكروا نعمه، وليحذروا
عقابه.. وذكِّرْهم بأيامِ اللهِ، ذكِّرْهم كيف ربَّاهم بأقدارِه، كيف تفضَّلَ عليهِم
بنِعَمِهِ، كيف ستَرَهم بستْرِهِ، كيف رزقَهم من واسعِ فضلِهِ، كيف أعطاهم النَّوالَ
قبلَ السُّؤالِ ، لأن في أيام الله على العباد أ يَاتٍ لِّكُل صبار في الضراء والعسر
والضيق، شكور على السراء والنعمة.
وقد حلَّ بنا شهرٌ كريم، فَرَض الله علينا صيامَه،
وسنَّ لنا رسول الله - صلَّى الله عليه وآله
وصحبه وسلَّم - قيامه.
ويتميَّز هذا الشهر عمَّا سواه بالحِرْص من الجميع
على الإقبال على الله، الطائعين والعاصين على سواء.
ويختصُّ هذا الشهرُ بأحداث عظيمة وقعتْ
فيه، تحتاج مِن كلِّ مسلِم إلى تذكُّر وتدبُّر وتفكُّر؛ لينتفعَ بمواضعِ العبرة، ويجني
بها الثمرة· فمنها، بل أهمها على الإطلاق مايلي:
أولاً : بدايةُ نزول الوحي .
يوم عظيم من أيام الله يحتوي على مقاصد
جليلة ، فقد بدأ نزول الوحي لكريم على رسول الله - صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم
- في غار حراء، في شهر رمضان المبارك وقد جلس في خلوته يتعبَّد، فنزل عليه جبريل
- عليه السلام - بأوَّل كلمة قرآنية، فكانت: {اقْرَأْ}، وهي دعوة إلى العِلم الذي
يصل العبدَ بربه وخالقِه، ويدرك به الخشية: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، ويرفع منزلةَ صاحبه ودرجته: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ
يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]؟ والجواب قطعًا لا يستوون،
وفي بدءِ نزول القرآن في رمضان على رسول الله - صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم
- وهو في الغار يتعبَّد - تنبيهٌ لطيف على أنَّ رمضان هو شهر القرآن، وأنَّه شهر العبادة
الخاصَّة، وأنَّه شهر الانقطاع إلى الله، متمثِّلاً في الاعتكاف، وقد اختاره الله
لذلك من بين سائر الشُّهور، مع أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم
- كان ينقطع إلى العبادة في غار حِراء في غيره من الشهور، فاختيار هذا الشهر علامةٌ
على فضله وارتفاعِ درجته دونَ غيره.
ثانياً: غزوة بدر الكبرى .
ومِن أهم الأحداث التي وقعتْ في شهر رمضان
(غزوة بدر الكبرى)، وذلك في السابع عشر من رمضان في السَّنة الثانية من الهجرة، وكان
في هذه الغزوة المباركة أوَّل انتصار حاسِم للإسلام على الكفر، وقد ظَهَر فيها بوضوح
مددُ الله وتوفيقه لأوليائه الذين صَدَقوا ما عاهدوا الله عليه؛ كما قال الله - عز
وجل -: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] .
ولَمَّا أخذ المؤمنون بأسباب النصر مِن
صِدق الإيمان، وحُسنِ التوكُّل على الله، واليقين في وعده: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ
يَنْصُرْكُمْ} [محمد: 7]، والإخلاص، وسلامة القلْب، وإعداد العدَّة، والصبر عندَ اللِّقاء
- أقول: لَمَّا أخذ المجاهدون بهذا كلِّه أنزل الله ملائكتَه إلى ميدان القِتال، ومَن
يقوى على مواجهةِ الملائكة؟!
وفي ذلك يقول الله - عز وجل -: {إِذْ يُوحِي
رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا سَأُلْقِي
فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا
مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12].
ولن ينتصرَ المسلمون على أعدائهم إلاَّ
إذا انتصروا على أنفسهم وكبحوا جماحَها، وشهر رمضان هو خيرُ معين بعدَ الله للانتصار
على النفس الذي هو طريقُ النصر على الأعداء؛ ولذلك سمَّى بعضُ العلماء جهادَ النفس
(الجهاد الأكبر)؛ تنبيهًا على هذا المعنى الجليل.
