recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الدعوة إلي الله بالحكمة والموعظة الحسنة الشيخ أحمد المراكب

 الدعوة إلي الله بالحكمة والموعظة الحسنة 



​الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَأَفَاضَ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ سَوَابِغِ فَضْلِهِ وَآلَائِهِ الْمُسْتَحْسَنَةِ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً مَقْرُونَةً بِالتَّوْحِيدِ مُعْلَنَةً.

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللهُ لِلْخَلْقِ رَحْمَةً وَمِنَّةً، وَجَعَلَ شَرِيعَتَهُ لِلنُّفُوسِ طَهَارَةً وَتَزْكِيَةً وَجُنَّةً.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالسُّنَّةِ، صَلَاةً دَائِمَةً مُتَّصِلَةً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ مُسْتَمِرَّةً.

​أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ الَّتِي هِيَ لِلْقُلُوبِ عِمَارَةٌ، وَلِلذُّنُوبِ كَفَّارَةٌ، وَلِلْمُؤْمِنِ فِي قَبْرِهِ وَحَشْرِهِ أُنْسٌ وَمَنَارَةٌ، فَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وَالْجَهْرَةَ، وَاعْمَلُوا لِدَارٍ بَاقِيَةٍ، وَاتْرُكُوا دُنْيَا فَانِيَةً غَرَّارَةً، فَمَنْ لَزِمَ التَّقْوَى نَالَ الْفَوْزَ وَالْبِشَارَةَ.

​ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

إِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ تَعَالَى فَرِيضَةُ الْفَرَائِضِ، وَسَنَامُ الْوَاجِبَاتِ، وَهِيَ الرِّسَالَةُ الَّتِي اصْطَفَى اللهُ لَهَا أَنْبِيَاءَهُ، وَهِيَ زَادُ الْعُلَمَاءِ، وَتَاجُ الصَّالِحِينَ، وَدُرَّةُ الْعَارِفِينَ؛ هِيَ أَشْرَفُ الْأَعْمَالِ قَدْرًا، وَأَعْلَى الْمَقَامَاتِ شَأْنًا، بِهَا تَنْفَتِحُ الْقُلُوبُ لِمَعْرِفَةِ اللهِ، فَيَنْتَبِهُ الْغَافِلُ مِنْ غَفْلَتِهِ، وَتَنْهَضُ الْهِمَمُ الْخَامِلَةُ مِنْ رُقَادِهَا، وَيَتَعَلَّمُ الْجَاهِلُ سَبِيلَ الْحَقِّ، وَتَسْمُو الْأَخْلَاقُ، وَيَتَهَذَّبُ السُّلُوكُ، وَيَسْتَقِيمُ مِيزَانُ الْمُجْتَمَعِ، وَيُسْتَأْصَلُ الْفَسَادُ مِنْ جُذُورِهِ.

​وَلِأَهَمِّيَّةِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى فقد جعلها الله وَظِيفَةَ النَّبِيِّينَ فَلَقَدِ اصْطَفَى اللهُ الرُّسُلَ وَالنَّبِيِّينَ، وَبَعَثَهُمْ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، يَحْمِلُونَ مَشَاعِلَ الْهِدَايَةِ، وَيُوقِظُونَ الْقُلُوبَ مِنْ سُبَاتِهَا، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤].

​وَقَدْ تَجَلَّتْ عَظَمَةُ هَذَا الِاصْطِفَاءِ فِي كَثْرَةِ مَنْ بَعَثَهُمُ اللهُ لِهِدَايَةِ الْبَشَرِ، حَتَّى رَوَى الْإِمَامُ ابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَمِ الْأَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: «مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَمِ الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: «ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، جَمًّا غَفِيرًا».

​فَالدَّعْوَةُ إِذَنْ هِيَ الشِّعَارُ الْأَوَّلُ لِلِاقْتِدَاءِ بِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ، وَالطَّرِيقُ الْوَاضِحُ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَ سَبِيلَهُ، كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].

​فَبِالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ تُقَامُ حُجَّةُ اللهِ عَلَى الْخَلْقِ، وَتَنْهَضُ الرِّسَالَةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا أُرْسِلَ الرُّسُلُ، فَهِيَ أَمَانَةُ الْبَلَاغِ، وَمَقَامُ الشَّهَادَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ. بِهَا تُرْفَعُ الْأَعْذَارُ، وَتُقْطَعُ الْمَعَاذِيرُ، فَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ أَنْ أَشْرَقَتْ أَنْوَارُ الرِّسَالَةِ فِي الْآفَاقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥].

​عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مُهِمَّةَ الدَّاعِيَةِ أَنْ يُبَلِّغَ وَيُبَيِّنَ، أَنْ يَزْرَعَ الْكَلِمَةَ الصَّادِقَةَ فِي الْقُلُوبِ، ثُمَّ يَكِلَ ثَمَرَةَ دَعْوَتِهِ إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ. فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْسِرَ النُّفُوسَ، وَلَا أَنْ يُسَيْطِرَ عَلَى الْقُلُوبِ، فَقَدْ قَالَ اللهُ لِنَبِيِّهِ الْكَرِيمِ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، وَقَالَ: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، وَقَالَ: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩].

​أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ تَعَالَى تَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِدَقِيقِ الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى، أَمَّا مُجَرَّدُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْخَيْرِ وَتَحْذِيرُ النَّاسِ مِنَ الشَّرِّ، فَمَفْرُوضٌ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ، إِذْ هُوَ وَاجِبٌ مُجْتَمَعِيٌّ، وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يُنْكِرَ حَتَّى لَوْ بِقَلْبِهِ.

​وَمِنْ أَهَمِّ مُمَيِّزَاتِ الدَّاعِيَةِ أَنْ يَتَحَلَّى بِالْحِكْمَةِ.

وَالْحِكْمَةُ: «وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ»، وَقِيلَ: كُلُّ كَلَامٍ وَافَقَ الْحَقَّ فَهُوَ حِكْمَةٌ، وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ هِيَ الْكَلَامُ الْمَعْقُولُ الْمَصُونُ عَنِ الْحَشْوِ، وَقِيلَ: هِيَ مَا لَهُ عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ.

فَإِذَا لَمْ تَكُنِ الدَّعْوَةُ حَامِيَةً لِلنَّاسِ مِنَ الِانْحِرَافِ، وَمُحَقِّقَةً لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فَلَا خَيْرَ فِيهَا، وَهَذَا أَصْلُ الْحِكْمَةِ الَّتِي وَرَدَ ذِكْرُهَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩].

​وَمِنْ أَهَمِّ مُمَيِّزَاتِ الدَّاعِيَةِ: الْمَوْعِظَةُ الْحَسَنَةُ.

إِنَّ مِنْ حُسْنِ الْمَوْعِظَةِ أَنْ تَكُونَ حَسَنَةً فِي كُلِّ شَيْءٍ، فِي الْأَلْفَاظِ وَالْأَدَاءِ وَالطَّرِيقَةِ أَثْنَاءَ مُخَاطَبَةِ النَّاسِ.

قَالَ رَجُلٌ لِلرَّشِيدِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعِظَكَ بِعِظَةٍ فِيهَا بَعْضُ الْغِلْظَةِ فَاحْتَمِلْهَا. قَالَ: كَلَّا، إِنَّ اللهَ أَمَرَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ بِإِلَانَةِ الْقَوْلِ لِمَنْ هُوَ شَرٌّ مِنِّي، قَالَ لِنَبِيِّهِ مُوسَى إِذْ أَرْسَلَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].

وَلَمَّا قَرَأَ رَجُلٌ عِنْدَ سَيِّدِنَا يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾، بَكَى يَحْيَى، وَقَالَ: إِلَهِي هَذَا رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ: أَنَا الْإِلَهُ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ: أَنْتَ الْإِلَهُ؟! [تفسير البغوي].

​وَعَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلْيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» [الحاكم في المستدرك].

فَعَنْ سَيِّدِنَا مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ؛ فَقُلْتُ: "يَرْحَمُكَ اللهُ"، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: "وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ [الثُّكْلُ: فَقْدُ الْوَلَدِ]، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟"، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ مَا كَهَرَنِي [أَيْ: مَا نَهَرَنِي]، وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ؛ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» [رواه مسلم].

