فقه الدعوة ومعالم التغيير
الحمدُ للهِ الَّذي هدانَا إلى الإيمان
والإسلام، وجعلنا من أُمَّة خير الأنام، فشـرّفها بالرسالة، وحمّلها الأمانة، وجعل
الدعوةَ إليها حياة للقلوب، ونورًا في الدروب، وسبيلاً لإخراج الناس من الظلمات إلى
النور، ومن التيه إلى الهدى والاستقرار والسـرور.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، جعل التغيير سنة ماضية، وربط النصـر بالبصيرة والاتباع، لا بالعجلة والاندفاع،
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى الله على بصيرة، والمربّي بالتدرّج
والحكمة، والقدوة في فقه التغيير وإصلاح النفوس والمجتمعات، صلى الله وسلم وبارك عليه،
وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.. أما بعـــد:
بيان خطورة غياب الدعوة والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر:
فإنّ حياتنا التي نحياها تُشبه في تفاصيلها
سفينةً يركبها الجميع، كما أخبرنـا نبيُّنا ﷺ في حديثٍ صحيح عن القائم على حدود الله،
فيقول: ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب
بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من
فوقهم، فقالوا: لو أننا خرَقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما
أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونَجُوا جميعًا)).
أيها الأحبة، هذه السفينة تمثِّل مجتمعنا،
وركابها هم البشـر الطائع والعاصي، كلٌ مسؤول عن نفسه وعن الآخرين. إلا أنَّ ترك العُصاة
يخرقون حدود الله، ويشيعون الفساد دون رادع أو ناصـح، فإنّها تغرق بهم وبغيرهم، وقد
قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ).
وهذا يوضّح لنا أنَّ الدعوة إلى الله ليست
مهمة من يصعد المنبر فقط أو يلبس لباسًا معينًا؛ بل كل مسلم ومسلمة داعٍ بالدعوة إلى
الخير، في بيته، في مدرسته، في جامعته، في عمله، في مجتمعه. ويجب أن نفرّق بين الداعي،
الذي يحمل رسالة الخير والنصيحة، وبين المفتي أو الفقيه أو المحدّث الذي يختص بالفتوى
وتفسير النصوص. ولأهمية الدعوة ولعِظَم الفكرة كان هذا اللقاء لتوضيح بعض الأصول المهمة
في الدعوة إلى الله تعالى وهداية الناس إلى ربهم وفقا لمعالم وملامح في فقه الدعوة
لدى المسلم والمسلمة.. ولنبدأ بتجلية المفهوم أولا...
ماذا نعني بالدعوة إلى الله؟
ويمكن تعريف الدعوة إلى الله بأنها عبارة
عن نقل الناس من حال إلى حال، وهي فن وعلم وسلوك وحب، تحتاج إلى عقل راشد، وقلب مؤمن،
وفهم عميق للناس والنصوص. إنها بمثابة صحة إنزال النص المناسب على الشخص المناسب، كما
قال الله تعالى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)).. وسنقف مع هذه الآية بعد قليل؛ لتجلية بعض
الأمور المتعلقة بالحكمة والموعظة الحسنة..
لكن ينبغي التأكيد أولا أنّ الله -سبحانه
وتعالى- لم يشرّف هذه الأُمّة بكثرة عددها، ولا بقوّة سلاحها، ولكن شرّفها بالدعوة
والرسالة، وجعلها شاهدة على الناس، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّن دَعَا
إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.. إنَّها منزلة عظيمة؛ أن تكون داعية إلى الله، أن
تكون سببًا في هداية قلب، أو تصحيح سلوك، أو إحياء ضمير، إلا أنّ الله -عزَّ وجلَّ-
من رحمته بنا لم يترك الدعوة بلا منهج؛ بل جعل لها منهجًا وفقهًا ووسائل مساعدة على
نشر الخير وبثّ الأمل وإحياء الحياة، فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾.
