recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة من أيام العزة والنصر في الشهر الفضيل د/مسعدالشايب

من أيام العزة والنصر في الشهر الفضيل

 


بيان أن رمضان شهر الانتصارات.

 من الانتصارات الحربية في شهر رمضان قديمًا وحديثًا (ستةٌ من الانتصارات).

  الخطبة الثانية: (دروسٌ وعبرٌ من الانتصارات الحربية الإسلامية).

 

الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه الكريم: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[الأنفال:10]، وأشهد أن لا إله إلا الله ناصر المؤمنين، ومعزّ المستضعفين، ومذل المتكبرين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله صادق الوعد الأمين، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

 

(1) ((بيانُ أن رمضان شهر الانتصارات))

 

أيها الأحبة الكرام: فإن شهر رمضان هو شهر الانتصارات الروحية، انتصارٌ على النفس الأمارة بالسوء وشهواتها، وأهوائها بإلزامها سبيل الصلاح والفلاح، وانتصارٌ على إبليس اللعين وأعوانه من الشياطين بعدم الاستجابة لوساوسهم وهمزاتهم ونزغاتهم، وانتصارٌ على شياطين الإنس وجلساء السوء باجتناب مصاحبتهم، والابتعاد عن طريقهم، فشهر رمضان هو شهر الانتصارات الروحية لشرع الله (عزّ وجلّ) وقرآنه وسنة نبيه.

وكما أن شهر رمضان هو شهر الانتصارات الروحية فهو أيضًا شهر الانتصارات الحربية، كتب الله (عزّ وجلّ) فيه النصر للمؤمنين في العديد من المعارك الحربية، ولا عجب في ذلك فالانتصارات الروحية على النفس وشهواتها، وإبليسَ وأعوانه، وعلى شياطين الإنس مقدمةٌ وأساس في الانتصارات الحربية، وصدق الله إذا يقول: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ*إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ*وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات:171ـ173]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمد:7]، فيوم أن نكون جنودًا لله، يوم أن ننصر شرعه وقرآنه وسنة نبيه بالعمل والتمسك بهم ينصرنا الله (عزّ وجل) على جميع أعدائنا، وقد جاء شهر رمضان مليئًا على مرّ التاريخ بالانتصارات الحربية الإسلامية مليئًا بأيام العزة والنصر، كالتالي:

 

(2) ((من الانتصارات الحربية في شهر رمضان قديمًا وحديثًا))

 

غزوة بدر الكبرى أو يوم الفرقان كما وصفها القرآن الكريم، التي وقعت يومَ الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من العام الثاني الهجري الموافق 13 من مارس عام 624م بقيادة النبي (صلى الله عليه وسلم) في مواجهة الكفرة والمشركين من أهل مكة، وكان عدد المسلمين فيها ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا ليس معهم إلا ثلاثُ فرسان، وسبعون أو ثمانون بعيرًا، وكان عدد المشركين ما بين التسعمائة إلى الألف معهم مائتا فرس.

وفي هذا المعركة الفاصلة أيدّ الله (عزّ وجلّ) المؤمن وأمدهم بالعديد والعديد من أسباب النصر، فألقى عليهم النوم أمانًا لقلوبهم من الخوف، وراحة لأجسادهم من التعب، وأنزل عليهم مطرًا ـ في وقتٍ لا يعتاد فيه المطر ـ فثبت به الرمال من تحت أقدامهم، واغتسلوا به من الجنابة التي أصابتهم، ولم يكن التيمم شرع بعد، وأذهب عنهم به وساوس الشيطان، قال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}[الأنفال:11].

 كما أمدهم المولى تبارك وتعالى بجندٍ من الملائكة بقيادة أمين الوحي جبريل وميكائيل (عليهما السلام)، أمدّهم بألفٍ أولا، ثم صار الألف ثلاثة آلاف، ثم صار الثلاثة آلاف خمسة آلاف من الملائكة، أمرهم سبحانه وتعالى بتثبيت المؤمنين، وقتال الكافرين، قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}[الأنفال:9]، وقال تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ*بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ}[آل عمران:125،124]، وقال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}[الأنفال:12].

 كما أن الله (عزّ وجلّ) قلّل المسلمين في أعين الكافرين قبل القتال؛ ليجترئ المشركون عليهم ولا ينصرفوا، فلما أخذوا في القتال كثّرهم الله في أعينهم ليجبنوا ويخافوا، وقلل المشركين في أعين المؤمنين ليتجرؤوا عليهم، قال تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ}[آل عمران:13]، وقال تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}[الأنفال:44]، بعد كل هذه الأسباب كان النصر من عند الله حليفًا للمؤمنين، وصدق الله إذ يقول: قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[آل عمران:123].

 

ومن أيام العزة والنصر في هذا الشهر الفضيل الفتحُ الأعظمُ فتحُ مكة، وضمها للدولة الإسلامية، أو يوم المرحمة كما وصفه النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي وقع في العشرين من شهر رمضان من العام الثامن الهجري الموافق 11 من يناير عام 630م بقيادة النبي (صلى الله عليه وسلم)، بسبب اعتداء بني بكر بمساعدة ومعاونة قريش ـ على بني خزاعة ونقضهم شروط صلح الحديبية، وطلب خزاعة النصرة من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في عشرة آلاف رجل.