​مِنْ أَهَمِّ مِيزَاتِ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَنَّ أَحْكَامَهَا وَتَشْرِيعَاتِهَا سَهْلَةٌ خَالِيَةٌ مِنَ التَّشَدُّدِ وَالْمَشَقَّةِ، فَحَيْثُ وُجِدَتِ الْمَشَقَّةُ وُجِدَ التَّيْسِيرُ، وَتَقَرَّرَتِ الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي تَقُولُ: «الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ»، وَقَاعِدَةُ: «إِذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ».

فَجَمِيعُ الْعِبَادَاتِ فِي الْإِسْلَامِ سَهْلَةٌ مَيْسُورَةٌ، لَيْسَ فِيهَا حَرَجٌ أَوْ تَضْيِيقٌ، فَالصَّلَاةُ خَمْسٌ فِي الْعَمَلِ وَخَمْسُونَ فِي الْأَجْرِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الصَّلَاةِ قَائِمًا صَلَّى قَاعِدًا، وَمَنْ عَجَزَ قَاعِدًا فَعَلَى جَنْبٍ، ثُمَّ قُصِرَتْ فِي السَّفَرِ تَخْفِيفًا، وَالْحَجُّ فَرْضٌ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ، وَكَانَ شِعَارُ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ فِي جَمِيعِ مَنَاسِكِهِ أَنَّهُ مَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ؛ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» [رواه الشيخان]، وَالزَّكَاةُ عَلَى الْقَادِرِ بِشُرُوطٍ مَعْلُومَةٍ، وَالصِّيَامُ فَرْضٌ لِمَنْ سَلِمَ مِنَ الْأَعْذَارِ، وَبَعْضُ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ أَوِ الْفِدْيَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].

​أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

​الخطبة الثانية

​الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الشَّرِيعَةَ لِلْعَالَمِينَ رَحْمَةً وَهِدَايَةً، وَأَنْزَلَ الْكِتَابَ لِلْمُؤْمِنِينَ تَبْصِرَةً وَكِفَايَةً. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ رَبُّهُ بِأَكْمَلِ رِسَالَةٍ وَأَزْكَى رِعَايَةٍ.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي الْفَضْلِ وَالْعِنَايَةِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ بِلَا نِهَايَةٍ.

​أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ لَيْسَتْ وَعْظًا وَلَيْسَتْ خُطَبًا فَصِيحَةً وَلَيْسَتْ كَلَامًا يَقُولُهُ الدُّعَاةُ عَلَى الْمَنَابِرِ، إِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ سُلُوكٌ جَمِيلٌ يُمْكِنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَقُومَ بِهِ فِي دَائِرَةِ سُلُوكِهِ وَتَصَرُّفِهِ. لِيَكُنْ كُلُّ فَرْدٍ مِنَّا دَاعِيَةً إِلَى اللهِ بِمَظْهَرٍ مِنَ السَّكِينَةِ، وَجَوْهَرٍ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَفَيْضٍ مِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ. فَكُنْ دَاعِيًا إِلَى اللهِ بِتَهْذِيبِ لِسَانِكَ وَتَرْقِيَةِ جَنَانِكَ؛ فَكُنْ فِي خِطَابِكَ مَعَ النَّاسِ لَطِيفًا، وَفِي تَعَامُلِكَ عَفِيفًا، لَا تَخْرُجُ مِنْكَ كَلِمَةٌ نَابِيَةٌ، وَلَا تَصْدُرُ عَنْكَ فَاحِشَةٌ، بَلْ خَاطِبْ كُلَّ إِنْسَانٍ بِمَا يَلِيقُ بِمَقَامِهِ وَبِمَا يَرْفَعُ مِنْ شَأْنِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ خَفْضَ الصَّوْتِ فِي الْحَدِيثِ هَيْبَةٌ، وَالتَّرَفُّقَ بِالْخَلْقِ سِيَادَةٌ، فَمَا ارْتَفَعَ صَوْتٌ إِلَّا غَابَتْ خَلْفَهُ الْحُجَّةُ، وَمَا لَانَ كَلَامٌ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ الْقُلُوبُ الْمُغْلَقَةُ. فَاجْعَلْ مِنْ سَمْتِكَ الْهَادِئِ وَرُقِيِّكَ الْأَخْلَاقِيِّ مِنْبَرًا صَامِتًا يَنْطِقُ بِجَمَالِ هَذَا الدِّينِ، مُمْتَثِلًا قَوْلَ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.