ماذا نعني بالحكمة؟
الحكمة -عباد الله- ليست تنازلًا عن الحق،
وليست مداهنة في الدين، ولكنها حسن تنزيل النص والدليل على الواقع، والحكمة أن تعرف
متى تتكلم؟ ومتى تسكت؟ وكيف تتكلم؟ وبأي لغة تخاطب؟ والحكمة أن تخاطب العقول كما تخاطب
القلوب، وأن تراعي حال الناس لا أن تصدمهم.
وما الموعظة الحسنة؟
فهي تلك الكلمة التي تدخل القلب بلا استئذان،
لا تجرح، ولا تفضح، ولا تُشعر الإنسان أنه متهم، بل تُشعره أن باب الله مفتوح، وأن
الرحمة أوسع من الذنب. هكذا كان نبينا ﷺ، ما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما
ما لم يكن إثمًا، وما عالج خطأً بالتَّشهير أو الفضيحة، ولا واجه زلةً بالإهانة.. وهذا
ما يُسَمَّى بفقه الدعوة، وهذا هو مضمون حديثي معكم اليوم...
ماذا نريد بفقه الدعوة إلى الله؟
ليس هو كثرة الكلام، ولا حفظ النّصوص مجرّدة،
ولا رفع الصوت باسم الحق؛ إنما هو العلم بالنص، والعلم بالواقع، والقدرة على إنزال
النص المناسب على الواقع المناسب، فالدَّعوة هي الفهم قبل الحماسة، والبصيرة قبل الحركة،
والرَّحمة قبل الحكم والمحاكمة. ولا أدلّ على ذلك من حديث أبي ذر الغفاري -رضي الله
عنه- وفيه: أنّ رجلا جاء إلى الرسول يسأله: أيّ عمل الإسلام خير؟ فقال للسائل: بر الوالدين.
ثم جاء آخر، فسأل: أيّ عمل الإسلام خير؟ فقال للسائل: الصلاة على وقتها. ثم سأله آخر:
أي عمل الإسلام خير؟ فقال له: الجهاد في سبيل الله.
ولعلّك تلحظ -أخي الكريم- أنَّ السؤال فيما
مضى واحد، بينما الأجوبة متعدّدة ومختلفة، باختلاف السائلين والمخاطَبين، وهذا يعني
أنَّ من فقه الدعوة أن تخاطب الناس على قدر عقولهم، وبقدر ما يصلحهم، وأن تكون النصيحة
موافقة لواقع السائل أو المدعو.
ما أهم معالم فقه الداعية مع ذاته؟
إنّ من بين معالم فقه المسلم مع نفسه إذا
أراد ممارسة الدعوة أمرا ونهيا ما يأتي:
1) الإخلاص قبل الحركة: فالدعوة إلى الله عبادة،
وأخطر ما يفسد العبادة الرياء وحب الظهور، وربنا يقول: ﴿وَمَـا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا
اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلّم- يدعو مولاه
دائما: (اللهم إني أعوذ بك أن أُشرَك بك شيئًا أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه).
ومن المُشاهَد والملحوظ أنّ المُخْلِصَ
يصلُ إلى القُلُوب، وصاحب الهوى يصل إلى الضجيج فقط، وينبغي هنا أن نستذكر جميعا قول
النبي الأزهر -صلى الله عليه وسلّم- في حديثه الأشهر: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما
لكل امرئ ما نوى))..
2) الوعي قبل السعي؛ لأنَّ الحماسة بلا علم
تفسد أكثر مما تصلح، والداعية بحاجة إلى بصيرة يتحرك بها في دعوته، قال تعالى: ﴿قُلْ
هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ وقد علّم النبي ﷺ معاذًا قبل أن يبعثه داعيةً إلى اليمن؛
لأنَّ الداعية بلا علم، كالجنديّ بلا سلاح في المعركة، فلا تتحرك حتى تعلم، ولا تنكر
حتى تفهم، ولا تحكم حتى تتثبت..
