الاستعداد لرمضان
ما أجمل أن نبدأ جمعتنا بقول رسول الله
ﷺ:
إذا كان أولُ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ صُفِّدَتِ
الشياطينُ ومَرَدةُ الجنِّ ، وغُلِّقتْ أبوابُ النارِ فلم يُفتحْ منها بابٌ ، وفُتِّحَتْ
أبوابُ الجنةِ فلم يُغلقْ منها بابٌ ، ويُنادي منادٍ كلَّ ليلةٍ : يا باغيَ الخيرِ
أقبلْ ، ويا باغيَ الشرِّ أقْصرْ ، وللهِ عتقاءُ من النارِ ، وذلك كلَّ ليلةٍ
يا عباد الله..
أغمِضوا أعينكم لحظة…
انسوا السوق… والبيت… والهاتف…
وتخيلوا معي السماء الآن…
في هذه اللحظة التي أقف فيها أمامكم،
هناك "حالة استنفار" في السماء.
ليست خطبتي هي الأهم.....
بل هناك "نداء" يتردد صداه في
أركان المجرات
.
نداءٌ ينطلق من تحت العرش كل ليلة يزلزل
كيان كل مؤمن:
"يا باغيَ الخيرِ أقبِل..
ويا باغيَ الشّرِّ أقصر"!
والله لا أجد تعبيرا لهذا النداء إلا أنه
نداء دعوة إلى الجنة
قال سبحانه وتعالى ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ
دَارِ السَّلَامِ﴾
تأملوا "روعة" النداء..
لماذا لم يقل "يا أيها الصائم"؟
لأن الصائم قد يصوم رياءً.
ولماذا لم يقل "يا أيها القانت"؟
لأن القانت قد يدخله العُجب.
بل قال: "يا باغي الخير"..
أي يا من في قلبك وجع لأنك بعيد عن الله.....
النداء لك!
ويا من جئت للمسجد اليوم وأنت مثقل بذنوب
العام كله، لكنك تقول في سرك "يا رب أريد أن أتغير"..... النداء لك!
قال سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
التَّوَّابِينَ﴾
هنا تكمن روعة المعاملة مع ملك الملوك..
الله لا ينتظر منك النتائج ليعطيك صك القبول،
بل يكفي أن تلتفت إليه بقلبك؛
سماك 'باغي خير' بمجرد أن نويت التغيير،
حتى قبل أن تسجد سجدة واحدة!
فهل رأيتم كرمًا أعظم من هذا؟"
الله يصفك بالخيرية وأنت لا تزال على عتبة
الباب.
يا عباد الله..
قفوا هنا وانظروا إلى (جبر الخواطر)!
المنادي لم يقل لك تسلّق الجبال لتصل إلي،
ولا قال لك أحضر كشف حساب بصلواتك..
بل قال كلمة واحدة، كلمة تذوّب الحجر: (أقبِل)!
عارف يعني إيه 'أقبل'؟
يعني تعالَ بكسرك.. تعالَ بذنوبك.. تعالَ
وأنت مشطّب طاقة.. المهم أن تأتي!
قال سبحانه وتعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾
المنادي يدعوك لأن الإقبال لا يكون إلا
على مَنْ يفتح لك ذراعيه قبل أن تصله..
'أقبل'... يعني أنت مسموح لك بالدخول الآن،
فوراً، وبدون استئذان!
بالله عليكم.. هل رأيتم طفلاً كان ضائعاً ويبكي،
وفجأة لمح أمه من بعيد؟ هل يمشي نحوها ببطء؟ أم يرمي روحه في حضنها وهو يرتجف؟
هل رأيتم مغترباً عاش مرارة الغربة سنين، وعندما لمست قدمه أرض وطنه سجد يقبّل التراب؟
هذا هو حالنا مع الله في رمضان..
نحن لسنا عمالاً جئنا لنؤدي وردية صلاة
ثم نذهب
..
بل نحن تائهون .... ومكسورون ....ومغتربون
عن أنفسنا.. وأخيراً، وجدنا طريق البيت!
روعة "أقبل" في رمضان: أن الشياطين
قد سُلسلت،
يعني "قطاع الطرق" الذين كانوا
يمنعونك من صلاة الفجر، والذين كانوا يغرونك بالحرام، والذين كانوا يثقلون لسانك عن
الذكر.. كلهم الآن في الأغلال!
الطريق "فاضي"..
النور ساطع..
الأبواب مفتوحة..
فإذا لم "تُقبل" الآن.. فمتى
تُقبل؟!
إذا كانت أبواب الجنة الثمانية مفتوحة الآن،
ولم تدخل من أحدها، فمتى ستدخل؟
أقبل بدمعة..
أقبل بصدقة خفية..
أقبل بسلامة صدر تجاه من ظلمك..
واللهِ، إن الله "يُقبل" عليك
أسرع مما "تُقبل" أنت عليه!
ثم يلتفت النداء للجانب الآخر..
"ويا باغي الشر أقصر".