ثالثاً: فرضت زكاة الفطر .
وفي شهر رمضان في السَّنة الثانية من الهجرة
فُرِضت زكاة الفطر التي هي طُهرةٌ للصائم، وطُعْمة للمساكين، ومن لطائف أحكامها أنَّها
تجب على مَن يملك قوتَ يوم وليلة، وهذا نصابها، وهو ميسور لكل فقير، وهذا يعني أنَّها
تجب على الفقراء، فلمَن يُعطيها الفقير؟ يُعطيها لفقير آخَرَ.
وهو لا يخرج إلاَّ هذه الزكاة، فيعتادُ
على العطاء والجود، وإن كان فقيرًا، ويخرج بها الفقيرُ من بيته ليلةَ العيد قاصدًا
بيتَ فقير آخر، فيلقاه أخوه الفقير، وقد حَمَل كلٌّ منهما زكاتَه لصاحبه، فيتبادلان
الزكاة! إنَّها درسٌ عملي في العطاء والجود، والكرم والسخاء.
رابعاً: الاستعداد لعزوة الخندق.
وفي السنة الخامسة من الهجرة في رمضان كان
الاستعدادُ لغزوة الخندق، أو (الأحزاب) التي انتصر فيها المسلمون بفَضل الله ورحمته
بغير قتال ولا معركة، سوى مبارزات ومناوشات محدودة؛ {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ
اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25].
خامساً: فتح مكة.
وفي شهر رمضان كان الفتحُ الأكبر (فتح مكة)،
وكان ذلك في الحادي والعشرين من رمضان في السَّنة الثامنة من الهجرة، وكان هذا الفتح
ثمرةَ جهادٍ طويل بالسيف واللسان لسنوات طويلة، قد تحلَّى فيها المؤمنون الصادقون
بالصبر واليقين.
ولا يتَّسع المقام هنا لتفصيل هذا الحَدَث
العظيم، لكن ينبغي على كلِّ صائم وصائمة أن يرجع إلى كتبِ السُّنة والسِّيَر؛ ليقرأَ
تاريخ فتح مكة، وما وَقَع فيه من مواقف؛ لينتفع بذلك انتفاعًا عظميًا يعجز القلمُ
عن وصفه، واللِّسان عن بيانه.
وفي شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة
تحطَّمت بعدَ فتح مكة رموزُ الشِّرْك، وتهاوت الأصنام التي عبدَها الناس من دون الله
دهورًا طويلة، فقد بعث رسول الله - صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم - خالد بن الوليد؛
ليهدمَ إلهَ المشركين الأكبر (العُزَّى)، فهدمها، وبعث عمرَو بن العاص فهدَم (اللاَّت)،
وبعثَ سعد بن زيد الأشهلي فهدَم (مناة)، وكان ذلك إعلانًا صريحًا بأنَّ القلوب يجب
عليها أن تتعلَّق بالله، ولا تلتفتْ إلى أحد سواه من الأحياء أو الأموات، أو الأصنام
أو الأضرحة، وهذا هو التوحيد الذي جاء به رسولُ الله - صلَّى الله عليه وآله وصحبه
وسلَّم.
سادساً: إقبال الوفود.
وفي شهر رمضان أقبلتْ وفودٌ على رسول الله
- صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم - تُعلِن إسلامها من قبائل شتَّى، وبلاد متفرِّقة
بعدَ أن أيقنت أنَّ هذا الدِّين هو الحق من عند الله العزيز الحكيم، وهكذا دَخَل الناس
في دِين الله أفواجًا.
سابعاً: معركة "حطين" واسترداد بيت المقدس .
