وذكرهم بأيام الله رمضان شهر الانتصارات
رمضان شهر ميلاد امة المسلمين وعزها ونصرها
من انتصارات المسلمين
في شهر رمضان ( غزوة بدر .. فتح مكة- - فتح الأندلس- عين جالوت - العاشر من رمضان السادس
من أكتوبر المجيد )
الرجل في مهنة اهله
الحمد لله خلق كلَّ
شَيْء فقدَّره، وعلِمَ مَوْردَ كلِّ مخلوقٍ ومصْدَرَه، وأثْبَتَ في أمِّ الكتاب ما
أرَادَه وسطَّره، فلا مُؤَخِّر لِمَا قدَّمه ولا مُقَدِّم لما أخَّره، ولا ناصرَ لمَنْ
خَذلَهُ ولا خاذِلَ لِمَنْ نَصَره، تفرَّد بالمُلْكِ والبقاءِ، والعزَّةِ والكبرياء،
فمَنْ نازَعه ذلك أحْقَرَه، الواحدُ الأحَدُ الربُّ الصَّمَد، فلا شريكَ له فيْمَا
أبْدَعَه وفَطَرَه، الحيُّ القَيُّومُ فما أقْومَهَ بشُؤُونِ خلْقِه وأبْصَرَه، العليمُ
الخبيرُ فلا يخْفَى عليه ما أسرَّه العبدُ وأضْمَرَه، أحْمَدُه على ما أَوْلَى مِنْ
فضلِهِ ويَسَّره.
وأشْهد أنْ لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، ناصر المؤمنين ومؤيد الموحدين الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم
الأحزاب وحده قَبِلَ تَوْبةَ العاصِي فعفَا عن ذَنْبِه وغَفَرَه
وأشهد أنَّ محمداً عبدُه
ورسولُه الَّذِي أوْضَح به سبيلَ الهدايةِ ونوَّره، وأزال به ظلماتِ الشِّرْكِ وقَتَّرَه،
وفَتحَ عليه مَكَّةَ فأزَال الأصنامَ مِن الْبَيْتِ وطهَّره، صلَّى الله عليه وعلى
آلِهِ وأصحابِه الكرامِ الْبَرَرَة، وعلى التابعينَ لهم بإحْسَانٍ ما بَلَغَ القَمَرُ
بدرَه وسَرَرَه، وسلَّم تسليماً.
اما بعد
فإن المتأمل في أحداث
شهر رمضان عبر التاريخ الإسلامي سيجد أمورًا عجيبة، هذه الأمور ليست مصادفة، وكل شيء
عند الله عز وجل بمقدار، سيجد أن المسلمين ينتقلون كثيرًا من مرحلة إلى مرحلة أخرى
في شهر رمضان، من ضعف إلى قوة، ومن ذلٍّ إلى عزَّة. ومن ضيق إلى سعة ،وقد ارتبط شهر
رمضان بالجهاد بشكل لافت للنظر
اولا - رمضان شهر ميلاد
امة المسلمين وعزها ونصرها.
لقد جعل الله شهر رمضان
شهر ميلاد الأمة الإسلامية، حين أضاء وحيُ السماء ظلمات الأرض، وبدد نور الهداية ظلمات
الشرك والجاهلية والخرافة، فكان رمضان عهدًا جديدًا استقبلت به البشرية خير رسل الله
وآخر رسالات السماء، فكان رمضان نقطة تحول في مسيرة البشرية بنزول القرآن؛ كان انتصارًا
للنور على الظلام، والحق على الباطل، والتوحيد على الشرك، والطهارة والنقاء على الفحش
والعهر.
نعم رمضان هو الشهر
الذي وُلدت فيه الأمة.. حين تنزل القرآن بقوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي
خَلَقَ} (العلق: 1).. فانبثق من هذا الأمر الإلهي ميلادُ أمةٍ انداحت بعد ذلك في جنبات
الأرض؛ تعمِّر الكون وتستخرج كنوزه وقوانينه المخبوءة ، وتقيم العدل، وتصنع في دنيا
الناس النموذج الذي طالما تاقت نفوسهم إليه.
ثانيا - من انتصارات
المسلمين الحربية في شهر رمضان
فقد شهد شهر رمضان على
مدار التاريخ انتصارات عديدة وفتوحات حاسمة في تاريخ المسلمين، بدءاً من غزوة بدر الكبرى
(2هـ) التي كانت فرقاناً بين الحق والباطل، ثم فتح مكة (8هـ) الذي صَدَق الله فيه وعده
لرسوله وللمؤمنين بالنصر والتمكين، فِي رَمَضَانَ كَانَتْ مَعْرَكَةُ الْقَادِسِيَّةِ
بِقِيَادَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، ومرورًا بفتح الأندلس (92هـ)، وتحرير بيت
المقدس في موقعة حطين من الصليبيين المحتلين (583هـ)، ومعركة عين جالوت ضد التتار المعتدين
(658هـ)، ووصولاً إلى انتصار العاشر من رمضان (1393هـ) الموافق السادس من أكتوبر(1973م).