​أَيُّهَا النَّبِيلُ: انْظُرْ إِلَى دَائِرَتِكَ الْأَقْرَبِ، فَجَمَالُ السُّلُوكِ لَا يَكْتَمِلُ حَتَّى يَفِيضَ كَرَمًا وَحُبًّا عَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ؛ فَكُنْ لِزَوْجَتِكَ مَأْوًى لِلرَّحْمَةِ، وَلِأَوْلَادِكَ قُدْوَةً فِي الْحِلْمِ وَالْعَطَاءِ. فَالدَّاعِيَةُ الْحَقُّ لَيْسَ مَنْ تَجَمَّلَ لِلْغُرَبَاءِ وَسَاءَ خُلُقُهُ مَعَ الْأَقْرَبِينَ، بَلْ هُوَ مَنْ جَادَ بِفَضْلِهِ عَلَى مَنْ فِي بَيْتِهِ، فَبَسَطَ يَدَهُ بِالْكَرَمِ، وَمَلَأَ قَلْبَهُ بِالْحَنَانِ، وَأَخْفَى عَنْهُمْ ضِيقَ صَدْرِهِ لِيَمْنَحَهُمْ سَعَةً مِنْ رِفْقِهِ. فَأَرْقَى مَرَاتِبِ الْإِنْسَانِيَّةِ أَنْ يَشْهَدَ لَكَ مَنْ يَعِيشُ مَعَكَ بِأَنَّكَ مَنْبَعُ الْجَمَالِ وَالْكَمَالِ الْأَخْلَاقِيِّ. فَاجْعَلْ مِنْ بَيْتِكَ مِحْرَابًا لِلْأَمَانِ وَوَاحَةً لِلْمُؤَانَسَةِ، يَفِيضُ عَلَى مَنْ فِيهِ بِجَمَالِ الرُّوحِ وَطِيبِ الْمُعَامَلَةِ. فَصِدْقُ الرِّسَالَةِ يَظْهَرُ فِي رِقَّةِ الْكَلِمَةِ، وَفِي التَّجَاوُزِ عَنِ الْهَفَوَاتِ، وَفِي تَحْوِيلِ الْبَيْتِ إِلَى مُسْتَقَرٍّ لِلطُّمَأْنِينَةِ وَالسَّكِينَةِ؛ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ : «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي».

​وَإِنَّ مَا نَطْلُبُهُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُعَلِّمَ أَوْلَادَهُ -عَلَى الْأَقَلِّ- أَبْرَزَ الْآدَابِ الْعَامَّةِ مِثْلَ: الْبَسْمَلَةِ عَلَى الطَّعَامِ، وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ، وَأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: حَسِّنُوا أَخْلَاقَكُمْ مَعَ النَّاسِ، وَإِذَا وَجَدْتُمْ إِنْسَانًا فِي شِدَّةٍ فَسَاعِدُوهُ، أَوْ وَجَدْتُمْ ضَرِيرًا عَلَى الطَّرِيقِ فَخُذُوا بِيَدِهِ. فَكُلُّ هَذَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ، بَلْ هَذَا مِمَّا يُدْرَكُ بِسَلَامَةِ الْفِطْرَةِ وَأَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِتَعَالِيمِ الْوَحْيِ الشَّرِيفِ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَى صُوَرِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَيَشْهَدُ لِكُلِّ هَذَا قَوْلُ رَسُولِنَا الْكَرِيمِ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [صحيح البخاري].

و​خِتَامًا عِبَادَ اللهِ، إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا حَامِلٌ لِرِسَالَةِ هَذَا الدِّينِ بِأَخْلَاقِهِ قَبْلَ لِسَانِهِ، فَأَرُوا اللهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا، وَكُونُوا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ.

اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ، غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، سِلْمًا لِأَوْلِيَائِكَ، حَرْبًا عَلَى أَعْدَائِكَ.

اللَّهُمَّ بَصِّرْنَا بِعُيُوبِنَا، وَاشْرَحْ صُدُورَنَا لِلْحَقِّ، وَأَلِفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ بُيُوتَنَا مَنَارَاتٍ لِلْهُدَى، وَاجْعَلْ أَوْلَادَنَا قُرَّةَ عَيْنٍ لَنَا وَلِلْمُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِينَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

​عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

google-playkhamsatmostaqltradent