أيام الله في رمضان
جهاد النفس
رمضان والمسارعة إلى
الخيرات
رمضان شهر الانتصارات
الحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعدُ:
فإن الله - تعالى -
قد جعل الدنيا دارَ بلاءٍ وامتحان، وجِهادٍ ومُجَاهدة، وصَبْر ومُصَابرة لعباده، فمنِ
اجتاز البلاءَ، وصبر في ذات الله – تعالى - وجَاهَد في سبيله كان حقًّا على الله -
تعالى - أن يَرْضَى عنه، ويُدْخِلَهُ الجنَّة، فمصيرُه ما ذكر الله - تعالى - بقوله:
{فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ
الْمَأْوَى} [النازعات: 37 – 39].
وعكسه من غلب شيطانه،
وقَهَر نفسه، ولم يَرْكَنْ إلى الدنيا، وتمتع بما أَحَلَّ الله له من الشهوات، ولم
يُجَاوِز ذلك إلى ما حَرَّم الله عليه، وقام بحقّ الله - تعالى - خير قيام؛ فهو السعيدُ
المذكور في قوله – تعالى -: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ
عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات 40 - 41].
من أحب الله – تعالى
- وعَظَّم شعائره؛ خالف هواه إلى ما يحب الله – تعالى - وقصر نفسه على ما أحلَّ الله
له. ومن أَتْبَعَ نفسه هواها، وأَرْخَى لها زِمَامها، ففي محبته لله - تعالى - نَقْصٌ
بقدر اتِّبَاعِه لهواه، وعصيانه لربه.
قال أبو عمرو بن بُجيد
- رحمه الله تعالى -: "من كَرُم عليه دينه، هَانَتْ عليه نفسه" [فتح الباري
لابن حجر 11/345].
وقال شيخ الإسلام ابن
تيميَّة - رحمه الله تعالى -: "مَحَبَّة الله تُوجِب المُجَاهَدة في سبيله قطعًا؛
فإنَّ من أحب الله، وأحبه الله، أحب ما يُحِبُّه الله، وأبغض ما يُبْغِضُه الله، ووالى
من يُواليه الله، وعَادَى من يُعاديه الله، لا تكون مَحَبَّة قط إلاَّ وفيها ذلك بحسب
قوتها وضعفها؛ فإن المحبةَ تُوجِبُ الدُّنُوّ من المحبوب، والبُعْد عن مكروهاته، ومتى
كان مع المحبة نَبْذ ما يبغضه المحبوب، فإنها تكون تامَّةً" [قاعدة في المحبة:
89].
#جهاد_النفس:
إن مُعالجةَ النَّفْس
ومُجَاهَدتها من أعظم أنواع الجهاد؛ لأنه جِهَاد يَسْتَغْرِقُ العمر كله، وإذا طال
الأَمَد ضعفتِ النفس، فاحتاجت إلى مُجَاهدة أكثر. يقول سُفْيان الثوري - رحمه الله
تعالى -: "ما عَالَجْتُ شيئًا أشد عليَّ من نفسي: مرة لي؛ ومرة علي" [الحلية
7/5 – 62].
وكان عمر - رضي الله
عنه - يُخَاطِب نفسه، ويَقْهَرها حتى لا تَجْمح به، فتُخْرِجه عن الجادَّة. دخل - رضي
الله عنه - حائطًا فبدأ يُخَاطِب نفسه ويحاسبها، قال أنس - رضي الله عنه -: فسمعته
يقول: "عمر بن الخطاب أمير المؤمنِينَ، بَخٍ بَخٍ، واللهِ يا ابن الخطاب لتَتَّقِيَنَّ
الله، أو ليُعَذِّبَنَّك" [الموطأ 2/992].
إن الإنسانَ قد يُجَاهِد
غيره؛ لكنه يَنْسَى نفسه التي تحتاج إلى جِهَاده، فيَذَرُها تركب هواها، وتنالُ مطلوبها،
ولا يَحْسب أنها تحتاج إلى مجاهدة؛ بل قد يُنْكِر ذلك، ويرى أنه على أحسن حال، أو على
الأقل ليس أَسْوَأَ الناسِ، وهذا يُقْعِدُه عن المجاهدة، فيسير في الرَّدى، ويُوشِك
أن يهلك. وفي هذا المعنى قال علي - رضي الله عنه -: "أولُ ما تُنكِرُون من جِهادِكُم
أنفُسُكم" [جامع العلوم والحكم 1/196].