1 _ بدر الكبرى يوم الفرقان
ايها الاخوة هل من الصدفة
أن أول صدام حقيقي مع مشركي قريش كان في رمضان في غزوة بدر، وآخر صدام مع المشركين
كان -أيضًا- في رمضان في فتح مكة، هل يُعقل أن تكون صدفة؟! لا لأن الله قال سبحانه:
{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49
غزوة بدر الكبري أول
معارك الإسلام الكبرى، إن هذه الغزوة توجت بالنصر المبين في شهر الصيام وقعت الغزوة
الكبرى التي انتصر فيها الإسلام، والتي سميت في القرآن بيوم الفرقان، والتي قال النبي
فيمن حضرها، ((لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة))مسلم
فقد وقعت هذه الغزوة
في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة النبوية، أي بعد خروج المصطفى صلى
الله عليه وسلم من بلده مكة مهاجرا مطاردا من قبل مشركي مكة وقد تبعه أصحابه تاركين
أموالهم وبلادهم واستولى عليها المشركون.
وحقق الله تعالى لعباده
المؤمنين الصابرين النصر على عدوهم رغم قلة عددهم وعددهم، قال تعالى: ولقد نصركم الله
ببدر وأنت أذلة بسبب قلتهم ولكن الله تعالى نصرهم لصبرهم وثباتهم والله تعالى ينصر
المؤمنين الصابرين الصادقين
وَصَدَقَ اللَّهُ حَيْثُ
قَالَ فِي وَصْفِ هَذَا النَّصْرِ: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ
وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ
الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 126].
٢
_ علا التكبير بالنصر الكبير في العاشر من رمضان.
وفي 10 رمضان 1363هـ
(6 أكتوبر 1973م)، عبر الجيش المصري قناة السويس وحطم خط بارليف وألحق الهزيمة بالقوات
الصهيونية، في يوم من أيام العرب والإسلام الخالدة التي سطرها التاريخ في أنصع صفحاته
بأحرف من نور
إذن لا يوجد عدوٌّ من
أعداء الإسلام إلاَّ وحاربناه وانتصرنا عليه في رمضان؛ سواء كانوا مشركين أو صليبيين
أو تتارًا أو فرسًا أو يهودًا، ولا يأتي رمضان إلاَّ ونتذكر هذه الانتصارات، وهذه نعمة
عظيمة مَنَّ الله عز وجل بها علينا؛ لنظلَّ نتذكر الجهاد
والانتصار إلى يوم القيامة.
أيها المسلمون فلنجعل
هذا الشهر شهر انتصار على الأحقاد والحسد والكراهية وفساد ذات البين، لنجعله شهر انتصار
على قطيعة الأرحام والعجز والكسل والغفلة، لنجعله شهر انتصار على الشيطان ووساوسه وكيده،
لنجعله شهر انتصار على الذنوب والمعاصي وتسويف التوبة، شهرًا للانتصار على خذلان المستضعفين
وترك المظلومين.
٣
_عين جالوت
وقعت في شهر رمضان المعركة
التي أنقذت الإسلام والمسلمين، تلك المعركة التي قامت أمة الإسلام بعدها من غفلتها
واختلافها، وقامت تحت قيادة واحدة، هذه المعركة هي معركة عين جالوت في 25 رمضان
658هـ (3 سبتمبر 1260م) واحدة من أكثر المعارك حسماً في التاريخ، أنقذت العالم الإسلامي
من خطر داهم لم يواجَه بمثله من قَبْل، وأنقذت حضارته من الضياع والانهيار، وحمت العالم
الأوروبي أيضاً من شر لم يكن لأحد من ملوك أوروبا وقتئذٍ أن يدفعه.