حدثت هذه المعركة في شهر رمضان بين المسلمين
بقيادة صلاح الدين، وبين الصليبين، وكان صلاح الدين الأيوبي يعلم علم اليقين أن النصارى
الصليبيين ليسوا من السهولة أبدًا؛ ولذلك سارع إلى إدخال إصلاحات جذرية في الجهاد،
وكان يطبق قول الله عز وجل: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ
رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]؛
ولذلك هيَّأه الله - سبحانه وتعالى - لترتيب صفوف المسلمين، وفي تخطيطه - رحمه الله
- لإعداد الأمة للجهاد، لم يكن الرجل يُعِدُّ نفسَه وأهلَ بيته فقط، ولا المدن التي
كانت حوله فقط، كان يُعدُّ الأمة الإسلامية قاطبةً لحرب الصليبيين. وابتدأت المسألة
من جوانب الاقتصاد، وإعداد السلاح، والجند والجيوش، والدواوين والأسلحة، والمؤن والذخائر
والعتاد، والخطط الحربية، وفعلاً، كانت معركة حطين تمهيدًا لدخول صلاح الدين - رحمه
الله - إلى بيت المقدس، وتم بفضل الله نصر الله المبين حيث التقتْ جيوش المسلمين بجيوش
الصليبيين في "حطين"، وكان ذلك في شهر رمضان عام 583هـ - 1187م.
لقد جمع الصليبيون عشرين ألف مقاتل، جمعوهم
من كل دويلات الصليبيين واشتبك الجيشان، وانجلت المعركة عن نصر ساحق لصلاح الدين مع
تدمير تام لجيش أعدائه، لم يكن أمام جيش صلاح الدين بعد معركة حطين إلاَّ أن يتقدم
نحو القدس، وقبل أن يتقدَّم نحوها استسلم له حصن "طبرية"، وفتح "عكَّا"،
واستولى على "الناصرية"، و"قيسارية"، و"حيفا"، و"صيدا"،
و"بيروت"، وبعدها اتَّجه صلاح الدين إلى القدس، ولكن الصليبيين تحصَّنوا
بداخلها، فاتَّخذ صلاح الدين "جبل الزيتون" مركزًا لجيوشه، ورمى أسوار المدينة
بالحجارة عن طريق المجانيق التي أمامها، ففرَّ المدافعون، وتقدَّم المسلمون ينقبون
الأسوار، فاستسلم الفرنجة، وطلبوا الصلح، فقبل صلاح الدين، واتفق الطرفان على أن يخرج
الفرنجة سالمين من المدينة على أن يدفع الرجل عشرة دنانير، والمرأة خمسة، والصبي دينارين،
ووفَّى المسلمون لهم بهذا الوعد، وكان ضمن من خرجوا "البطريرك الأكبر" يحمل
أموال البِيَع (الكنائس)، وذخائر المساجد التي كان الصليبيون قد غنموها في فتوحاتهم.
ثامناً : معركة عين جالوت .
وقعت في يوم الجمعة الخامس والعشرين من
رمضان المبارك عام ٦٥٨هـ، وانتصر المسلمون بقيادة المجاهد المؤمن سيف الدين قطز في
المعركة الخالدة عين جالوت، حيث قهرت الجيوش المصرية التتار الذين قتلوا ملايين البشر
من المسلمين وغيرهم، وقضوا على دولة الخلافة في عام ٦٥٦هـ، قال ابن كثير: "ولما
رأى قطز عصائب التتار قال للأمراء والجيوش الذين معه: لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس وتفيء
الظلال وتهب الرياح، ويدعو لنا الخطباء والناس في صلاتهم، وكان قطز قد رأى في المنام
وهو صغير رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وقال له: أنت تملك الديار المصرية
وتكسر التتار، وكان يحدث بهذا.
تاسعاً : فتح القسطنطينية على يد "محمد الفاتح".
تم فتح القسطنطينية على يد السلطان العثماني
محمد الفاتح في 29 مايو 1453م، والذي وافق يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى 857 هـ. وقد
بدأ الحصار في شهر رمضان (6 أبريل 1453م/ 26 ربيع الأول 857 هـ)، واستمر 53 يوماً حتى
تحقق الفتح في يوم تاريخي فاصل أنهى الإمبراطورية البيزنطية .
فالقسطنطينية قد بشَّر حضرة الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وآله وصحبه
وسلَّم – بفتحها، حيث جاء في الحديث: ((لتفتحُنَّ القسطنطينية، فلنِعْمَ الأميرُ أميرُها،
ولنِعْمَ الجيشُ ذلك الجيش))؛ روه الإمام أحمد في مسنده.
