recent
أخبار عاجلة

الدروس المستفادة من تحويل القبلة وزراة الأوقاف

الدروس المستفادة من تحويل القبلة 


عاش حضرة النبي في المدينة وهو يحمل في صدره شوقًا عظيمًا للكعبة المشرفة، فكان يقلب وجهه في آفاق السماء انتظارًا لخبر من السماء يجمعه بقبلة أبيه إبراهيم، فجاء التحويل تكريمًا لنبي الرحمة، وبيانًا لمنزلة المسجد الحرام في دين الإسلام، وإعلانًا لاستقلالية الأمة المحمدية بتميزها عن أهل الكتاب في أقدس عباداتها.

 

 

تفاصيل المحتوى

سرعة الامتثال وعلامات الإيمان

أشواق النبوة وحنين البيت العتيق

وحدة القبلة وترابط الرسالات

خصائص الأمة ووسطية المنهج

الابتلاء والتمحيص في ميزان الوحي

الدلالات النبوية في تقلب الوجه في السماء

قدسية المسجدين ووحدة الوجدان

الخلاصة

 سرعة الامتثال وعلامات الإيمان

إن من صفات المؤمنين الصادقين: الامتثال لأمر الله ورسوله دون تردُّد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِن وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۤ أَمۡرًا أَن یَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِیَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن یَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلا مُّبِینا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقد ضرب سيدنا رسول الله وأصحابه أروع الأمثلة في سرعة الاستجابة عند تحويل القِبْلة؛ فقد نزل الوحي بالأمر الإلهي على حضرته صلوات ربي وسلامه عليه وهو يصلي بأصحابه في المدينة صلاة الظهر، فاستدار وهو في صلاته من جهة الشمال إلى جهة الجنوب، واستدار خلفه المصلون في الحال.

 

ولم يتوقف أثر هذا الامتثال عند مركز المدينة فحسب، بل امتد ليشمل الضواحي والمساجد البعيدة فور وصول الخبر إليها؛ فبينما كان الناس في مسجد قباء يصلون الصبح من اليوم التالي، جاءهم منادٍ يخبرهم بنزول الوحي بالتحويل، كما جاء عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «‌بَيْنَا ‌النَّاسُ ‌بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ». [رواه البخاري]. فكان هذا التفاوت في الأوقات برهانًا على أنَّ المجتمع النبوي كان يعيش حالة استنفارٍ روحي، لا يمنعه بُعد المسافة أو اختلاف وقت الصلاة عن الانقياد التام لأمر الله ورسوله.

 

كما رسخ تحويل القبلة في المسلمين تعظيم ربهم سبحانه، فهو الغاية الكبرى وإن اختلفت الوجهة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَیۡنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِیمࣱ﴾ [البقرة:١١٥]، وقال أيضًا: ﴿سَیَقُولُ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِی كَانُوا۟ عَلَیۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ یَهۡدِی مَن یَشَاۤءُ إِلَىٰ صِرَٰط مُّسۡتَقِیمࣲ﴾ [البقرة:١٤٢].

 

 

 أشواق النبوة وحنين البيت العتيق

لقد كان حبُّ الحبيب المصطفى لمكة والبيت الحرام حبًّا متجذرًا في وجدانه، ففاضت هذه الأشواق حين أُخرج منها مكرهًا يوم الهجرة؛ فوقف على مشارفها مودعًا بكلماتٍ تفيض حنينًا: «وَاللَّهِ، إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلى الله، ولولا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ». [رواه الترمذي].

 

وقد جعل الله محبَّة هذا البيت في القلوب منذ أن دعا الخليل إبراهيم عليه السلام بقوله: ﴿فَٱجۡعَلۡ أَفۡءِدَة مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِیۤ إِلَیۡهِمۡ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَیۡتَ مَثَابَة لِّلنَّاسِ وَأَمۡنا﴾ [البقرة: ١٢٥]، فكان تحويل القبلة تكريمًا لهذه الأشواق النبوية، وتصديقًا لكون الكعبة هي الوجهة التي تجتمع عليها القلوب، وتطمئن إليها الأفئدة.

 

 

 وحدة القبلة وترابط الرسالات

لقد تجلت عظمة الإسلام في جعل القبلة وجهة جامعة للعالمين قاطبة؛ فكان التوجه الأول نحو بيت المقدس إعلانًا صريحًا عن ترابط الأنبياء ووحدة رسالاتهم، ثم جاء التحول نحو الكعبة المشرفة؛ ليكون إيذانًا بأنها القبلة الخاتمة والمركز الذي لا تُقبل صلاةٌ إلا باستقباله، ولا تصح عبادةٌ إلا بمتابعة صاحب الرسالة ؛ امتثالًا للأمر الإلهي: ﴿فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ﴾ [البقرة: ١٤٤].