3) القدوة قبل الدعـوة: فالناس تقرأ الأفعال
قبل الأقوال، قال تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ولقد كان النبيّ ﷺ قرآنًا يمشي على الأرض، فأخلاقك خطاب،
وسلوكك رسالة، وصمتك أحيانًا أبلغ من خطبتك، ويقول حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي
-رحمه الله-: (العلم يُدرَك بالبصائر، والعمل يُدرَك بالأبصار، وأربابُ الأبصار أكثر)
فراقب تصرفاتك وسلوكياتك.
4) الأمل لا اليأس: فالداعية صانع أمل لا ناشر
إحباط، قال تعالى: (ولا تيأسوا)، ويقول أيضًا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا…
لَا تَقْنَطُوا﴾ فنادَى المسرفين والمذنبين بلفظ الحنان والأمان (عبادي)، ولقد كان
النبي -صلى الله عليه وسلّم- في أحلك الظروف يبشّر بالفتح وينشر التفاؤل والاستبشار،
فمن أغلق باب الرجاء على الناس، فتح عليهم باب التمرّد والعناد والجحود.
5) الإيجابية لا السلبية: الداعية لا يعيش
دور الناقد الباكي على الأطلال؛ بل هو صاحب همة وفاعل في حركته، ينطلق انطلاقا من خلال
أمر ربه (وسارعوا)، (سابقوا)، (فاستبقوا)، يتحرك وعينك على حركة رسوله الحبيب -صلى
الله عليه وسلّم-، وهو يتفاعل مع قضايا أمّته، ولا ينعزل عن أوضاع مجتمعه، فاحرص على
ما ينفعك، ولا تكن مرآة للأزمات، وكُن نافذة للحلول..
6) الأصول قبل الفروع؛ فلا تُشغل النَّاس بالجزئيات
وتنسى الكليات، وفي حديث معاذ: (...فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)..
صحِّح العقيدة… تستقم العبادة، إننا بحاجة إلى من يفهم ما الذي يدعو إليه؟ وكيف يدعو؟
وما وسائله؟ الناس تحتاج إلى الأولويات والأصول قبل الفروع، ولقد جاء أحدهم يومًا إلى
الشيخ الغزالي، يسأله عن حكم تارك الصلاة، فقال له: حكمه أن تأخذ بيده إلى المسجد.
فلا تنشغل بتكفير الناس أو الحكم عليهم بالفسق أو البدعة أو ما شابه، وتحرّك بهم نحو
ربهم بهدوء..
أهم معالم فقه الداعية في التواصل مع الآخرين
1) التأليف قبل التعريف؛ لأن القلب المُغلق
لا يسمع الحجة، كما أنّ الإنسان لا يسمع بعقله حتى يطمئن قلبه، فكم من حقٍّ رُفض لا
لضعف حُجّته؛ بل لسوء طريقته، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ
كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ الله لم يقل لتركوا الحق؛
بل قال لانفضّوا من حولك، أي انقطع الاتصال قبل وصول الرسالة، ولقد أعطي النبي -صلى
الله عليه وسلّم- المؤلَّفة قلوبهم من الغنائم، يتحمّل أذاهم، ويبتسم في وجوههم، ويسمع
اعتراضاتهم، وكل ذلك قبل أن يطالبهم بالتكاليف.
2) التعريف قبل التكليف؛ فلا تُحمِّل الناس
ما لا يفهمونه: فإنَّ من أخطر الأخطاء الدعوية أن تطلب من الناس الالتزام قبل أن يفهموا
لماذا، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ أي: بيان،
وتعريف، وإقامة حجة… ثم محاسبة، بل بدأ بالمعنى قبل السلوك، فلا تطلب من شاب الالتزام
قبل أن يحب الدين، ولا تطلب من فتاة الحجاب قبل أن تفهم قيمته، ولا تطلب من الناس الطاعة
قبل أن يتعرفوا على من يطيعون.
