recent
أخبار عاجلة

صيامُ شهرِ رمضانَ: تعريفُه ، حكمُه ، متى فُرِضَ، حِكَمُ مشروعيتهِ ومقاصدُه العظيمةُ . ️ محمد أبو النصر

 

صيامُ شهرِ رمضانَ


تعريفُه ، حكمُه ، متى فُرِضَ، حِكَمُ مشروعيتهِ ومقاصدُه العظيمةُ .

 

 ️الحمدُ للهِ الذي أنعمَ علينا بشهرِ رمضانَ، وجعلَ صيامَه ركنًا من أركانِ الإسلامِ،

والصلاةُ والسلامُ على من كان أجودَ الناسِ، وأجودَ ما يكونُ في رمضانَ، سيدنا محمدٍ النبيِّ الأمِّيِّ، الذي بلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ، وعلى آلِه وصحبِه وسلَّمَ.

أما بعدُ:

فإن الصيامَ ليس مجردَ إمساكٍ عن طعامٍ وشرابٍ، بل هو رحلةٌ سماويةٌ تترفعُ فيها النفسُ عن طينِ الأرضِ لتتصلَ بنورِ السماءِ. وإليكم تفصيلُ هذه العبادةِ العظيمةِ عن صيامِ شهرِ رمضانَ المبارَكِ .

  ١ - تعريفُ الصيامِ لغةً وشرعاً

  الصيامُ لغةً :

  يُطلَقُ لفظُ (الصَّومِ) في اللغةِ على الإمساكِ والكفِّ والتركِ عن أيِّ فعلٍ أو قولٍ, سواءٌ كانَ طعامًا وشرابًا، أو كلامًا، أو حركةً. قالَ اللهُ تعالى في قصةِ مريمَ عليها السلامُ: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [سورة مريم: 26]. فصومُها هنا كانَ إمساكًا عن الكلامِ.

   الصيامُ شرعاً:

هو التعبدُ للهِ سبحانه وتعالى، بالإمساكِ عن المفطراتِ (من الأكلِ والشربِ والجماعِ) من طلوعِ الفجرِ الصادقِ إلى غروبِ الشمسِ، بنيةِ التقربِ إلى اللهِ.

  فالصيامُ إمساكٌ مقيدٌ بزمنٍ معينٍ، عن أشياءَ معينةٍ، بشروطٍ معينةٍ، وبنيةٍ خالصٍة للهِ عزَّ وجلَّ.

  ٢-  متى فُرِضَ صيامُ شهرِ رمضانَ؟

  فرضَ اللهُ تعالى صيامَ شهرِ رمضانَ في السنةِ الثانيةِ من الهجرةِ النبويةِ، بعدَ تحويلِ القبلةِ بشهرٍ تقريبًا.

  مراحلُ فرضِ الصيامِ .

مَرَّ فرضُ الصيامِ بمراحلَ وهي كالتالي :

  المرحلةُ الأولى: كانَ الصيامُ اختياريًّا، بِمَنْ شاءَ صامَ ومَنْ شاءَ أطعمَ مسكينًا فديةً. قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [سورة البقرة: 184].

ثم نسخَ هذا الحكمُ

وبَقِيَ حُكْمُهَ الآيةُ للعَاجِزِينَ عَجْزًا مُسْتَدَامًا. فَهُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ الصَّوْمِ إِنْ أَطَاقُوهُ مَعَ مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ، أَوْ الإِفْطَارِ مَعَ الفِدْيَةِ.

  المرحلةُ الثانيةُ (مرحلةُ الفرضِ الحاسمِ): نزلَ قولُه تعالى مُبيِّنًا حتميةَ الفرضِ وموعدَه وهدفَه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة البقرة: 185].

فأصبحَ الصيامُ فريضةً محكمةً على كلِّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ قادرٍ.

  ٣- حكمُ صيامِ شهرِ رمضانَ والدليلُ عليه

  حكمُه: صيامُ شهرِ رمضانَ فريضةٌ من فرائضِ الإسلامِ، وركنٌ من أركانِه الخمسةِ التي بُنِيَ عليها الدينُ، بإجماعِ المسلمينَ. وهو واجبٌ عينيٌّ على كلِّ مكلفٍ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ مقيمٍ قادرٍ خالٍ من الموانعِ، وهو فرضٌ معلومٌ من الدينِ بالضرورةِ، ويكفرُ جاحُدُه.

