نعمة الرحمن بإدراك شهررمضان
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ
حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا
كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ أن اللهَ
كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ
وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:7071].
أَمَّا بَعْد:
فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كَلامُ اللهِ,
وَخَيْرُ الْهَدْيِ, هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَشَرّ الْأُمُور مُحْدَثَاتُهَا,
وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ, وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
عباد الله: إن من نعم الله الجزيلة، والجليلة
علينا التي أنعم علينا بها معشر المسلمين أن مد الله أعمارنا إلى هذا الشهر المبارك
شهر رمضان، الذي جعل الله عز وجل فيه من البركات العظيمة، وجعل فيه من الخير الكثير،
الذي يفرح به المؤمن، هذا الشهر الذي فضله الله سبحانه وتعالى وخصه بالبركات والفضائل
العظيمة، واختصه بإنزال القرآن فيه، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:185]، واختص
الله هذا الشهر من سائر الأشهر بأن جعل فيه فريضة الصيام التي أوجبها الله على المسلمين
في هذا الشهر المبارك:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *
أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:184]، وهي شهر رمضان بإجماع المسلمين، وفي ”الصحيحين“
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ
الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ،
وَصَوْمِ رَمَضَانَ».
فافترض اللهُ عز وجل علينا صيام هذا الشهر،
وجعل اللهُ في هذا الشهر هذه العبادة الكريمة الجليلة، عبادةُ الصيام التي يحبها الله
سبحانه وتعالى، وجعل هذه العبادة جُنَّةً لعباده من سخطه، وجُنَّة لعباده من النار،
وجُنَّة لعباده من الشياطين، فجعل هذه العبادة جُنَّة من الشرور.
وفي ”الصحيحين“ عَنْ أبي هريرة رضي الله
عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ»، وفي ”مسند
أحمد“ عَنْ أبي هريرة رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الصِّيَامُ
جُنَّةٌ، وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ.
وفي مسند أحمد عن عُثْمَانَ بْنِ أَبِي
الْعَاصِ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «الصِّيَامُ
جُنَّةٌ من النار كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ».
وروى أحمد أيضًا عَنْ جَابِرٍ رضي الله
عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ:
(الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ، وَهُوَ لِي وَأَنَا
أَجْزِي بِهِ).
وروى الإمام الترمذي عَنْ مُعَاذِ بْنِ
جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ،
وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ».
فهذا الصيام عبادة عظيمة يحبها الله، روى
الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أُمامة رضي الله عنه أنه قال –في حديث طويل-: فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ، مُرْنِي بِعَمَلٍ. قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا
مِثْلَ لَهُ».
وفي ”الصحيحين“ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ
يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا بَاعَدَ اللهُ، بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ
النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».
فهنيئًا هنيئًا معشر المسلمين أن تدركوا
هذا الشهر المبارك وتتقربوا إلى اللهِ بهذه العبادة العظيمة الجليلة التي يحبها الله
سبحانه، التي خصها الله سبحانه وتعالى بإبهام أجرها عن المسلمين.
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قال
الله تعالى: كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ له إلا الصَّومَ، فإنَّه لي، وأنا أجزي به، يَدَعُ
الطعامَ والشَّرابَ وشهوته مِن أَجْلي».
وقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ
عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلَخُلُوفُ
فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ».
هذه العبادة التي تجعل الإنسان يتحمل ترك
الطعام والشراب والشهوة لله ومن أجل الله، ولذلك يقول الله عز وجل: «يَدَعُ الطعامَ
والشَّرابَ وشهوته مِن أَجْلي».
أي عند أن كان ذلك من أجل الله؛ فإن الله
سبحانه وتعالى يثيبه الأجر العظيم الذي لا يعلم قدره إلا الله سبحانه وتعالى، «إلا
الصوم فإنه لي وأنا أجزي به».
فهي عبادة عظيمة افترض الله عز وجل على
المسلمين صيام هذا الشهر المبارك، وأكرمهم ربنا عز وجل إذا هم صاموه بالمغفرة؛ فلا
يخرج من هذا الشهر، وقد صامه إلا مغفورًا له بفضل الله ورحمته.
وفي ”الصحيحين“ عَنْ أبي هريرة قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا،
غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
إيمانًا وتصديقًا بفرضيته نتقرب به إلى
مولانا، ونحتسب الثواب لا لأنه عادة اعتادهُ الناس، بل نحتسب الأجر والثواب من الله
سبحانه، ينبغي على المؤمنين أن يعرفوا قدر هذه النعمة، وأن يجتهدوا في طاعة الله، وفي
الرجوع إلى مولاهم، وفي التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، إنها لبركات يراجع الإنسان
فيها ربه، ويرجع إلى ربه سبحانه، ويعرف تقصيره، ويتمم ما حصل منه من التقصير، يرجع
إلى الله بالتوبة والإنابة والاستغفار حتى يحقق تقوى الله الذي افترض الله علينا الصيام
من أجل تحقيق التقوى.
قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:183]، وقال الله سبحانه بعد ذكره آيات الصيام: ﴿كَذَلِكَ
يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة:187].
فالغاية هي تحقيق تقوى الله سبحانه وتعالى
والرجوع إلى الله سبحان وتعالى في هذه الموقف العظيمة، وفي هذه الأزمان المباركة التي
جعلها الله عز وجل للإنسان يراجع فيها ربه، يرجع إلى الله سبحانه وتعالى بندم واستغفار
وإنابة وحتى يغفر الله عز وجل له ذنوبه.
وفي ”صحيح مسلم“ عَنْ أبي هريرة، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ
إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا
اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ».
وروى الإمام أحمد في ”مسنده“ من حديث أبي
هريرة رضي الله عنه، وجاء عند ابن حبان أيضًا عن أبي هريرة أيضًا،
وجاء عن كعب بن عجرة عند الحاكم، وجاء عن
أنس عند أبي يعلى أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ:
«آمينْ، آمينْ، آمينْ». قِيلَ: يَا رسول الله، إِنَّكَ صَعِدْتَ الْمِنْبَرَ، فَقُلْتَ:
آمِينْ، آمِينْ، آمِينْ، فَقَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام أتَانِي فَقَالَ لِي:
مَنْ أدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلَم يُغفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ فَأبْعَدَهُ اللهُ،
قُلْ: آمِينْ، فَقُلْتُ: آمِينْ. وَمَنْ أدْرَكَ أَبَوَيْهِ أوْ أحدَهُمَا فَلَمْ يبرَّهما
فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ آمِينْ، فَقُلْتُ: آمِينْ. وَمَنْ
ذُكرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأبْعَدَهُ اللهُ،
قُلْ آمِينْ، فَقُلْتُ: آمِينْ».
شهر عظيم، جعل الله فيه ليلة هي خير من
ألف شهر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ
الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ
وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ* سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ
الْفَجْرِ﴾ [القدر:1-5].
إنه لشهر مبارك يجعلنا نجتهد في طاعة الله
سبحانه، نراجع فيه أنفسنا، كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في هذا الشهر ما لا
يجتهد في غيره وكان يقرأ من القرآن في كل ليلة ويعرضه على جبريل عليه السلام.
وفي ”الصحيحين“ عَنِ ابن عباس، قَالَ:
«كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا
يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ
مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ
بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ».
فعلينا أن نجتهد في طاعة الله سبحانه، ونجتهد
في هذه العبادة المباركة ونقدِّر نِعم الله جل وعلا الذي أمد أعمارنا؛ لإدراك هذا الشهر
المبارك، وللقيام بما أحبه الله سبحانه في هذا الشهر المبارك، والحمد لله رب العالمين.
🗯️🗯️ نعمة الرحمــــــــن بإدراك شهر رمضان 🗯️🗯️
. 🗯️الخطبة الثانية🗯️
الْحَـمْدُ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ،
وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا،
مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا
مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ
أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
عباد الله؛ ومما يحبه الله منا في هذا الشهر
المبارك، ويحب أن نقوم به هو قيام هذا الشهر المبارك، قيام لياليه، وقد قَالَ رَسُولَ
اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ
لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
فيا أيها المسلم لا تفرط بهذا الخير ولا
تجعله يفوتك فتندم بعد ذلك أشد الندم، حافظ على قيام هذا الشهر المبارك وصبِّر نفسك
فإن ذلك سبب لغفران الذنوب، «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا».
إيمانا وتصديقا بهذه العبادة وإيمانا باستحبابها
وبشرعيتها واحتسابا للأجر والمثوبة من الله سبحانه وتعالى، لا من أجل الناس، ولا من
أجل عادة اعتادها الناس، فاحرص على قيام هذه الليالي، وهي ليالي مباركة يقوم فيها الإنسان
لربه سبحانه وتعالى، وإذا حضر الجماعة كان في ذلك الخير، وهو أنشط له، وأعون له على
عبادة الله سبحانه وتعالى، وهذا الذي ننصح به، والذي نحث المسلمين عليه حضور الجماعة،
ولكن من شُغل عنها فليصل في بيته، فإنه بإذن الله إذا صلى الصلاة كما أرادها الله سبحانه
وتعالى، فهو مكتوب له أيضا القيام.
فعلى المسلم أن يحرص على قيام هذا الشهر
المبارك، وأن يحرص على تربية نفسه بطاعة الله سبحانه.
ويستغل هذه الأوقات المباركة بتلاوة القرآن،
فكما سمعتم في الحديث المتقدم: «وَكَانَ يَلْقَاهُ صلى الله عليه وسلم جبريل فِي كُلِّ
لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ» فهذا الشهر المبارك أيها المسلم
أقرأ فيه كتاب ربك، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ
وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ
* لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾
[فاطر:29-30].
أقبل على قراءة القرآن الذي فيه هداية للقلوب
وشفاء للصدور وفيه الهدى والنور، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ
مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ
* قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا
يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:57-58].