ولما سأل رَجُلٌ عبدَالله
بن عمر - رضي الله عنهما - عن الجِهَاد قال - رضي الله عنه -: "ابْدَأْ بنفسك
فجاهدها، وابدأ بنفسك فاغْزها" [جامع العلوم والحكم 1/196].
#إن_الخُطْوة_الأولى_لمجاهدة_النفس:
أن تعترف أن نفسك تحتاج
إلى معالجة ومجاهدة
قال أبو يزيد البسْطَامِيّ:
"عملتُ في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدتُ شيئًا أشد عليَّ من العلم ومتابعته..."
[الحلية: 10/36].
ويقول أيضًا:
"عالَجْتُ كل شيء؛ فما عَالَجْتُ أصعب من مُعَالَجَة نفسي، وما شيء أهون عليَّ
منها" [الحلية: 10/36، وصفة الصفوة 4/107].
وما دامتِ النفس ضعيفةً،
والشيطانُ مَوْجُودًا فإنَّ العبد يحتاج إلى مجاهدة دائمة، فعن سَبْرَة بن أبي فَاكِه
- رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن الشيطانَ يقعد
لابن آدم بِأَطْرُقِه، قعد في طريق الإسلام، فقال: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دينك ودين آبائك،
وآباء آبائك؟ فعَصَاه وأسْلَم، وقعد له بطريق الهِجْرة، فقال: تُهَاجِر وتذر أرضك وسماءك؟
وإنما مَثَلُ المُهاجِر؛ كمثل الفَرس في الطِّوَل، فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجِهَاد،
فقال: تُجَاهِد؟ فهو جَهْدُ النفس والمال، فتُقاتل فتُقْتَل؛ فتُنْكَحُ المرأةُ، ويُقْسَم
المال؟! فعصاه فجاهد))، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((فمَنْ فَعَل ذلك كان
حقًّا على الله أن يُدْخِلَه الجنة، وإن غَرِق كان حقًّا على اللهِ أن يُدْخِلَه الجنة،
أو وقَصَتْهُ دابته كان حقًّا على الله أن يُدْخِلَهُ الجنة))؛ رواه أحمد 3/483، والنسائي
6/21، وصححه ابن حبان 4593.
#يوسف_عليه_السلام_ومجاهدة_النفس
وواقع المُجَاهِدِين
يدُلّ على ذلك: فهذا نبي الله يوسف - عليه السلام - دعاه الشيطان إلى مُقَارَفَة الحرام
مع امرأة العزيز، التي زَيَّنَتْ لها نفسُها الأمَّارة بالسوء عمَلَها فراوَدَتْهُ
عن نفسه؛ لكنه - عليه السلام - جاهد نفسه، ولم يستَسْلِم للشيطان ولِهَواه، فقال:
{قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}
[يوسف: 23]، واعترف بعجزه وضعفه رغم مُجَاهدته، وسأل الله – تعالى - العافيةَ من هذا
الابتلاءِ، ودعا فقال: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي
إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ
* فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ} [يوسف: 33 - 34].
وهذه الاستجابةُ من
الله - تعالى - ليوسُفَ - عليه السلامُ - كانت بعد مجاهدة منه، وصِدْق في التَّوَجُّه
إليه تبارك وتعالى.
ولما سألَ رجلٌ النبي
- صلى الله عليه وسلم - مُرَافَقَته في الجنة قال له: ((أَعِنِّي على نفسِك بكثرة السُّجود))؛
رواه مسلم 489، وهذا يحتاج إلى مجاهدة، إذا حققها العبد بلغ ما تمنى، وأعطاه الله ما
سأل.
قال أُبَيّ بن كَعْب
- رضي الله عنه -: "كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه، وكان لا تُخْطِئُه
صلاةٌ، قال: فقيل له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرَّمْضَاء، قال: ما
يَسُرُّنِي أن منزلي إلى جَنْب المسجد، إني أُريد أن يكتب لي مَمْشَاي إلى المسجد،
ورُجُوعي إذا رجعت إلى أَهْلي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قد جمع الله
لك ذلك كله))؛ رواه مسلم 663.
