على مشارف رمضان فكيف نستقبله؟
يقول اللهُ سبحانه وتعالى في محكم تنزيله:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله
ﷺ قال: «إذا جاء رمضان فُتِّحت أبوابُ الجنة،
وغُلِّقت أبوابُ النار، وصُفِّدت الشياطين» [رواه البخاري ومسلم].
أيها المسلمون عباد الله:
فنحن على أبوابِ شهرٍ عظيم، شهرٍ اختصه
اللهُ بالفضلِ والرحمة، وجعله موسمًا لتزكية النفوس وتحصيل التقوى، وليس العاقل من
يُدرك رمضان فقط، بل من يُحسِن استقباله ويتهيأ له قلبًا وعملًا.
دعونا اليوم نقفُ مع أنفسِنا وقفةً صدق،
ونسأل أسئلةً تُحرّكُ القلوب والعقول:
إذا علم أحدُنا أن ضيفًا عزيزًا سيطرق بابه
بعد أيام، فكيف يكون حاله؟*
ألا يُنظّف بيته؟ ألا يُرتّب مجلسه؟ ألا
يُحسّن هيئَته؟ ألا يُعدّ ما يليقُ بمقام الضيف؟*
فإن كان هذا حالنا مع ضيفٍ من البشر، فكيف
برمضان؟ ضيفٌ كريم، يحمل معه المغفرة والرحمة والعتق من النار!*
ونسألُ سؤالًا آخر:
إذا كان أحدُنا مُقبلًا على مصلحة دنيوية:
وظيفة ينتظرُها، تجارةً يرجو ربحها، أو معاملةً يخشى فواتها، ألا يخطط؟ ألا يسهر؟ ألا
يبذل الجهد؟ ألا يخشى التقصير؟ فكيف بمَنْ أقبل عليه موسم الأرباح الأخروية؟ موسم تُضاعفُ
فيه الحسنات، وتُمحى فيه السيئات، وتُفتحُ فيه أبوابُ الجنات!*
ونسأل سؤالًا ثالثًا، عباد الله: إذا كان
أحدُنا يستعد لاختبارٍ علمي، أو شهادةٍ مصيرية، ألا يبدأ قبلها بالشهور؟ ألا يُراجع
مقررات الامتحان؟ ألا يُهيّئ وقته؟ ألا يبتعد عن ما يُضيّع جهده؟ إذاً فأين استعدادنا
أحبتي لرمضان؟ أين استعدادنا لشهر الإيمان، والصبر، والتقوى.*
عباد الله:
ليس الاستعداد لرمضان بشراءِ الطعام وتكديس
الموائد، ولا بتغييرِ أوقاتِ النوم فقط، ولكن الاستعداد الحقيقي هو التوبةُ الصادقة؛
فالتوبةُ هي مفتاحُ القلوب قبل استقبال رمضان، وهي الرجوع إلى اللهِ وترك المعاصي بنيةٍ
صادقةٍ وعزمٍ راسخٍ على عدم العودة إلى الذنب.*
قال اللهُ تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ
جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]، وقال سبحانه:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ
رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53].
والتوبةُ النصوحُ تشملُ الاعترافَ بالذنب،
والندم عليه، والإقلاع عنه، والعزم على عدم العودة إليه، وتعويض الحقوق إن وجدت. وقد
قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ
الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» [رواه الترمذي]، وقال ﷺ أيضًا: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»
[ابن ماجه].
أما الاستعداد العملي لرمضان، عباد الله،
فيشمل عدة محاورأهمها:
أولا:المحافظة على الصلوات الخمس والاهتمام
بالسنن الرواتب وأهما السنن المؤكدة.
فالصلاةُ أحبتي عمودُ الدين، والحرصُ على
أدائِها في وقتِها قبل رمضان يُعَدُّ قلب الاستعداد.
قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ
وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، وقال ﷺ: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ
أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [متفق عليه].
ثانيا:تلاوة القرآن والمراجعة اليومية:
رمضان أحبتي شهر القرآن، فتهيئةُ النفس بقراءةِ القرآن يوميًا تجعلُنا نستزيدُ من نفحاتِه
قال اللهُ تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ
وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185].
ثالثا*:تنظيم الوقت والابتعاد عن المُلهيات،
واستثمار الوقت قبل رمضان يُعد تدريبًا على الصيام والقيام قال ﷺ: «اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك،
وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك» [الحاكم].
رابعا:صلة الرحم والإحسان إلى الناس، رمضان
مدرسة للرحمة والتراحم، فالتقرب إلى الناس بالخير قبل رمضان يُسهِّل مواصلة ذلك في
الشهر الفضيل قال الله تعالى ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[البقرة: 195].
خامسا*:الصوم التدريبي والتحكم بالنفس:
يمكن تجربة صيام بعض أيام من شعبان لتعويد
النفس على الصيام وتهذيب الشهوات.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسولُ
اللهِ ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول
لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ أسرع إلى الصيام من شعبان»رواه [البخاري
ومسلم]
سادسا* :الاستعداد النفسي
والذهني للعبادات:
الصبر على الطاعات وتخطيط العبادات يزيد
الاستفادة من رمضان، ويجعل النفوس مستعدة لنيل الرحمة والمغفرة.
قال ﷺ: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر
له ما تقدم من ذنبه» [متفق عليه].
فاستعدوا يا عباد الله لاستقبال رمضان وأنتم
طاهرون في قلوبِكم، مُنظّمون لأعمالِكم، مُتجهون بالتوبة إلى الله تعالى، لعلّ الله
يكتبكم من المقبولين ويضاعف لكم الحسنات، ويفتح لكم أبواب رحمتِه ومغفرتِه ويعتق رقابكم
من النار في هذا الشهر العظيم.
اللهم بلغنا رمضان، واجعلنا فيه من المقبولين،
وتقبل توبتنا، واغفر لنا ذنوبنا، وارزقنا صيامه وقيام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا،
ووفقنا فيه للخير والبر والإحسان، آمين أقول ما تسمعون وأستغفرُ اللهَ لي ولكم فاستغفروه
إنه هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه
كما يحب ربُنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا
عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد عباد الله:
*فاتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أن
مِنْ أعظم ما يُعين على حسن استقبال رمضان صدق النية، وإخلاص القصد، والاستمرار بعد
البداية؛ فكم من أناسٍ أدركوا رمضان، لكنهم لم يدركوا بركته، وكم من صائمٍ ليس له من
صيامه إلا الجوع والعطش.
عباد الله:
إن من تمام الاستعداد لرمضان أن نُدرك حقيقة
الصيام، فهو ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو صيام الجوارح عن المعاصي،
وصيام اللسان عن الغيبة والنميمة، وصيام القلب عن الحقد والحسد وسوء الظن، وصيام البطن
عن الأكل الحرام.
قال رسول الله ﷺ:
«من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله
حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» [رواه البخاري].
فمَنْ أراد أن يكون صيامَه مقبولًا، فليبدأ
من الآن بتربية لسانِه، وحفظ عينيه، وضبط سمعِه، ومحاسبة قلبِه.
أيها المسلمون:
ومن أعظم ما نُذكّر به ونحن على مشارف رمضان،
أن رمضان شهر التغيير الحقيقي، لا شهر العادات المؤقتة، فليس رمضان شهر النوم بالنهار
والسهر على اللهو بالليل.
وليس هو شهر الإسراف في المأكل والمشرب،
وليس شهر البداية القوية ثم الفتور والانقطاع؛ بل هو شهر المجاهدة، والاستقامة، والاستمرار
على الطاعة قال تعالى:﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:
99].
أيها المسلمون
من علامات القبول – عباد الله – أن ترى
أثر رمضان في أخلاقك بعده، وفي صلاتك بعده، وفي علاقتك بربك وبالناس بعده.
عباد الله:
تذكروا أن رمضان فرصة قد لا تتكرر، فكم
مِن شخصٍ كان معنا في رمضان الماضي، واليوم هو تحت التراب!
وكم من صحيحٍ مُعافى، أصبح عاجزًا لا يقدر
على الصيام ولا القيام!
فاغتنموا أعماركم قبل فواتها، وأيامكم قبل
انقضائها، واستعدوا لرمضان كأنه آخرُ رمضان في حياتكم.
قال بعض السلف:
إنما هو رمضان، فإن قُبل منك فكل حياتك
مقبولة، وإن رُدّ عليك فكل حياتك مردودة.
ثم صلّوا وسلّموا عباد الله
على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه،
فقال جل من قائل:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى
النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك
سيد نا محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، وعنّا معهم بمنّك
وكرمك يا رب العالمين.
اللهم بلّغنا رمضان غير فاقدين ولا مفقودين،
اللهم بلّغنا رمضان وأنت راضٍ عنا،
اللهم أعنّا فيه على الصيام والقيام وغض
البصر وحفظ اللسان،
اللهم اجعلنا فيه من عتقائك من النار، ومن
المقبولين الفائزين،
اللهم أصلح قلوبنا، واغفر ذنوبنا، وتقبّل
توبتنا،
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير
أيامنا يوم نلقاك.
عباد الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ
وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ
ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم،
ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون قوموا إلى صلاتِكم يرحمكم الله.