والذي فتحها هو السلطان "محمد الفاتح"
- رحمه الله - الذي وضع خُطَّة غاية في دهاء التدبير، وروعة في الإعداد العسكري ودقة
التنفيذ؟! يوم حمل السفن برًّا على جذوع الشجر، ثم دحرجها وأنزلها إلى البحر خلف البيزنطيين
من حيث لا يتوقعون، مما أدى إلى دحر أسطولهم وهزيمتهم، وفتح القسطنطينية التي أصبحت
فيما بعد عاصمة الخلافة، وحملت اسم "إسلامبول" أو "إستانبول"؛
أي: مدينة السلام.
لقد كانت القسطنطينية قبل فتحها عقبةً كبيرةً
في وجه انتشار الإسلام في أوروبا؛ ولذلك فإن سقوطها يعني فتح أوروبا لدخول الإسلام
بقوة وسلام أكثر من ذي قبل، ويعتبر فتح القسطنطينية من أهم أحداث التاريخ العالمية،
وخصوصًا تاريخ أوروبا وعلاقتها بالإسلام، حتى عدَّهُ المؤرخون الأوروبيون ومَن تابعهم
نهايةَ العصور الوسطى وبدايةَ العصور الحديثة .
عاشراً: نصر اكتوبر المجيد .
ومن أعظم الأيام التي حدثت في العصر الحديث
إنما هو نصر أكتوبر المجيد الذي وقع في العاشر من رمضان عام (١٣٩٣هـ) = السادس من أكتوبر
١٩٧٣م، حيث التقى المصريون مع عدوهم الغاشم على أرض سيناء الحبيبة، فهَزم الجيش المصري
العظيم هذا المحتل، وأبطل مقولته التي طالما تغنى بها "الجيش الذي لا يقهر"،
واستردوا أرضهم، وحموا عرضهم، ورفعوا راية بلادهم عالية خفاقة.
عبر جنودنا وهم صائمون، رغم أن الشرع الحنيف
رخص لهم الفِطر لكن أبت أخلاق هؤلاء العظام، ومحبتهم للشهادة في سبيل تحرير وطنهم،
إلا أن يكونوا صائمين: "لا نريد أن نفطر إلا في الجنة"، وعلت أصواتهم بكلمة
«الله أكبر»، وكان عنصر المفاجأة أذهل الجميع، وخرج العدو من وكره مذعوراً خائفاً من
هؤلاء الأبطال البواسل الذي جاءوا من كل حدب وصوب، وتدفَّقوا كالسيل العرم، وكانت الروح
المعنوية التي قام بها مولانا العارف بالله الإمام الأكبر أ.د/ عبد الحليم محمود لجنودنا
لها عظيم الأثر في تخفيف حرارة الجو، ووطأة الموقف حيث بشرهم أنه رأى النبي صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام، وهو يرفع راية "الله أكبر" .
وما زال الجيش المصري على العهد باقيًا،
وسيظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها رغم كيد الكائدين، وأبواق المفسدين، مصداقًا
لقول سيد المرسلين؛ فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله
عنه، أنَّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتخذوا
فيها جندًا كثيفًا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض»، فقال له أبو بكر: ولم ذلك يا رسول
الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة» [رواه ابن عبد الحكم في
"فتوح مصر"]
.
لقد استطاع فيها الجيش المصري أن يدحر عدوه،
وأن يسترد أرضه، ويحمي عرضه، ويفرض إرادته العادلة على الأرض المباركة، أرض سيناء الحبيبة،
وانتصرت مصر في هذه المعركة انتصارا خُلِّد ذكراه في تاريخ الحروب المشروعة، ورغم قوة
العدو وتفوقه في بعض المجالات إلا أن جيش مصر أعطى درسا في الشجاعة والقدرة على التخطيط
والبسالة، صار بعد ذلك ضمن الدروس المنهجية في العلوم القتالية التي تدرس في أعرق الكليات
العسكرية.