في هذا اليوم قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (...مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابهُ فَهُوَ آمِنٌ...)(رواه مسلم)، وفي رواية: (وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ)(رواها أبو داود)، وبلغه أن سعد بن عبادة (رضي الله عنه يقول: (اليَوْمَ يَوْمُ المَلْحَمَةِ، اليَوْمَ تُسْتَحَلُّ الكَعْبَةُ). فقال (صلى الله عليه وسلم): (كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الكَعْبَةُ)(رواه البخاري)، وأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن تنزع الراية من سعد بن عبادة، وتدفع إلى ابنه قيس بن سعد (رضي الله عنه) لئلا يجد سعد في نفسه شيئا. (السيرة النبوية).

في هذا اليوم أيضًا قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لصناديد قريش حينما اجتمعوا في المسجد: (مَا تَقُولُونَ وَمَا تَظُنُّونَ؟). قالوا: نقول: ابن أخ وابن عم حليم رحيم. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (أَقُولُ كَمَا قَالَ يُوسُفُ (عليه السلام): {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}[يوسف: 92])(السن الكبرى للبيهقي).

 

ومن أيام العزة والنصر في هذا الشهر الفضيل معركة البويب في شهر رمضان عام 13هـ الموافق 9 من نوفمبر عام 634م بقيادة الصحابي الجليل المثنى بن حارثة الشيباني (رضي الله عنه)، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، والبويب تقع بأرض العراق اليوم غرب نهر الفرات قريبة من الكوفة، وفي هذه المعركة انتصر المسلمون على الجيوش الفارسية بقيادة مهران بن باذان، وبهذه المعركة ذلت رقاب الفرس لجيوش المسلمين، وقد قتل في تلك المعركة (4000) أربعة آلاف مسلم وحوالى (100000) مائة ألف فارسي، وقد لقبت بــ (يوم الأعشار) لأنَّهم أحصوا مائة رجلٍ قتل كُلٌّ واحدٍ منهم عشرة في تلك المعركة. (تاريخ الطبري، وفتوح البلدان).

 

ومن أيام العزة والنصر في هذا الشهر الفضيل فتح بلاد النوبة بجنوب مصر وشمال السودان في شهر رمضان عام 31هـ الموافق عام 652م، في عهد الخليفة عثمان بن عفّان (رضي الله عنه)، فقد سيّر والي مصر سيدنا عمرو  بن العاص (رضي الله عنه) جيشًا تعداده عشرين ألف مقاتل بقيادة عبدالله بن سعد بن أبي السرح لنشر الاسلام في بلاد النوبة النصرانية, ولتأمين حدود مصر الجنوبية، فسار إلى (دنقلة) عاصمة النوبيين وحاصرها وضربها بالمنجنيق، وبعد قتال عنيف تم عقد معاهدة حسن الجوار عرفت باسم معاهدة (البقط)، وظلت هذه المعاهدة أساس التعامل لمدة ستة قرون تسللت معها القبائل العربية المسلمة وتمازجت مع القبائل النوبية, ليدخل الناس في دين الله أفواجا. (الموسوعة الموجزة للتاريخ الإسلامي بتصرف).

 

ومن أيام العزة والنصر في هذا الشهر الفضيل موقعة عين جالوت في يوم الجمعة (25) الخامس والعشرين من شهر رمضان عام658هـ الموافق 3 من سبتمبر عام 1260م، بقيادة الملك المملوكي المظفر قطز الذي انتصر بقيادة الجيش المصري المملوكي على التتار والمغول الذين اجتاحوا الدولة الإسلامية من شرقها وقتلوا الخليفة العباسي في بغداد، ودمروا كثيرًا من الحضارة الإنسانية، وألقوا بالكتب العلمية في نهر الفرات حتى أسود ماؤه، وخربوا بلاد الشام حتى كانت تلك الموقعة التي ألحقت بالتتار والمغول أول هزيمة قاسية، وأوقفتهم وردّت عن الإنسانية شرهم. (البداية والنهاية بتصرف)

 

ومن أيام العزة والنصر في هذا الشهر الفضيل حرب أكتوبر المجيدة التي وقعت في (10) العاشر من شهر رمضان عام1393هـ الموافق 6 من أكتوبر عام 1973م، وهي رابع الحروب العربية الإسرائيلية بعد حرب 1948م، وحرب 1956م، وحرب 1967م، وكانت حرب أكتوبر بقيادة الرئيس المصري الشهيد محمد أنور السادات، وقد ألحق الجيش المصري في تلك المعركة هزيمة ساحقة بالقوات اليهودية، وحطم النقاط الحصينة لخط بارليف، الذي كان يدعون أنه لا يدك إلا بقنبلة ذرية، فأزاحه المصريون بخراطيم المياه، وقطع الذراع الطويلة لليهود كما كان يدعون (سلاح الطيران الإسرائيلي)...الخ، وتلك الحرب كانت مقدمة لاسترداد الدولة المصرية لأراضي شبه جزيرة سيناء التي احتلها اليهود في حرب 1967م، ولله الحمد والمنة، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

...وهكذا فإن شهر رمضان مليء بأيام العزة والنصر مليء بالانتصارات الحربية الإسلامية التي قاربت العشرين معركة، وكل ذلك مسطرٌ ومفصلٌ في مظانه التاريخية لمن أراد الاطلاع والازدياد والوقوف على أيام العزة والنصر الإسلامية الرمضانية.