هذا الكتاب العظيم الذي فيه عصمتنا، والذي
فيه هدايتنا والذي فيه اجتماع المسلمين والذي فيه الشفاء هذا هو الذي ينبغي للمسلمين
أن يقبلوا عليه وأن لا يهجروه
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي
اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:30]، فنعوذ بالله من هجرانه، أقبلوا
على قراءة القرآن وعلى تلاوة القرآن، وتدبر القرآن، وقراءة تفسير القرآن ففيه عصمتنا
وفيه هدايتنا وفيه شفاؤنا:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ
مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
﴾ [يونس:57]، ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة:1-2].
فيه هدايتنا عباد الله فلنقبل على قراءة
هذا الكتاب العظيم الذي: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ
خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:42]، الذي أنعم الله على هذه الأمة
بحفظه من التحريف والتبديل، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
[الحجر:9]، ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ
هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾
[الإسراء88]، فهي والله نعمة عظيمة.
وعلى المسلم أن يربي نفسه في هذا الشهر
المبارك على حفظ نفسه من المعاصي والذنوب، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
«قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا
أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ
يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي
امْرُؤٌ صَائِمٌ».
احذر على نفسك أيها المسلم أن تُفرْط على
نفسك بكثرة الذنوب والمعاصي.
وفي ”صحيح البخاري“ عَن أبي هريرة رضي الله
عنه قالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ لم يَدَعْ قوْلَ الزُّورِ وَالعملَ
بِه، والجهلَ، فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ في أَن يَدَعَ طَعامَهُ وشرابَهُ».
وروى الإمام أحمد في ”مسنده“ عَنْ أبي هريرة
رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ
مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ»،
فعلى المسلم أن يرّبي نفسه على طاعة الله سبحانه وعلى تقوى الله، وأن يعوِّد نفسه على
طاعة الله جل وعلا، وأن يبتعد عن الذنوب والمعاصي التي تذهب عليه أجر صيامه نعوذ بالله.
وفي هذا الشهر أيضا يتعلم المسلم الصبر
على طاعة الله سبحانه؛ عند أن يصبر على طعامه وشرابه وعن شهوته، وعند أن يصبر أيضًا
على سباب الناس، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:10]،
وعند ذلك أيضا يتذكر الإنسان ويتحسس حال الفقراء والمساكين الذين هم في حاجة في طوال
أيامهم وأشهرهم، فعند ذلك ينفق في هذا الشهر مما أتاه الله.
وكما سمعت في حديث ابن عباس: «كَانَ رَسُولُ
اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ»،
عند ذلك يشعر الإنسان بحاجة الفقراء والمساكين فينفق مما أتاه الله ابتغاء الأجر والمثوبة
من الله سبحانه.
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ
مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:261].
وفي ”الصحيحين“ عَنْ أبي هريرة رضي الله
عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ
مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّا الطَّيِّبُ، فَإِنَّ اللهَ
يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ
فُلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ».
انظروا إلى الصدقة التي أخلص بها صاحبها
لله، والتي أراد بها الأجر والمثوبة من الله لا يريد بها رياء ولا سمعة، ولا يريد بها
منزلة عند الخلق، وإنما أردا بها الأجر والمثوبة:
«مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ
كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا
بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ،
حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ».
وفي ”مسند أحمد“ من حديث عُقْبَةَ بْنَ
عَامِرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كُلُّ امْرِئٍ
فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ - أَوْ قَالَ: يُحْكَمَ بَيْنَ
النَّاسِ».
وفي الصحيحين عَنْ أبي هريرة رضي الله عنه،
عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ
يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ –وذكر منهم-: وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا
حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ».
فعلى المسلم أن يجتهد في طاعة الله سبحانه
وتعالى، وأن يجعل هذه الأوقات المباركة، وهذه الأزمان التي أنعم الله بها علينا، وضاعف
الله بها الأجور، وخصها الله بالبركات فليجعلها المسلم روضة من الرياض التي يتربى بها
على طاعة الله سبحانه وتعالى، والتي يعمِّرها بطاعة الله سبحانه.
عباد الله؛ ما زلنا مستقبلين هذا الشهر
فاجتهد فيه من أوله قبل أن يذهب عليك فتندم في أواخره، فما زلت في أوله فاحمد الله
أن مد الله في العمر، وإن أدركت الشهر فاجتهد فيه وبادر واستعن بالله، ليس الاجتهاد
بقوة ولا بحرص ولا بذكاء إنما هي معونة من الله، فليكن من دعائك: «اللهم أعني على ذكرك،
وشكرك وحسن عبادتك» أكثر من هذا الدعاء واجتهد في طاعة الله، وأكثر من قولك: «لا حول
ولا قوة إلا بالله»، فإن هذا من أساب معونة الله لك على الاجتهاد في هذا الشهر المبارك.
اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم اجعلنا
ممن يصوم هذا الشهر، ويقومه إيمانا واحتسابًا، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب
علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم.