رمضان شهر الإرادة والكرم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ، "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله
وقولوا قولًا سديدًا . يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد
فاز فوزًا عظيمًا"، وبعد
أخي الحبيب
ها هو رمضان وقد فاحت رائحة مقدمه، وقُدّر
لنا أن نشهد أيامه ولياليه بعد أن نسينا كثيرًا.
قُدّر لنا أن نشهد أيامه الغراء ونصوم نهاره
ونقوم ليله إيمانًا واحتسابًا لوجه الله الكريم، جاء وليس كأي مجىء أو مقدم، بل ويصاحبه
تغيرات كونية في أول لياليه يتحدث عنها النبي
ﷺ فيقول: "رمضانُ شهرٌ مُباركٌ تُفَتَّحُ
فيه أبوابُ الجنةِ وتُغَلَّقُ أبوابُ السَّعيرِ وتُصَفَّدُ فيه الشياطينُ، ويُنادِي
مُنادٍ كلَّ ليلةٍ: يا باغِيَ الخيرِ هَلُمَّ -أقبل-، ويا باغِيَ الشَّرِّ أقصِرْ"
[الألباني، صحيح الجامع ٣٥١٩ صحيح]
كل فضائله تتكرر يوميًا
وتشمل الصائم ظاهرًا وباطنًا وقاعدًا وقائمًا
يقظانًا ونائمًا، فرمضان زمانٌ وليس مكانًا
زمانٌ يغطي كل من فيه ويحويه دون استثناء،
ولذا فإن فضائله ملتصقة بكل صائم التصاق الإنسان بعمره، وهذه الفضائل تتكرر كل يومٍ
من أيام الشهر الفضيل كالعتق من النيران والدعوة المجابة، بالإضافة إلى الفضائل التي
تخص بعض أوقاته كالعشر وليلة القدر.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا كانَ أوَّلُ ليلةٍ
من رمضانَ صُفِّدَتِ الشَّياطينُ مردَةُ الجنِّ، وغُلِّقَتْ أبوابُ النّارِ فلم يُفتَحْ
منها بابٌ، وفتِحَت أبوابُ الجنَّةِ فلَم يُغلَقْ منها بابٌ وَنادى مُنادٍ: يا باغيَ
الخيرِ أقبل ويا باغيَ الشَّرِّ أقصِر، وللَّهِ عتقاءُ منَ النّارِ". البخاري.
وفي رواية "وذلك كل ليلة"
إن رمضان ميدان سباق لا يُحتمل فيه التعثر
فضلًا عن السقوط والانكباب على الوجه، إنما هو الانطلاق إثر الانطلاق؛ فرمضان قصير
لا يحتمل التقصير وقدومه عبور لا يقبل الكسل أو الفتور. فإذا انتهزته فزتَ أما إذا
تكاسلت تخلّفتَ، وكلما تكاسلت تذكر قوله تعالى: "أياماً معدودات"
فهو بين الشهور كيوسفَ بين أخوته فلا تقتلوه،
ولا تلقوه في الجب، ولا تبيعوه بثمن بخس، بل أكرموا مثواه، فعسى أن ينفعنا، أو نتخذه
شفيعًا يوم الحساب.
ولن يجد ريح يوسف إلا من كان عنده رجاء
يعقوب.
فرصة للتغيير وبدْأ صفحة جديدة مع الله.
فكيف أحقق هذا التغيير في نفسي تحقيقًا؟ وكيف أُنشأ تقوى الله في قلبي إنشاءً لأصطنع
حياةً جديدةً؟
لقد خطف هؤلاء المشمرون لرمضان أشْرْعة
مراكبهم عند أول هبوب لرحمة الله فطارت بمراكبهم بعيدًا بعيدًا والآخرون ما زالوا مُنشغلين
في وضع الأشرعة ولما يخطوا بعد، فالقلب يبحث عن خلل. أتحسب أن الأمر بيدك وأن قلبك
رهن إشارتك.