يا من لا زلت تبارز الله بالمعاصي في نهار
رمضان..
يا من تمسك هاتفك لتشاهد ما يغضب الله والمنادي
ينادي "أقصر"..
يا من تأكل الحرام،
يا من تقطع الرحم،
يا من تظلم الناس..
كلمة "أقصر" هي صرخة رحمة!
كأن الله يقول لك: "يا عبدي، ليس من
الشرف، ولا من الرجولة، ولا من الوفاء.. أن أفتح لك أبواب جنتي وتفتح لي أنت أبواب
معصيتك!".
قال تعالى ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا
أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾
أقصر: أي كفاك استهتاراً بستر الله عليك.
أقصر، ليس لأن الله محتاج لتركك للمعصية،
بل لأن الله "يشفق" عليك من حريق
النار.
يا باغي الشر، رمضان "فرملة"
إلهية لقطار حياتك الذي يتجه نحو الهاوية.
توقف الآن.. العرض ساري، والمغفرة مجانية،
والعتق كل ليلة!
أيها الأحبةالكرام...
الخوف كل الخوف أن يمر رمضان، وينتهي النداء،
وتعود الشياطين، وتغلق الأبواب.. وأنت لا زلت واقفاً مكانك!
لا تكن "باغي خير" بالتمني،
بل كن "باغي خير" بالإقبال.
تخيلوا لو أن ملكاً من ملوك الدنيا نادى
عليك وقال: "أقبل وأعطيك ما تشاء".. لطرنا إليه فرحاً.
فكيف بملك الملوك الذي يقول لك كل ليلة:
"ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة"؟
أبشروا يا أهل المسجد.. طالما أنكم هنا في شهر
رمضان فأنتم ممن أراد الله بهم خيراً.
استجيبوا للمنادي و عاهدوا الله في هذه
الساعة في هذه الجمعة المباركة..
قل يا رب:
"أقبلتُ عليك بذنبي،
أقبلتُ عليك بتقصيري،
أقبلتُ عليك بفقري.. فلا تردني".
اقول قولى هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه
الخطبة الثانية
المقدمة....
أما بعد....
يا عباد الله..
في الخطبة الأولى سمعنا نداء الملك،
وفي هذه الدقائق المعدودة أريدكم أن تسمعواصمت
القلوب.
تخيلوا أن رمضان هذا هو "سفينة نوح"
التي تمر الآن أمامك..
والمنادي يصرخ: "اركب معنا"..
هل ستظل واقفاً على الشاطئ تراقب الزحام؟
هل ستنشغل بهاتفك والسفينة تُقلع؟
أيها الأحبة..
هناك سرٌّ عظيم في قوله ﷺ: "ولله عتقاء من النار.. وذلك كل
ليلة".
عارف يعني إيه "كل ليلة"؟
يعني اسمك ممكن ينزل في "كشف العتقاء"
الليلة!
ممكن وأنت ساجد في التراويح،
أو وأنت تطعم مسكيناً،
أو وأنت تبكي في خلوتك..
يصدر الأمر الإلهي: "فلان بن فلان..
اعتقتُ رقبته من النار، ولا يمسّه وهجها أبداً".
بالله عليكم.. أيّ سعادة في الكون تساوي هذه
الكلمة؟
أن تمشي على الأرض وأنت "عتيق الله"..
أن تأكل وتشرب وأنت "محرّم على النار"!
يا باغي الخير.. لا تخرج من المسجد اليوم وأنت
كما دخلت.
اجعل (أقبلتُ يا رب) هي شعارك.
أقبلتُ يا رب.. بقلبٍ أتعبته الدنيا.
أقبلتُ يا رب.. بدمعةٍ لم يراها أحدٌ غيرك.
أقبلتُ يا رب.. فاقبلني، وخذ بيدي، ولا تكلني
إلى نفسي طرفة عين.
يا عباد الله..
رمضان أيامٌ معدودات.. كأنها البرق في سرعته،
فاجعلوا "إقبالكم" فيها كإقبال المشتاق.
"اللهم يا من تنادي في كل ليلة 'يا باغي
الخير أقبل'.. ها نحن قد أقبلنا! فاللهم أقبلنا بكسرنا، واجبرنا بعفوك.
يا رب.. اكتب أسماءنا في هذه الليلة، وأسماء
آبائنا وأمهاتنا ومن يحبنا في 'كشوف العتقاء'.
اللهم لا ينتهي رمضان إلا وقد قلبت مواجعنا
أفراحاً، وذنوبنا مغفرة، وضيقنا سعة.
يا رب.. من جاءنا اليوم مثقلاً بالديون
فاقضِ عنه، ومن جاءنا مريضاً فاشفِه، ومن جاءنا بقلبٍ تائهٍ فدُلّه عليك.
يا رب.. اجعلنا ممن يقال لهم في نهاية هذا
الشهر: 'قد غفرتُ لكم، وبدلتُ سيئاتكم حسنات'.
اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد..
وأقم الصلاة."