 

ولم يكن هذا التحويل مجرد انتقالٍ جغرافي، بل هو دعوةٌ تربوية لكل مسلم ليعيد توجيه بوصلة حياته نحو الحق؛ فكما استدارت الأجساد في الصلاة طلبًا لرضا الله، وجب على القلوب أن تستدير عن غفلتها طلباً لرضوانه.

 

إن تحويل القبلة يعلمنا أن التغيير الخارجي في الأحوال مرهونٌ بالتغيير الداخلي في النفوس، فمن أصلح وجهة قلبه مع الله، أصلح الله له سائر شئونه؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾ [سورة الرعد: ١١].

 

 

 خصائص الأمة ووسطية المنهج

إنَّ اختيار الكعبة قبلةً للمسلمين لم يكن مجرد تحديدٍ لوجهة الصلاة، بل كان إعلانًا إلهيًّا عن تفرُّد الأمة المحمدية وفضلها؛ فكما اختار الله لها أشرف الرسل وأكمل الكتب، اختار لها كذلك أشرف قِبلة وأقدم بيتٍ وُضع للناس.

 

هذا التميز في القبلة هو انعكاس لوسطية المنهج التي اختصت بها هذه الأمة؛ فهي أمةٌ وسطٌ في تشريعها واعتقادها، لا غلو فيها ولا تقصير، وهي الشهيدة على سائر الأمم يوم القيامة بفضل اتباعها للحق واعتدال طريقها. وقد جاء التنويه بهذا المقام الرفيع في سياق آيات القبلة؛ لتأكيد الربط بين استقامة الوجهة واستقامة المنهج، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّة وَسَطا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَیَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَیۡكُمۡ شَهِیداۗ﴾ [البقرة: ١٤٣].

 

وكما قال الإمام الماوردي في تفسيره [١ /١٩٩]: "الوسط من التوسط في الأمور؛ لأن المسلمين تَوَسَّطُوا في الدين، فلا هم أهلُ غلوٍّ فيه، ولا هم أهل تقصير فيه".

 

فكانت القبلة الجامعة هي الرمز الظاهر لهذه الخيرية والوسطية التي تمتاز بها خير أمة أخرجت للناس.

 

 

 الابتلاء والتمحيص في ميزان الوحي

كان تحويل القبلة بمثابةِ تمحيصٍ واختبارٍ لكافَّةِ الأطيافِ في المجتمع، وكان للمؤمنين إيمانًا صادقًا وهدًى ونورًا؛ فحينما تلقَّوْا أمرَ الله تعالى بالتحوُّلِ إلى البيت الحرام سارعوا إلى امتثال الأمر ولسان حالهم يقول: ﴿سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَیۡكَ ٱلۡمَصِیرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].

 

ومما قاله المشركون في ذلك: إن محمدا قد تحيّر في دينه، ويوشك أن يرجع إلى ‌ديننا ‌كما ‌رجع ‌إلى ‌قبلتنا.

 

ومما قاله المنافقون: ما بال المسلمين كانوا على قِبلة ثم تركوها؟

 

ومما قاله اليهود- الذين تولوا كبر التشكيك في صحة التوجه إلى البيت الحرام-: إن القبلة الأولى- وهي بيت المقدس- إن كانت على حق فقد تركتم أيها المسلمون الحق، وإن كانت على باطل فعبادتكم السابقة باطلة، ولو كان محمد نبيا حقا ما ترك قبلة الأنبياء قبله وتحول إلى غيرها وما فعل اليوم شيئا وخالفه غدا.

 

ومقصدهم الأول من وراء هذه المقالات المرذولة: الطعن في شريعة الإسلام، وفي نبوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. [أ.د/ محمد سيد طنطاوي، التفسير الوسيط، ١/ ٢٩٣].

 

وكثُرَت الأقاويل، وفُتِن أُناسٌ -لم يرسخ الإيمان في قلوبهم- عن الحق، وتكلَّم كلُّ سفيهٍ ضعيفِ العقلِ بما وافق هواه. وقد صوَّر المولى سبحانه وتعالى هذه الأحوال، وهذه الأجواء في صورةٍ بديعةٍ، وسطرها في كتابه الكريم، فقال: ﴿سَیَقُولُ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِی كَانُوا۟ عَلَیۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ یَهۡدِی مَن یَشَاۤءُ إِلَىٰ صِرَٰط مُّسۡتَقِیمࣲ﴾ [سورة البقرة: ١٤٢]، فكلُّ نجاحٍ وفلاحٍ في التسليم لأمر الله تعالى والانقياد، والهلاكُ والخسرانُ في الاستكبار عن أمره والعناد.

 

 

 الدلالات النبوية في تقلب الوجه في السماء

تتجلى في حادثة التحويل أسمى معاني التكريم الإلهي لمقام السيد المجتبى وعلوّ قدره عند ربه؛ فقد كان يحبُّ أن يتوجَّه في صلاته إلى البيت الحرام، وتهفو روحُه إلى استقبالِ أشرفِ بقاع الدُّنيا؛ ليستعيد ذكرياتِ الحنيفية الإبراهيمية؛ لكنَّ أمر الله تعالى كان مقدمًا في نفسه على ما يُحبُّ ويهوَى، فقابلَ اللهُ تسليمَه وتقديمَه لأمره بتحقيق رغبتِه، فأمره بالتحوِّل إلى الكعبة -شرَّفَها الله وأدام حولها ذكره وعبادته-، يقول الإمام الواحدي في كتابه [أسباب النزول ١ /٢٢٩] في مناسبة نزول هذه الآية: "كانت الكعبة أحب القبلتين إلى سيدنا رسول الله ؛ لأنها قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، ولأنه كره موافقة اليهود، فقال لجبريل: « وَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ الْيَهُودِ إِلَى غَيْرِهَا».

 

فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على ربك، فادع ربك وسله، ثم ارتفع جبريل، وجعل كريم الوجه سيدنا محمد يديم النظر إلى السماء؛ رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل ربه، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي: فِي النظر إلى السماء، ﴿فَلَنُوَلِّیَنَّكَ قِبۡلَة تَرۡضَىٰهَاۚ﴾ أي: لنصيرنك تستقبل بوجهك قبلة تحبها وتهواها، ﴿فَوَلِّ وَجۡهَكَ﴾ أي: أقبل وحوّل وجهك، ﴿شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ﴾  قصده ونحوه وتلقاءه، ﴿وَحَیۡثُ مَا كُنتُمۡ﴾  [البقرة: ١٤٤] فِي بر أو بحر، ﴿فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ﴾ يعني: عند الصلاة.

 

فلنعرف لنبينا قدْرَه، ولنعظِّمْ في أنفسنا شأنه؛ فالخيرُ كلُّ الخيرِ في اتباعه، والاقتداء به، وتوقيره.

 

 

 قدسية المسجدين ووحدة الوجدان

 إنَّ تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام لم يكن إلغاءً لمكانة الأول، بل كان تأكيدًا على العلاقة العضوية والوثيقة بين هذين المسجدين العظيمين في وجدان الأمة. فالمسلم حين يستدير نحو الكعبة، فإنه لا يقطع صلته ببيت المقدس، بل يربط بين حلقتي التوحيد؛ فالمسجد الحرام هو أول بيتٍ وُضع في الأرض لعبادة الله، والمسجد الأقصى هو ثانيها في الوجود التاريخي والمكانة، كما جاء في حديث أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ‌أَيُّ ‌مَسْجِدٍ ‌وُضِعَ أَوَّلَُ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ قَالَ: «ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى» قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَالَ: «أَرْبَعُونَ» ثُمَّ قَالَ: «حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ وَالْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ». [رواه البخاري].

 

فقرن الحبيب بين المسجدين؛ ليُثبِتَ القُدْسيَّةَ لكلَيْهِما؛ وليعرف المسلمُ قيمةَ المسجد الأقصى، وأنه لا يقلُّ مكانةً عن المسجد الحرام، وأن التفريطَ في أحدهما أو التهاونَ في حقه يُعَدُّ تهاونًا وتفريطًا في حق الآخر.

 

 

 الخلاصة

يُعدُّ تحويل القبلة مدرسةً في التسليم المطلق لرب العالمين، وبرهانا على عظيم مكانة سيدنا النبي عند ربه؛ حيث تحوّلت الأبدان نحو الكعبة المشرفة إجابةً لأشواقه، بينما ظلت القلوب معلقةً بقدسية المسجد الأقصى ترابطًا وتوحيدًا، ولقد رسخ هذا الحدث وسطية الأمة واستقلال شخصيتها، ليكون درسًا خالدًا في أنَّ صلاح الأحوال وتغيير الواقع يبدأ بصدق التوجه إلى الله، وكمال الاقتداء برسوله
google-playkhamsatmostaqltradent