▪︎ فإياك أخي الحبيب أن تذهب بالأسباب بعيدًا
أو تشغل قلبك بها فتلهو بها عمن بيده الأسباب والمسببات.
▪︎ اعتد على عبادات لم تفعلها من قبل، فمثلا
قم بقرائة أكبر عدد من بالآيات تقدر عليه (ألف آية مثلًا يعني جزئي عم وتبارك. فأين
أصحاب الهمة العالية؟
* احرص على العتق حرص مودع أنفق إنفاق مودع.
ادع الله في ساعات الإجابة . فيا باغي الخير أقبل.
* إعداد النفس للدعاء بإطابة المطعم والمشرب
إننا نحتاج إلى إعداد النفس للدعاء، والدعاء
يكون بأمور منها: إطابة المطعم، أطب مطعمك تكون مجاب الدعوة.
هل عندنا أنواع من المحرمات في الكسب نتخلص
منها -حتى إذا أردنا أن ندعو يستجيب الله لنا-؟
كثير هنالك من أبواب الشر في الكسب، فلنتجرد
من ذلك. فندخل رمضان طاهرين من الحرام
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ
طيِّبٌ لا يقبلُ إلّا طيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ بِه المرسلينَ
فقال: "يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي
بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ"
وقال: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا
كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ" قال:َ وذَكرَ الرَّجلَ يُطيلُ السَّفرَ
أشعثَ أغبرَ يمدُّ يدَه إلى السَّماءِ يا ربِّ يا ربِّ ومطعمُه حرامٌ ومشربُه حرامٌ
وملبسُه حرامٌ وغذِّيَ بالحرامِ فأنّى يستجابُ لذلِك" [صحيح الترمذي ٢٩٨٩]
• تأمل أحوال هذا العبد وما الذي حال بينه
وبين إجابة دعاءه رغم توافر مقتضيات الإجابة
* إنه يطيل السفر. أليس المسافر من الثلاثة
الذين لا ترد دعوتهم؟ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "ثلاثُ دَعَواتٍ مُسْتَجاباتٌ
لهُنَّ، لا شَكَّ فيهِنَّ: دَعْوَةُ المَظْلومِ، ودَعْوَةُ المُسافِرِ، ودَعْوَةُ الوالدينِ
على ولدِهِما" [الأدب المفرد ٢٤ • حسن]
* أليس أشعثًا أغبرًا؟ وفيه يقول النبي ﷺ قال: "رُبَّ أشعَثَ أغبَرَ ذي طِمرَينِ
لا يُؤبَهُ لهُ لَو أقسَمَ على الله لأبرَّهُ" [الألباني، مشكلة الفقر ١٢٥ • صحيح]
* أليس يمد يديه إلى السماء. والله يستحي
من عبده أن يرد إليه يديه صُفرًا خائبتين وقد رفعهما إليه؛ عن أنس بن مالك رضي الله
عنه أن النبي ﷺ قال: "إنَّ اللهَ حَيِيٌّ كريمٌ،
يَسْتَحْيِي إذا رفَعَ العبدُ إليهِ يدَهَ أنْ يرُدَّها صِفرًا، حتّى يجعَلَ فيها خيرًا"
[شعيب الأرنؤوط، تخريج شرح السنة ١٣٨٦ • [فيه] أبان، وهو ابن أبي عياش، اتفقوا على
ضعفه]
* أليس يدع الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى
"يا رب يا رب"
إذًا
إذًا لا مانع من الإجابة إلا الحرام فما
أعظم خطر هذه اللقمة الحرام؛ يقول النبي ﷺ: "إنَّ العبدَ لَيَقذِفُ اللُّقمةَ
الحرامَ في جَوْفِهِ ما يُتَقبَّلُ مِنهُ عَمَلٌ أربعين يومًا، وأيُّما عبدٍ نَبَتَ
لحمُهُ مِن سُحْتٍ، فالنّارُ أَوْلى بهِ" [ابن رجب، جامع العلوم والحكم
١/٢٦٠ • إسناده فيه نظر • أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» باختلاف يسير].