#رمضان_والمسارعة_إلى_الخيرات
حلَّ شهر رمضان، وحلت
معه الخيرات والبركات. وهو مع ذلك موسم الطاعات والقربات وتكفير الذنوب والخطيئات.
وهو فوق ذلك شهر الفضائل الكثيرة، والنعم العظيمة، التي منها ما ورد في قول رسول الله
ﷺ: (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ،
وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ
إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ) (رواه مسلم).
وقد بيَّن النبي عليه
الصلاة والسلام المقصود بالصيام الذي هو سبب لتكفير الخطيئات بما كان صادرا عن العبد
على إيمان واحتساب، قال عليه السلام: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا،
غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (رواه البخاري). فقد دل هذان الحديثان أن
الله تعالى نصب مكافئة لكل من صام أيام شهر رمضان امتثالا لأمر الله وطلب الأجر منه
سبحانه، في صورة مغفرة ذنوب الإنسان السابقة، صغيرها لا كبيرها.
ولكي يحصل المسلم على
الفضل الوارد في الحديثين السابقين، والمكافأة النصوص عليها سابقا، وجب استحضار الخطوات
التصورية والمسلكية التالية:
إن أفضل نظرة لشهر رمضان
اعتباره ظرفا للتسابق إلى الطاعات والتنافس في القربات، قال الله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا
الْخَيْرَاتِ} الآية [البقرة،148]. وهذا يدل على وجوب المبادرة إلى الطاعات، والحث
على القربات، والاستعجال إلى العبادات عموما، وفي شهر رمضان على وجه أخص.
وقريب منه الانشغالُ
في هذا الشهر بالمسارعة إلى طلب المغفرة، قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ
مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}
[آل عمران،133].
على أن المسارعة إلى
طلب مغفرة الله إنما سبيلها التنافس في تحصيل الطاعات، والمسارعة إلى العبادات سواء
ما تعلق منها بعلاقة العبد بربه (كالصلاة، وذكر الله، وقراءة القرآن، وغيرها)، أو ما
ارتبط منها بالمعنى العام للعبادة، في ارتباطه بجميع أوجه الخير والإحسان والبر (كحسن
الخلق، والصدق في المعاملة، والإحسان إلى الغير، وتعمير الأرض بالخير والصلاح عموما).
وهذا الحض على الإسراع إلى الخيرات قد أكده الله تعالى في قوله:{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ
مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} الآية [الحديد،21].
هذا من حيث الطلب.
وأما من حيث الخبر،
فقد قال تعالى عن طائفة من المرسلين: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ}
الآية [الأنبياء،90]. فظهر بأن علة ثناء الله تعالى على المرسلين المذكورين في سورة
الأنبياء، إنما هو مسارعتهم إلى الطاعات. ومعلوم شرعا أن (المسارعة في طاعة الله تعالى
من أكبر ما يمدح المرء به لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة) (تفسير الرازي،22/182).
وإذا كانت جميع المرجعيات
الدينية والقانونية ترشد إلى أن لكل عمل جزاءً، فقد نصب الله الجزاء الوفير للمتسابق
إلى الطاعات، قال تعالى في الآية السابقة: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران،133].
فقد دلت الآية على أن جزاء المتسابق إلى طاعة الله دخول الجنة. ولتشويق المسلم إلى
بذل أقصى جهده لنيل الجنة، فقد ذكر الله تعالى شيئا من وصفها، من خلال بيان عرضها
(الذي قياسه السموات والأرض جميعا)، وعدم التطرق لتحديد طولها – وإن كان الطول أطول
من العرض ضرورة عقلية وعلمية- لبيان سعتها وعظمها من باب أولى. ولتوضيح ذلك، قال (ابن
عباس: تقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب ويوصل بعضها ببعض، فذلك عرض
الجنة، ولا يعلم طولها إلا الله) (تفسير القرطبي،4/204).
ومما ورد في السنة النبوية
من الحث على المسارعة إلى الطاعات قول رسول الله ﷺ: (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ
فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا،
أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا)
(رواه مسلم). فدل الحديث على الحض على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذر فعلها
والاشتغال عنها بما يحدث للإنسان من الفتن الشاغلة، والمتكاثرة، و المتراكمة كتراكم
ظلام الليل المظلم لا المقمر، مما تنحجب معه الرؤيا، وتعظم في الشبه والشهوات. وقد
ذكر النبي ﷺ نوعا من عظم تلك الفتن،
بأن ينقلب الإنسان من الإيمان إلى الكفر -أو العكس- في اليوم الواحد (شرح النووي على
مسلم،2/133، بتصرف).