 أدلةُ الوجوبِ من القرآنِ الكريمِ:

  قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

  وجهُ الدلالةِ: قوله (كُتِبَ) بمعنى فُرضَ وأُلزِمَ به إلزامًا.

ثم أكدَ سبحانَه الوجوبَ بقوله:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ﴾ [البقرة: 185].

  وجهُ الدلالةِ: فعلُ الأمرِ (فَلْيَصُمْهُ) يقتضي الوجوبَ والإلزامِ.

  أدلةُ الوجوبِ من السنَّةِ النبويةِ:

  عن ابنِ عمرَ رضي اللهُ عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ".  أخرجه البخاريُّ، ومسلمٌ.

فهذا الحديثُ العظيمُ جعلَ الصيامَ أحدَ الأركانِ الخمسةِ التي هي أساسُ قيامِ الدينِ.

  وعن طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ رضي الله عنه

أنَّ أعْرَابِيًّا جَاءَ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقالَ: الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ شيئًا، فَقالَ: أخْبِرْنِي ما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقالَ: شَهْرَ رَمَضَانَ إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ شيئًا، فَقالَ: أخْبِرْنِي بما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقالَ: فأخْبَرَهُ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شَرَائِعَ الإسْلَامِ، قالَ: والذي أكْرَمَكَ، لا أتَطَوَّعُ شيئًا، ولَا أنْقُصُ ممَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شيئًا، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أفْلَحَ إنْ صَدَقَ، أوْ دَخَلَ الجَنَّةَ إنْ صَدَقَ أخرجه البخاريُّ، ومسلمٌ.

فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم قَرَنَ صيامَ رمضانَ بالصلواتِ الخمسِ في كونهما فريضةً محتمةً.

 ٤-  حِكَمُ مشروعيةِ الصيامِ ومقاصدُه العظيمةُ

 * إن اللهَ غنيٌ عن جوعِنا وعطشِنا، ولا تنفعُه طاعةٌ ولا تضرُّه معصيةٌ،

   إنما شرعَ الصومَ تزكيةً للنفسِ وليكون جسراً نعبرُ عليه من ضجيجِ الشهواتِ إلى سكينةِ الطاعاتِ، فهو يكسرُ حدةَ الجسدِ لتسمو لغةُ الروحِ، ويخلقُ ذلك التوازنَ المفقودَ بين "احتياجاتِ الطينِ" و**"أشواقِ السماءِ"**. هو مدرسةٌ إيمانيةٌ تهدفُ إلى صناعةِ "إنسانٍ ربانيٍ" يملكُ إرادتَه ولا تملكُه غرائزُه.

   وتتجلى عظمةُ هذه الفريضةِ في حِكمٍ ساميةٍ، ومقاصدَ نبيلةٍ أبرزُها:

  الغايةُ الكبرى: تحقيقُ التقوى

  قال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة: 183]. فالتقوى هي المقصدُ الأعلى، وهي التي تجمعُ الخوفَ والمراقبةَ والورعَ. والصيامُ يزرعُ التقوى لأنه:

  يُذكِّرُ باللهِ على الدوامِ (فالصائمُ يتركُ المفطراتِ خوفًا من اللهِ لا من الناسِ).

   يُقوِّي الإرادةَ ويكسرُ شَهوةَ النفسِ الأمارةِ بالسوءِ.

  يُعوِّدُ على الصبرِ على الطاعةِ، وعن المعصيةِ، وعلى أقدارِ اللهِ المؤلمةِ.

  تزكيةُ النفسِ وتربيةُ الإرادةِ وتهذيبُ الأخلاقِ .

  الصيامُ يُطهِّرُ النفسَ من الأخلاقِ الذميمةِ. قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ". 📚 أخرجه البخاريُّ .

 فليسَ المقصودُ الجوعَ والعطشَ فقط، بل مقصودٌ أعظمُ: تغييرُ السلوكِ، وتنقيةُ القلبِ، وضبطُ الجوارحِ. فهو صيامٌ عن الكذبِ والغيبةِ والنميمةِ والغشِّ والنظرِ المحرَّمِ.

   الشعورُ بنعمةِ اللهِ وإحياءُ الشكرِ

   الجوعُ والعطشُ يذكرانِ الصائمَ بنعمةِ اللهِ عليه في الطعامِ والشرابِ التي كانَ يأخذُها دونَ اكتراثٍ، فيشكرُ اللهَ عليها. قال تعالى في ختامِ آياتِ الصيامِ: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة البقرة: 185].

  والصائمُ يجدُ لذَّةَ الشكرِ عندَ فطرِه، فيحمدُ اللهَ على إعانتِه.

  التراحُمُ والتوادُدُ بينَ أفرادِ المجتمعِ

  عندما يجوعُ الغنيُّ يشعرُ بألمِ الجوعِ، فيتذكرُ إخوانَه الفقراءَ والمعدمينَ، فيدفعُه ذلك إلى البذلِ والعطاءِ. ولهذا كَثُرَتِ الصدقاتُ في رمضانَ. قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا". 📚 أخرجه ابن ماجه، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) بلفظه من الحديث زيد بن خالد الجهني

  وفي ذلك إشاعةٌ للمحبَّةِ، وإذابةٌ للفوارقِ الطبقيةِ.

  الفوائدُ الصحيَّةُ للجسدِ

  وهو جانبٌ دنيويٌّ حكيمٌ، إذ يُريحُ الصيامُ الجهازَ الهضميَّ، وينقّي الجسمَ من السمومِ، ويعيدُ توازنَ العملياتِ الحيويةِ. قال صلى الله عليه وسلم: "صُومُوا تَصِحُّوا".

  أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) من حديث ابي هريره وحسَّنَ إسنادَه بعضُ الأئمةِ.

 ولكنَّ الحكمةَ الدينيةَ تبقى هي الأساسَ فنحن نصوم تعبداً لا تطبباً، إلا أن من رحمةِ اللهِ أن جعل في طاعتِه صحةً لأبدانِنا.

  تذكيرٌ باليومِ الآخرِ والجنةِ والنارِ

  الجوعُ والعطشُ يُذكِّرانِ بجوعِ وعطشِ يومِ القيامةِ، فمن صبرَ هنا على طاعةِ اللهِ، سَقَاهُ اللهُ من حوضِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم شربةً لا يظمأُ بعدَها أبدًا.

   والصائمُ يدخلُ من بابِ الرَّيَّانِ الذي لا يدخلُ منه غيرُ الصائمينَ. قال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ".

   أخرجه البخاري، ومسلم النسائي باختلاف يسير

  مغفرةُ الذنوبِ وتكفيرُ الخطايا

  قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".  أخرجه البخاري، ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

 وقال صلى الله عليه وسلم: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ".

   أخرجه مسلم، والترمذي، والبزار، وابن خزيمة .

  الخاتمةٌ  .

أيها المؤمنون:

هذا هو صيامُكم.. ليسَ حرمانًا، بل هو غِنى.. ليسَ جوعًا، بل هو شبعٌ للروحِ.. ليسَ تعبًا، بل هو راحةٌ للقلبِ. إنَّه هديةُ السماءِ إلى الأرضِ، وموسمُ القربِ من ملكِ الملوكِ.

إن الصيام عبادةُ "السرِّ" التي لا يعلم حقيقتَها إلا اللهُ، فهو حبلٌ متينٌ بين العبدِ وربهِ. فليكن صيامُنا صيامَ مودعٍ، وصيامَ محبٍ، لا صيامَ عادةٍ وجوعٍ.

فهلّا استقبلناهُ بالتوبةِ النصوحِ؟ وهلّا عشناهُ بالقلبِ قبلَ الجسدِ؟ وهلّا جعلناهُ محطةً نُصلحُ فيها ما أفسدَتْه الشهورُ؟

اللهمَّ بلِّغنا رمضانَ، وأعِنَّا على صيامِه وقيامِه إيمانًا واحتسابًا، واجعلنا من عتقائِه من النارِ، واقبلْ منَّا إنكَ أنتَ السميعُ العليمُ.

وصلى اللهُ على سيدِنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 ر

google-playkhamsatmostaqltradent