ومن الحرام الذي يجب أن نتطهر منه المماطلة
بالدين
إن خطر أخذ أموال الناس من غير ردّها عظيم،
وهذا الدين يحجب الشهيد عن الجنة وقد حذّر النبي ﷺ من ذلك أشد التحذير فعن محمد بن عبدالله
بن جحش: كان رسولُ اللهِ ﷺ قاعدًا حيث تُوضعُ الجنائزُ فرفع رأسَه
قِبلَ السَّماءِ ثمَّ خفض بصرَه فوضع يدَه على جبهتِه فقال سبحانَ اللهِ سبحانَ اللهِ
ما أنزل من التَّشديدِ قال فعرفنا وسكتنا حتّى إذا كان الغدُ سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ فقلنا ما التَّشديدُ الَّذي نزل؟ قال:
في الدَّيْنِ والَّذي نفسي بيدِه لو قُتِل رجلٌ في سبيلِ اللهِ ثمَّ عاش ثمَّ قُتِل
ثمَّ عاش ثمَّ قُتِل وعليه دَيْنٌ ما دخل الجنَّةَ حتّى يُقضى دَيْنُه" [الحافظ
المنذري، الترغيب والترهيب ٣/٤٦ • إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما]
عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه أن النبي ﷺ قال: "مَن ماتَ وعليه دينارٌ أو دِرهَمٌ
قُضيَ مِن
حَسَناتِه، ليس ثَمَّ دينارٌ ولا دِرهَمٌ".
[تخريج المسند ١٥/٣٧٩ • إسناده حسن في الشواهد • أخرجه ابن ماجه (٢٤١٤) واللفظ له،
والطبراني في «المعجم الأوسط (٢٩٢١)، وابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٣/٤١٣) مطولاً]
ويقول ﷺ: "من ماتَ وعليْهِ درْهمٌ أو دينارٌ
قضى من حسناتِهِ ليسَ ثمَّ دينارٌ ولا درْهمٌ" [الهيتمي المكي، الزواجر
١/٢٤٧ • إسناده حسن]
وعن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: "من أخذ أموالَ النّاسِ يريدُ أداءَها
أدّى اللهُ عنه ومن أخذ أموالَ النّاسِ يريدُ إتلافَها أتلفه اللهُ" • [أخرجه
البخاري: ٢٣٨٧)]
فيا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
▪︎ عِش ليالي رمضان والناس يلهون من حولك إذا
فكّرت في ذلك يبدأ القلب في استجماع كل عبادة واعزم على المزيد أكثر مما قدّم من قبل
والثبات على هذا المزيد، فالليل كله الثلث الأخير والنهار كله ساعة إجابة والليالي
كلها ليلة القدر والنهار كله نهار عرفة؛ فإذا رمضان معراج قُربٍ من الزمن القلب لا
يكاد يمر بمثلها أبدًا.
وهكذا حوّل عزم القلب الحياة ... حولها
إلى التقوى؛ لتتجاوب الأعضاء كلها مع القلب.
• يتجاوب اللسان ذاكرًا لا يفتُر أبدًا
• تتجاوب الرجلان حاملةً بدن صاحبها إلى كل
موضعٍ يحبه الله وغيابه عن كل موضع يكره الله رؤيتي فيه
• تتجاوب اليدان تلبي وقد عزمتا على البسط
والعطاء أكثر من ذي قبل. تتجاوب العينان بافراغ بصرها في كتاب الله
• تتجاوب في الدفع عن المظلوم. وما كان لهذه
الجوارح إلا أن تستجيب طوعًا أو كرهًا. فيا باغي الخير أقبل
وهكذا يدخل القلبُ رمضانَ وهو عاقدًا العزم
على الطاعة فارًا من المعصية ومن كل ما يغضب الله عن طريق التوبة
* وقطع ابتزاز الشياطين -من جنٍ وإنسٍ- فلا
يستسلم لهم ويجعلوه أسير ذنوبه مدى عمره مترددًا ما بين التوبة والخوف من افتضاح أمر
ذنوبه فيختار الإصرار على الذنب حتى مع دخول رمضان فيفوته هذا الخير العظيم، وتفوت
الفرصة الكبرى ويؤثر الدنيا على الآخرة فلا
بد من وقفة حاسمة من قَطْعِ الطريق عليهم واليقين بأن الله لن يترك من اختاره ولن يطرد
من آوى إليه ورضي بحكمه واستسلم لقضائه، فلا ينبغي أن يغتر بمرور رمضان عليه مرارًا
فقد جاء رمضان الحزم والعزم والحسم . رمضان التوبة والتقوى رمضان الوداع. وكذلك شهر
العمل والإنتاج
إن الصوم ليس عبادة الكسالى، ولا حجة لتأخير
وتعطيل مصالح العباد بل الصوم يدفع إلى الإنتاج وزيادته.