3) التيسير لا التعسير والتبشير لا التنفير؛
لأنَّ الدين طريق هداية لا اختبار تعقيد، وفي الحديث: (يَسِّروا ولا تُعسِّروا، وبشِّروا
ولا تُنفِّروا) وهذه ليست نصيحة أخلاقية؛ بل هو منهج دعوي ملزِم، هل مهمتك أن تُقرّب
الناس أم تُبعدهم؟
4) التدرّج لا العجلة، فالتغيير عملية… لا
صدمة، ومن أراد تغيير الناس دفعة واحدة، كمن يريد كسر العظم ليعالجه، ولا يغيب عن شريف
علمكم أن التشريع الإسلامي نزل منه الكثير متدرجًا، كتحريم الخمر، والفرائض، بناء المجتمع،
وكما تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: لو نزل أول ما نزل: لا تشربوا الخمر… لقالوا
لا ندع الخمر أبدًا.. فلا تطلب الكمال فورًا، وافرح بالتقدم ولو كان بطيئًا، خذ بيد
الناس خطوة خطوة..
5) الإنارة لا الإثـارة: إن الداعية إلى الله
بمثابة النور الذي يضيء الطريق… لا النار التي تشعل الحرائق، وفي القرآن الحكيم: ﴿وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فلم يقل بالأعلى صوتًا، ولا بالأقسى لهجة، والفرق أنّ الإنارة:
توضيح، هدوء، حكمة، والإثارة: تشنج، صراع، استقطاب.
6) التربية لا التعريـة: لا تفضح… بل عالج؛
فالدعوة ليست فضيحة أخلاقية،
بل عملية إصلاح، ومن ستر مسلمًا ستره الله
في الدنيا والآخرة، ومن المعلوم يقينا أن فضح الخطأ لا يُصلح صاحبه؛ بل يدفعه للمكابرة،
ومن أجل ذلك كان رسول الله -صلَّى الله عليه وسلّم- يبادر دائمًا المُخْطِئين بقوله:
(ما بال أقوام)، ولا يذكر أسماء..
ولعل من المناسب هنا أن نتوقف عند نموذج
لأثر التربية النبوية في تغيير السلوكيات الخاطئة؛ حيث يحكي الإمام أحمد في مسنده خبر
طالب التصـريحِ والإذن، فيروي عن أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ
-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا.
فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ. مَهْ. فَقَالَ:
"ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا". قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: "أَتُحِبُّهُ
لِأُمِّـكَ؟" قَالَ: لَا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: "وَلَا
النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ". قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟"
قَالَ: لَا. وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ قَالَ: "وَلَا
النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ". قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟"
قَالَ: لَا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ
لِأَخَوَاتِهِمْ". قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟" قَالَ: لَا.
وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ".
قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟" قَالَ: لَا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ
فِدَاءَكَ. قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ". قَالَ:
فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: "اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ،
وَحَصِّنْ فَرْجَهُ". قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ
إِلَى شَيْءٍ. بمعنى أنّه خرَجَ من عندِ رسُول الله -صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه
وسلَّم- بقناعَة غير القناعة السلبيَّة التي دخلَ بها على سيّدنا رسُول الله صَلّى
الله عليه وسلَّم.
7) التَّجديد لا الجمود: ثبات في الأصول… مرونة
في الوسائل؛ نعم الدين ثابت،
لكن أسلوب عرضه متجدد، وما أرسلنا من رسول
إلا بلسان قومه ليبين لهم..
من الجدل إلى العمل: فلا تنشغل ولا تُشغل
مَن حولك بالقضايا الجدلية التي لا يتوقف عليها عمل، كمثل ما نوع النملة التي كلمت
نبي الله سليمان: أكانت ذَكرًا أم أُنثَى؟ وهل الشيطان يبيض أم يلد؟ وهل ظهر المهديّ؟
وهكذا..