فقد ظهر جنكيز خان في
شمال الصين ومن ورائه جاء هولاكو يقود جيوشاً جرارة من المغول تلك التي تقدمت في البلاد
تقتل وتخرب وتدمر كل شيء؛ دمرت الحضارة ودور العبادة وأصبحت خطراً على البشرية جمعاء،
واندفعت هذه الجيوش الهمجية عبر إيران إلى العراق وجاءت بغدادَ فهدمت القصور وسفكت
الدماء وأحرقت الكتب ودمرت كل شيء، وبدأت مدن الشام تتساقط في أيديهم حتى وصلوا إلى
غزة، وازداد غرور المغول وتوحشهم. ولكن الله جنَّد من يتصدى لهم، وهو القائد (سيف الدين
قطز). زحف جيش المسلمين إلى عين جالوت في المنطقة التي تقع بين بيسان ونابلس بفلسطين،
وقاد المظفر قطز المسلمين، وكان المغول بقيادة (كتبغا)، ووجه الجيش الإسلامي هجوماً
قوياً شديداً على جموع التتار، وكسر شوكتهم، وعلت راية الإسلام، وانتهى اليوم الخالد
بانتصار المسلمين نصراً هائلاً أوقف زحف المغول، بعدما لم يكن يظن أحد في تلك الأيام
أنه ستقوم للإسلام قائمة؛ فقد رثا الشعراء والأدباء والخطباء الإسلام والمسلمين، ولم
يَدُر في خلد أحدمنهم أن عبداً مملوكاً سيعيد للإسلام والمسلمين هيبتهم ومجدهم الغابر.
٤
_ عامورية وغضبة
المعتصم
من أعظم المعارك الإسلامية
الرمضانية تلك التي تسببت فيها امرأة صرخت: وامعتصماه! فحركت نخوة الخليفة العباسي
المعتصم بالله فحرك جيشاً عرمرماً من قصر الخلافة إلى مدينة عمورية - التي هي إحدى
مدن الدولة البيزنطية - وحاصرها استجابة لنداء المرأة المسلمة التي استغاثت به، إنها
معركة فتح عمورية.
حيث اقتحم المعتصم بالله
العباسي حصون عمورية في مائة وخمسين ألفاً من جنوده ليجعل من غزوته غرة في جبين الدهر،
ودرة وتاجاً في تاريخ الإسلام، وتعود أسباب تلك المعركة إلى أنه قد نقل إلى الخليفة
المعتصم أن امرأة مسلمة حرة قد وقعت في يد جند الروم، فلما همُّوا بسبيها نادت: وامعتصماه!
وامعتصماه! فهز النداء نخوته وأثار رجولته، وقال: لبيك، لبيك، فنهض المعتصم ولبس لأمته
وتقلد سلاحه ثم ركب حصانه وصاح بالنفير وهو على أبواب قصره، وأقسم ألا يعود إليه إلا
شهيداً محمولاً على الأعناق، أو ظافراً منتقماً للمدينة الغالية المنكوبة والمرأة المسلمة
المغصوبة، وفي أرض المعركة قاتل الجيش المسلم الرومَ، ولم تغب شمس يوم 17 رمضان
223هـ (12 أغسطس 838م) إلا والمدينة العريقة العتيدة بأيدي المسلمين، وشوهد المعتصم
بن هارون الرشيد يدخلها على صهوة جواده الأصهب، وقد نكس رأسه خضوعاً لله وشكراً على
نعمائه؛ فأين من يسمع صرخات النساء المستغيثات؟ وأين من يسمع استغاثات الأطفال والعجائز
عباد الله اقول قولي
هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل
بين الزوجين مودة ورحمة، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي كان خير الناس لأهله،
أما بعد:
أيها المسلمون، إن من
أعظم صور حسن العشرة التي أرشدنا إليها الإسلام، أن يشارك الزوج زوجته في أعمال البيت.
لقد كان النبي ﷺ -وهو القدوة- في مهنة
أهله؛ يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويساعد في البيت، فإذا حضرت الصلاة خرج إليها.
إن مساعدة الزوج لزوجته
ليست انتقاصاً من رجولته، بل هي عين المروءة، ودليل على كمال الخلق، وسبب في دخول السرور
على أهل البيت. الزوجة ليست خادمة، بل هي أمانة ورفيقة درب، وتخفيف العبء عنها هو من
"حسن العشرة" الذي أمر الله به
فقد ثبت في الأحاديث
الصحيحة؛ أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في بيته يخدم نفسه وأهله؛ تواضعا منه
-صلى الله عليه وسلم- وتعليما لأمته التواضع والتراحم.
وقول عائشة -رضي الله
عنها- في الحديث: يعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم. لا يعني اقتصاره على خدمة نفسه
في الأمور المختصة به، أو التي لا يقدر عليها إلا الرجال في الغالب؛ فقد بينت -رضي
الله عنها- أنّه يكون في خدمة أهله.
ففي صحيح البخاري عن
الأسود قال: سألت عائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان
يكون في مهنة أهله، تعني خدمة أهله. فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.
اللهم اغفر لحينا وميتنا،
وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وحاضرنا وغائبنا.
وصلى الله وسلم وبارك
على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.