فيا باغي الخير أقبل وبادر بصلة رحمك، واحذر
أشد الحذر من قطعها. قال رسول الله ﷺ: «خلق الله الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم،
فقال: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، فقال: ألا ترضين أن أصل من وصلك،
وأقطع من قطعك؟، قالت: بلى يا رب، قال: فذلك لك. ثم قال أبو هريرة: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ
إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد:
٢٢ رواه البخاري]
إذا عرفنا هذا فلنسأل من هو الواصل للرحم؟
هذا ما وضّحه الرسول ﷺ بقوله: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل
الذي إذا قطعت رحمه وصلها» [رواه البخاري]
* وكذلك فرصة طيبة لتنقية وسلامة الصدر، وهل
من نعيم أجمل من سلامة الصدر؟ تقضي يومك وليلتك وأنت في راحة بال، بينما غيرك تغلي
قلوبهم حنقًا على غيرهم.
* احرص أن تكون «مخموم» القلب من الآن، وادخل
رمضان وقد فرّغت قلبك للانشغال به دون سواه. «قيل لرسول الله ﷺ أي الناس أفضل؟، قال: «كل مخموم القلب
صدوق اللسان»، قالوا: «صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب»، قال: «هو التقي النقي لا
إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد» [صحيح ابن ماجه ٣٤١٦].
فيا باغي الخير أقبل
تجديد التزاماتك
* المحافظة على دوام الطهارة وصلاة ركعتين
بعدها.
* التبكير التبكير للصلوات المفروضة في جماعة
فعَن أَبِي هُرَيْرَةَ، أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: الملائكة تصلي عَلَى أحدكم مَا دام فِي مصلاه، مَا
لَمْ يحدث: اللهم اغفر لَهُ، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم فِي صلاة مادامت الصلاة تحبسه،
لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة) البخاري.
فكيف تفرط في هذا الأجر العظيم بل كيف بتضييعه
في شهر تتضاعف فيه الأجور .. فكر مليا الملائكة تصلي عليك وتدعو لك بل أنت في صلاة
ما دمت في انتظار الصلاة بل انظر في عظم أجر حتى خطواتك ... قال رسول الله ﷺ: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا
ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره. وكثرة
الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط» مسلم
* دوام الذكر. المحافظة على صلاة الجماعة
و كبيرة الإحرام . أن تقطع واردات السوء عن قلبك. مجاهدة ظاهرية كالجود والكرم . تفطير
الصائمين . طاهرين من الكبر ومن العقوق.
أيها الإخوة المؤمنين: إن الدنيا عرَضٌ
حاضر، يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة لوعد صادقٌ يحكم فيها ملك عادل، فطوبى لعبدٍ
عمِل لآخرته وحبله ممدود على غاربه، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فتوبوا
إلى الله واستغفروه وادعوه وأنتم موقونون بالإجابة.
الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، وأشهد أن
لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. قاد سفينة العالم الحائرة في خضم المحيط،
ومعترك الأمواج حتى وصل بها إلى شاطئ السلامة، ومرفأ الأمان.
أيها الإخوة المؤمنين
لقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِأمرٍ
بدأ فيه بنفسه وثنّنى فيه بملائكته وثلّث فيهِ
بكم فقال عَزَّ قَائِلًا عَلِيمًا: (إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الْأَحْزَابِ:
٥٦].
