كراهية التزعفر والخلوق للرجال
عن أنس بن مالك قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزعفر للرجال"( قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح ).
الشرح ( باب ما جاء في كراهية التزعفر والخلوق للرجال )
قال في النهاية : الخلوق طيب معروف مركب
يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة ، وقد ورد تارة بإباحته
، وتارة بالنهي عنه والنهي أكثر وأثبت ، وإنما نهى عنه لأنه من طيب النساء وكن أكثر
استعمالا له منهم ، والظاهر أن أحاديث النهي ناسخة . انتهى .
قوله : ( نهى رسول الله ـ صلى الله عليه
وسلم ـ عن التزعفر للرجال ) أي عن استعمال الزعفران في الثوب والبدن ، والحديث دليل
لأبي حنيفة والشافعي ومن تبعهما في تحريم استعمال الرجل الزعفران في ثوبه وبدنه ، ولهما
أحاديث أخرى صحيحة ومذهب المالكية أن الممنوع إنما هو استعماله في البدن دون الثوب
، ودليلهم ما أخرجه أبو داود . وعن أبي موسى مرفوعا : لا يقبل الله صلاة رجل في جسده
شيء من خلوق فإن مفهومه أن ما عدا الجسد لا يتناوله الوعيد . وأجيب عن حديث أبي موسى
هذا بأن في سنده أبا جعفر الرازي وهو متكلم فيه وأحاديث النهي عن التزعفر مطلقا أصح
وأرجح
.
فإن قلت : قد ثبت في الصحيحين من حديث أنس أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبه أثر صفرة ، فسأله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبره أنه تزوج امرأة الحديث . وفي رواية وعليه ردع زعفران ، فهذا الحديث يدل على جواز التزعفر ، فإنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم ينكر على عبد الرحمن بن عوف ،
فكيف التوفيق بين حديث أنس هذا وبين حديثه المذكور في الباب وما في معناه .
قلت : أشار البخاري إلى الجمع بأن حديث
عبد الرحمن للمتزوج وأحاديث النهي لغيره حيث ترجم بقوله باب الصفرة للمتزوج .
وقال الحافظ : إن أثر الصفرة التي كانت على عبد الرحمن تعلقت به من جهة زوجته ، فكان ذلك [ ص: 82 ] غير مقصود له ، قال ورجحه النووي ، وأجيب عن حديث عبد الرحمن بوجوه أخرى ذكرها الحافظ في الفتح في باب الوليمة ولو بشاة من كتاب النكاح .
فإن قلت : روى الشيخان عن ابن عمر : أن
رجلا قال يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب ؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه
وسلم ـ : لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد
لا يجد نعلين فليلبس خفين فليقطعهما أسفل من الكعبين ، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه
الزعفران أو ورس . فيستفاد من ظاهر هذا الحديث جواز لبس المزعفر لغير الرجل المحرم
لأنه قال ذلك في جواب السؤال عما يلبس المحرم ، فدل على جوازه لغيره .
قلت : قال العراقي : الجمع بين الحديثين
أنه يحتمل أن يقال إن جواب سؤالهم . انتهى عند قوله " أسفل من الكعبين "
ثم استأنف بهذا ; لا تعلق له بالمسئول عنه فقال ولا تلبسوا شيئا من الثياب إلى آخره
. انتهى
.
قلت : والأولى في الجواب أن يقال إن الجواب
للحلال مستفاد من حديث ابن عمر بالمفهوم ، والنهي ثابت من حديث أنس بالمنطوق ، وقد
تقرر أن المنطوق مقدم على المفهوم فإن قلت : روى النسائي من طريق عبد الله بن زيد عن
أبيه أن ابن عمر كان يصبغ ثيابه بالزعفران ، فقيل له ، فقال كان رسول الله ـ صلى الله
عليه وسلم ـ يصبغ . قلت : عبد الله بن زيد صدوق فيه لين وأصله في الصحيح ، وليس فيه
ذكر الصفرة
.
قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه الشيخان
وأبو داود والنسائي . ( قال ومعنى كراهية التزعفر للرجال أن يتزعفر الرجل يعني أن يتطيب
به ) كذا قال الترمذي
.
والظاهر من قوله نهى رسول الله ـ صلى الله
عليه وسلم ـ عن التزعفر للرجال ، هو النهي عن استعمال الزعفران مطلقا قليلا كان أو
كثيرا ، وفي البدن كان أو في الثوب
.