ومن ذلك أيضا حديث أبي
هريرة رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله،
أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: (أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ،
وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلاَ تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلاَنٍ
كَذَا، وَلِفُلاَنٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلاَنٍ) (متفق عليه). فقد دل الحديث بدليل
العبارة إلى أفضل الصدقة، وبدليل الإشارة والإيماء إلى المسارعة إلى الصدقة في خصوصها،
وإلى كل الطاعات في عمومها، ما دام الإنسان موصوف بالصحة، يتطلع إلى الغنى، ويمسك عن
الإنفاق خشية النقصان. ونظرا لمحبته عليه السلام الأمة ونصحه لها، فقد أمر هذا النوع
من البشر بألا يتأخر في الصدقة حتى يكون في فراق من الدنيا وإقبال على الآخرة، حيث
يشرع -وقتئذ- في أنواع من الصدقات والهبات والتبرعات.
#رمضان_شهر_الانتصارات
حدثت معارك فاصلة في
تاريخ الأمة في شهر رمضان من هذه المعارك :
1. غزوة بدر الكبرى في
السنة الثانية من الهجرة :ـ
ففي رمضان من السنة
الثانية للهجرة خرج المسلمون بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعترضوا قافلة لقريش
يقودها أبو سفيان، ولكن أبا سفيان غَيّرَ طريقه إلى الساحل واستنفر أهل مكة، فخرجوا
لمحاربة المسلمين والتقى الجمعان في بدر في السابع عشر من رمضان سنة اثنتين للهجرة
. ونصر الله رسوله والمؤمنين رغم قلة عددهم وعدتهم فقد كانوا ثلاثمائة وسبعة عشر وكان
المشركون أكثر من ألف وأثمرت نتائج النصر ثماراً كثيرة، فقد ارتفعت معنويات المسلمين
وعلت مكانتهم عند القبائل التي لم تسلم بعد، واهتزت قريش في أعماقها وخسرت كبار صناديدها
وأعمدة الكفر فيها، وأخذت تعد للثأر والانتقام. وخلال سنة تحققت للمسلمين في المدينة
عوامل أمن خارجية وداخلية فقبائل غطفان وسليم التي كانت تعد لمهاجمة المسلمين بلغها
انتصار المسلمين في بدر وتحركهم بعد ذلك لضربها، فخافت وتركت ديارها وخلفت غنائم كثيرة
للمسلمين، كما أجلي بنو قينقاع إحدى قبائل اليهود لكيدهم بالمسلمين وعدوانيتهم.
كانت تلك الغزوة فرقانا
بين الحق والباطل، تلك الغزوة التي جعلت للمسلمين كيانا مهابا وجانبا مصونا ، فكانت
تلك الحادثة عرسا حقيقيا في رمضان وفرحا صادقا للمسلمين في شهر الفرقان
.
2- عين جالوت في فلسطين
سنة 658 هجرية :ــ
"عين جالوت" بلدة
من أعمال فلسطين المغتصبة - ردها الله إلى المسلمين قريبًا - وهي بلدة بين بيسان ونابلس.
وبطل هذه المعركة الجليلة
هو السلطان المظفر سيف الدين قُطز بن عبد الله المعزي، الذي تولَّى الحكم في مصر .
استمر المغول في زحفهم
المدمر حتى دخلوا بغداد عاصمة الخلافة العباسية، واستطاع "هولاكو" -حفيد
جنكيز خان- إسقاط الخلافة العباسية، وقتْل الخليفة العباسي سنة 1258م، وتدمير بغداد
عاصمة الخلافة.
وواصل هولاكو تقدمه،
فاستولى على حلب ودمشق، وكان بغي التتار قد امتد وزاد حتى احتلوا بلدة "الخليل"
وبلدة "غزة" من أرض فلسطين، وقتلوا الرجال، وسبوا النساء والصبيان، واستاقوا
من الأسرى عدداً كبيراً ، ولم يبق أمامه إلا مصر، حصن الإسلام المنيع، وكنانة الله
في أرضه، فأرسل هولاكو رسالة تهديد لحاكم مصر آنذاك السلطان "سيف الدين قطز"،
ويطلب منه الاستسلام، فأبى السلطان قطز، وأخذ يعد جيوشه وأرسل قوة استطلاعية بقياد
"بيبرس" الذي استطاع أن يهزم إحدى الفرق المغولية
.