فاللهم صل وسلم وزد بارك عليك سيدي يا رسول
الله وآلك وصحبك قادة الحق، وسادة الخلق إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين، وبعد أيها
الإخوة المؤمنين
• من الناس من يكون فرحه فرح المؤمن، الذي
يفرح برمضان؛ لأنه شهر القرآن، شهر الصيام والقيام والعبادة والدعاء والتضرع إلى الله
-عزَّ وجلَّ- شهر المغفرة والعتق من النار.
• من الناس من يفرحون برمضان، كما كان يفرح
به أصحاب محمد -ﷺ- فكان -ﷺ- إذ يبشرهم برمضان، لم يجد ما يبشرهم به
في مقدم هذا الشهر الكريم، إلا ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه في صحيح البخاري وصحيح
مسلم أن النبي ﷺ كان يقول لأصحابه: {إذا دخل رمضان فُتِحَتْ
أبواب السماء} وفي رواية: {فُتِحَتْ أبوابُ الجنة، وغُلِّقَتْ أبوابُ النيران، وصُفِّدَتِ
الشياطينُ ومَرَدَةُ الجن} فبذلك كانوا يفرحون؛ لأن فتحَ أبوابِ السماء، وفتحَ أبوابِ
الرحمة وأبواب الجنة، تكرم من الله -عزَّ وجلًّ- على عباده، وسِعة رحمته، وكثرة مغفرته،
وكثرة عتقائه في هذا الشهر الكريم من النار، ولذلك جاء في الحديث، في رواية الترمذي
-رحمه الله- أن النبي ﷺقال: {إذا كان أول ليلة من رمضان غُلِّقَتْ
أبوابُ النار؛ فلم يُفتح منها باب، وفُتِحَتْ أبوابُ الجنة؛ فلم يُغلق منها باب، وينادِي
منادٍ: يا باغي الخير هَلُمَّ وأقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله في كل ليلة عتقاءُ من
النار}. فهذه مصدر فرحة أصحاب محمد ﷺ، وهذا الذي وَجَدَ النبي ﷺ أن يبشر أصحابه به؛ لأنهم لم يكونوا يفرحون
إلا بما يكون مقرباً لهم إلى رضوان الله تعالى ورحمته، ومباعداً لهم عن عذابه وسخطه،
وهكذا يفرح المؤمنون ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس:٥٨].
ومصدر فرحة المؤمن في رمضان:
أنه يؤمل أن يكون فيه في ركب التائبين،
الذين غُفرت لهم ذنوبُهم، ومُحيت عنهم سيئاتهم، وتجاوز الله تعالى عن خطاياهم، فساروا
في موكب المؤمنين التائبين الطائعين، وما تدري -يا أخي الحبيب- ماذا يكون مصيرك بعد
هذا الشهر الكريم، فإن الإنسان ما هو إلا نَفَسٌ يدخل ولا يخرج، أو يخرج ولا يدخل،
ورُبَّ إنسان أصبح ولم يمسِ، أو أمسى ولم يصبح، أو نام ولم يستيقظ، أو استيقظ فلم ينم،
وإنما هي آجال مكتوبة مضروبة قال تعالى: "فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ
سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ" [الأعراف:٣٤].
وقد شَذَّ من هذا الموكب الكريم فئة من الناس، تخلت عن حقيقة إيمانها، وأصابها بمقدم
هذا الشهر الذعر والفزع والحزن؛ لأن أحبابهم وأصحابهم من الشياطين قد تخلوا عنهم -كما
أخبر النبي -ﷺ- حين سُلسِلوا وصُفِّدوا في الأغلال،،
وينتظرون خروجه بفارغ الصبر
فكم من إنسان يتتبع عورات المؤمنين في هذا
الشهر، ويبحث عن زلاتهم وسقطاتهم، وينتظر غفلاتهم، فيفضي إلى ما حرم الله -عزَّ وجلَّ-.