جاء أحدهم إلى رسول الله يسأله: متى الساعة؟
فبماذا ردّ الرسول الكريم؟ قال له: ماذا أعددتَ لها؟ وكأني به يأخذه من قضية جدلية
لا يترتب عليها عمل إلى العمل الأساس، وهو هل أنا وأنت على استعداد ليوم القيامة عندما
تقوم؟
ولكسب قلوب الناس وسائل ومهارات!!
1) الرحمة والشفقة بالمخطئ، قال تعالى في وصف
نبيه ومصطفاه: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ)، فليكن التعامل مع الخطأ
باللين والتوجيه، لا بالصرامة والعقاب.
2) توجيه الطاقات الإيجابية وتشجيع السلوك
الحسن، وذلك بتحويل النقد إلى تحفيز، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلّم- مع أبي محذورة
حين حوَّل استهزائه بالأذان عندما أذَّن بلال بن رباح يوم الفتح، حوّل استهزاءه إلى
تعلّم الأذان، وصار مؤذِّنًا لأهل مكة بعد انتقال الرسول -صلى الله عليه وسلّم- ومعه
صاحبه بلال إلى المدينة.
3) إنزال الناس منازلهم: تقديرهم واحترام شخصيتهم،
كما قال نبينا المبارك: (...أُمرنا معاشر الأنبياء أن ننزل الناس منازلهم).
4) الاستماع للآخر بعناية، كما استمع النبي
ﷺ لعتبة بن ربيعة في أول الدعوة، عند تفاوضه
معه على ترك الدين، وساوموه على ذلك، بينما استمع النبي إليه ثم ناداه بكنيته (أفرغت
يا أبا الوليد؟!).
5) الاكتفاء بالتصحيح دون التجريح الشخصـي،
بتوجيه الخطأ إلى الفعل وليس إلى الشخص، كما فعل النبي ﷺ مع الثلاثة في بيته، حين سألوا عن عبادته
صلى الله عليه وسلّم، ثم علّمهم وغيرهم بأنّه أخشـى الناس لله، غير أنه أكثرهم توازنا
في عبادته وحياته مع الله.
6) الدعاء للمخطئ في السـر والعلانية؛ فالدعاء
يغيّر القلوب ويعين على الإصلاح، كما دعا ﷺ لقومه بقوله: [اللهم اهد قومي فإنهم لا
يعلمون].
وختامًا أيها المسلم الكريم:
إنَّ الدعوة اليوم ليست فقط على المنابر؛
بل في أخلاقك مع زوجتك وأهل بيتك.. في أمانتك بعملك.. في صِدقك في معاملاتك.. في عدلك
مع من تختلف معه... في تعليقك على وسائل التواصل.. فكم من إنسان دخل الإسلام بحسن خُلُق
مسلم، وكم من إنسان نفر من الدين بسوء خُلُق متديّن. فكونوا دعاةً إلى الله وأنتم صامتون،
قبل أن تكونوا دعاةً وأنتم متكلمون؛ فلغة الأفعال أقوى تأثيرًا من لغة الأقوال.
• ابتسم في وجه من حولك.
• استخدم لسانك بالخير اليوم.
• كن قدوة صغيرة في بيتك أو عملك.
• اجعل دعاءك للمخطئ عادة يومية.
ونسألُ الله -تعالى- أن يجعلنا من الذين
يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويصلحون أنفسهم وأهليهم ومجتمعهم، ويثبّتنا على
الحق دائمًا، ويثبت الأمة على طريق الخير والإصلاح، إنَّهُ وليّ ذلك والقادر عليه.
اللهم اهــدِ قلوبنا وقلوب المسلمين، وأصلح
أعمالنا، وبارك في حياتنا، واجعلنا من المُصلِحين في الأرض، ووفّقنـا للخَير، وبلِّغنا
برحمتك شهر رمضان على خير، وآخرُ دَعوانا أن الحمد لله رب العالمين.