إذن : لا يوجد عدوٌّ من أعداء الإسلام إلاَّ
وحاربناه وانتصرنا عليه في شهر رمضان؛ سواء كانوا مشركين أو صليبيين أو تتارًا أو فرسًا
أو يهودًا، ولا يأتي شهر رمضان إلاَّ ونتذكر هذه الأيام الخالدة والانتصارات العظيمة،
وهذه نعمة عظيمة مَنَّ الله عز وجل بها علينا؛ لنظلَّ نتذكر الجهاد والانتصار إلى يوم
القيامة..
والأيام التى حدثت فيها المعارك والغزوات
التي كُلِّلت بالانتصار في هذا الشهر المبارك كثيرة، لكن اقتصرت على أشهرها، أو كما
يقال: يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق؛ أي: يكفي فخرًا للمسلمين أن يستحضروا هذه المشاهد
الخالدة في التاريخ الإسلامي؛ ليأخذوا منها الدروس والعبر .
وختامًا: فإن المخلصين في كل زمان ومكان قادرون - بتوفيق من الله - على
صنع النصر من رماد الهزيمة، وبناء الحضارة الراقية، وزرع حدائق العلم والنور في ظلمات
الجهل، إذا تذكروا أيام الله هذه في شهر رمضان الكريم وأخذوا منها العبرة والعظة، فرمضان
ليس زمنًا عابرًا في تقويم الأيام، ولا محطةً موسميةً تُؤدَّى فيها الطقوس ثم تنقضي؛
بل هو مدرسة الانتصار الكبرى، حيث تُختبر الإرادات، وتُصقل النفوس، وتُصاغ العزائم
صياغةً ربانية، فيه تتجلى حقيقة الصراع بين الروح والجسد، وبين الحق والباطل، وبين
الإنسان ونفسه الأمّارة؛ فإذا انتصر المرء على هواه، هان عليه أن ينتصر على عدوه.
نعم ، لم يكن اقتران أعظم الفتوح والانتصارات
الإسلامية وأيام الله الكبرى بشهر رمضان مصادفةً تاريخية، بل كان شاهدًا على أن هذا
الشهر العظيم الذي نعيش أيامه الآن يُخرِّج رجالًا تحرروا من سلطان الشهوة، فصاروا
أقدر على تحطيم سلطان الطغيان، وخير انتصار يحققه المسلم في شهر رمضان أن ينتصر على
شيطانه ونفسه الأمارة بالسوء؛ فيُرَوِّضها ويُهَذِّبها على قبول الخير وما فيه من النفع
في العاجل والآجل، ويقلع عن الشهوات، والعادات السيئة، فيكون ممن فاز وسعد، قال تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ
مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ مَنْ
غَلَبَ النَّاس إِنَّمَا الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ نَفْسَه» [رواه ابن حبان].
وعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمٌ غُزَاةٌ، فَقَالَ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدِمْتُمْ خَيْرَ مَقْدَمٍ مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ
إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ»، قَالُوا: وَمَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ؟ قَالَ: «مُجَاهَدَةُ
الْعَبْدِ هَوَاهُ» [رواه البيهقي في "الزهد الكبير"].
إن الناظر في حكمة الصيام وفلسفته يدرك
يقينًا أنه ليس "إجازةً" من الحياة، بل هو دورةٌ مكثفة لاستعادة الإحكام
على الجوارح، فمن استطاع أن يُحكم لجام شهواته خلف جدران الصوم، هو الأقدر على قيادة
دفَّة العمل والإبداع في ميادين الحياة.
وأخيراً: نسأل الله تعالى المعين الناصر
الحق المبين، أن ينصرنا على أنفسنا وأن ينصرنا على أعدائنا ، اللهم إنا نسألك نصرًا
مؤزرًا لمصرنا الغالية في جميع المجالات.. واجعلنا من الذين يحققون ما يرضيك في الأرض.
اللهم إنا نستعين بك على كل من أراد بنا سوءًا، ونسألك أن تكلأنا برعايتك، وتجعلنا
في أمانك وضمانك، اللهم تقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال .
اللهم آمين بجاه السند الأمين.