ورحل السلطان قطز بعساكره
ونزل الغور بعين جالوت في فلسطين، وكانت جموع التتار هناك، وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين
من شهر رمضان قامت معركة عنيفة بين الفريقين، وتقاتلوا قتالاً شديدًا لم ير الناس مثله،
واشتد الأمر في بدء المعركة على المسلمين، فاقتحم قطز ميدان المعركة، وباشر القتال
بنفسه، وأبلى في ذلك اليوم بلاء حسنًا. وحقق المسلمون نصرًا ساحقًا على جيش المغول،
وأسروا قائدهم، وأمر "قطز" بقتله.
وانتهت بانتهاء معركة
عين جالوت أسطورة الجيش المغولي الذي لا يقهر، واستطاع المسلمون إنقاذ العالم كله من
همجية المغول وخطرهم .
3- العاشر من رمضان (نصر
أكتوبر):
إن أعظم حدث في العصر
الحديث إنما هو نصر أكتوبر المجيد الذي وقع في العاشر من رمضان عام (١٣٩٣هـ) = السادس
من أكتوبر ١٩٧٣م، حيث التقى المصريون مع عدوهم الغاشم على أرض سيناء الحبيبة، فهَزم
الجيش المصري العظيم هذا المحتل، وأبطل مقولته التي طالما تغنى بها "الجيش الذي
لا يقهر"، واستردوا أرضهم، وحموا عرضهم، ورفعوا راية بلادهم عالية خفاقة.
الصيام والتكبير من
أهم عوامل النصر:
عبر جنودنا وهم صائمون،
رغم أن الشرع الحنيف رخص لهم الفِطر لكن أبت أخلاق هؤلاء العظام، ومحبتهم للشهادة في
سبيل تحرير وطنهم، إلا أن يكونوا صائمين: "لا نريد أن نفطر إلا في الجنة"،
وعلت أصواتهم بكلمة «الله أكبر»، وكان عنصر المفاجأة أذهل الجميع، وخرج العدو من وكره
مذعوراً خائفاً من هؤلاء الأبطال البواسل الذي جاءوا من كل حدب وصوب، وتدفَّقوا كالسيل
العرم، وكانت الروح المعنوية التي قام بها مولانا العارف بالله الإمام الأكبر أ.د/
عبد الحليم محمود لجنودنا لها عظيم الأثر في تخفيف حرارة الجو، ووطأة الموقف حيث بشرهم
أنه رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام، وهو يرفع راية «الله أكبر».
خير أجناد الأرض:
وما زال الجيش المصري
على العهد باقيًا، وسيظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها رغم كيد الكائدين، وأبواق
المفسدين، مصداقًا لقول سيد المرسلين؛ فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: حدثني عمر
بن الخطاب رضي الله عنه، أنَّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا فتح الله عليكم
مصر بعدي فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض»، فقال له أبو بكر:
ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة» [رواه ابن عبد
الحكم في "فتوح مصر"] .
لقد استطاع فيها الجيش
المصري أن يدحر عدوه، وأن يسترد أرضه، ويحمي عرضه، ويفرض إرادته العادلة على الأرض
المباركة، أرض سيناء الحبيبة، وانتصرت مصر في هذه المعركة انتصارا خُلِّد ذكراه في
تاريخ الحروب المشروعة، ورغم قوة العدو وتفوقه في بعض المجالات إلا أن جيش مصر أعطى
درسا في الشجاعة والقدرة على التخطيط والبسالة، صار بعد ذلك ضمن الدروس المنهجية في
العلوم القتالية التي تدرس في أعرق الكليات العسكرية.
فهكذا كانت سيرة هذا
الشهر في تاريخ الأمة، فكثير من الانتصارات والفتوحات التي كان لها أعظم الأثر في تاريخ
الإسلام والمسلمين وقعت في هذا الشهر الكريم.
وصل اللهم على سيدنا
محمد