عباد الله: البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والدّيّان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان، فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فالتائب من الذنب كمَنْ لا ذنب له

 

(الخطبة الثانية)

((دروسٌ وعبرٌ من الانتصارات الحربية الإسلامية))

 

الحمد لله رب العالمين، أعدّ لمَنْ أطاعه جنات النعيم، وسعرّ لمَنْ عصاه نار الجحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

أيها الأحبة الكرام: فقد عشنا مع بعضٍ من الانتصارات الحربية الإسلامية في شهر رمضان المعظم، ومن هذه الانتصارات نخرج بالدروس والعبر الآتية:

 

النصر في الحقيقة من عند الله (عزّ وجل)، هو الواهب إياه، وهو المانح له إن أخذنا بأسبابه، ومن أعظمها الطاعة والعبادة له، والانصياع لشرعه، وسنة نبيه، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}[آل عمران:126]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[الأنفال:45،44].

 

الله (عزّ وجلّ) لا يضيّع أوليائه، ولا ينسى أحبائه، فهو معهم بمدده وعونه ونصره في أشد الظروف وأحلك الأزمات، وقد رأينا ما كان في غزوة بدر من مدد الله وعونه للنبي (صلى الله عليه وسلم) وصحابته، قال (صلى الله عليه وسلم) عن ربّ العزة تبارك وتعالى: (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ...)(رواه البخاري).

 

اهتمام الشريعة الإسلامية بالأخلاق الإنسانية حتى في خضم المعارك الحربية، مما يدل على أن الشريعة الإسلامية هي شريعة المثل والقيم والأخلاق، وانظر إلى وصية القرآن للمؤمنين في عدم التشبه بالكفرة عند خروجهم لغزوة بدر، قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}[الأنفال:47]، نزلت هذه الآية حينما أرسل أبو سفيان إلى قريش: (إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم فقد نجاها الله، فارجعوا ). فقال أبو جهل (عليه اللعنة): (والله لا نرجع حتى نرد بدرا، وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام، فنقيم بها ثلاثا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا). فوافوا بدر فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان، فنهى الله عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم وأمرهم بإخلاص النية والحسبة في نصر دينه ومؤازرة نبيه (صلى الله عليه وسلم).

وقد رأينا ما كان من النبي (صلى الله عليه وسلم) في فتح مكة حينما قال سعد بن عبادة: (اليوم يوم الملحمة)، ورأينا عفو النبي (صلى الله عليه وسلم) عمن أساءوا له، وقال (صلى الله عليه وسلم) موصيًا قواد الجيوش: (انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلَا طِفْلًا وَلَا صَغِيرًا وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَغُلُّوا، وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ، وَأَصْلِحُوا وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(رواه أبو داود)، وقال أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) موصيًا يزيد بن أبي سفيان: إِنِّي مُوصِيكَ بِعَشْرٍ: (لَا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً، وَلَا صَبِيًّا، وَلَا كَبِيرًا هَرِمًا، وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلَا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا، وَلَا تَعْقِرَنَّ شَاةً، وَلَا بَعِيرًا، إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ. وَلَا تَحْرِقَنَّ نَحْلًا، وَلَا تُغَرِّقَنَّهُ، وَلَا تَغْلُلْ وَلَا تَجْبُنْ)(موطأ مالك).

 

المسلم ينتصر بإيمانه بالله (عزّ وجلّ) لا بعدده وعتاده، ولا بمساعدة من شرقية ولا غربية، وصدق الله إذ يقول: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}[البقرة:249]، وقال تعالى مخاطبًا النبي (صلى الله عليه وسلم): {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ*الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}[الأنفال:66،65].

وقد رأينا عدد المسلمين في غزوة بدر وجيش المشركين ثلاثة أضعافهم، ومع ذلك انتصر المسلمون عليهم، ورأينا في حرب أكتوبر المجيدة انتصار المصريين على اليهود بالرغم من معاونة الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها لهم.

 

فاللهمّ إنّا نسألك رضاك والْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَما مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ سخطك ومن النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَما مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء والغلاء، وأمدنا بالدواء والغذاء والكساء، اللهم اصرف عنّا السوء بما شئت، وكيف شئت إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنّا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، اللهمّ آمين، اللهمّ آمين.

 

google-playkhamsatmostaqltradent