إيمانًا واحتسابًا… بين المغفرة والهلاك!
كأننا كنا بالأمس نتبادل التبشير بقدومه،
واليوم نحن في الجمعة الثانية!
لقد انقشع غبار البدايات.. وهدأت فورة العاطفة..
وبدأ الميدان يخلو إلا من الصادقين.
قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ
عَمَلًا﴾.
في الأسبوع الأول، الكل كان يهرع للمساجد،
والكل كان يرفع المصاحف.. لكن اليوم؟ ....
اليوم يتمايز الصف!
اليوم يسقط الموسميون ، الذين ظنوا أن رمضان
مجرد سباقٍ لعدة أيام،
ويبقى "المحتسبون" الذين يعرفون
قدر الجائزة في النهاية.
يا عباد الله..
قفوا معي وقفة تدبر تهز الوجدان،
وانظروا إلى هذا الترتيب النبوي الذي يحمل
سراً عجيباً.
لقد كرر نبيكم ﷺ جملة واحدة، وضعها كشرطٍ وحيد في ثلاث
محطات كبرى، وكأنه يضع لنا "خارطة الطريق" للنجاة.
فقال ﷺ: (من صام رمضان..)،
ثم قال: (من قام رمضان..)،
ثم ختمها بالذروة: (من قام ليلة القدر..).
وفي كل مرة، كان يختم بنفس الشرط:
(إيماناً واحتساباً)!
لماذا هذا الإصرار النبوي على هذه الكلمة؟
لأن النبي ﷺ يريد أن يحيطك بالمغفرة من كل جانب؛
فجعل لك في النهار جهاداً (بالصيام) لتربية
النفس على ترك الشهوات،
وجعل لك في الليل معراجاً (بالقيام) لتربية
البدن على ترك الراحة،
حتى إذا ما تهذبت النفس في النهار، وصفا
القلب في الليل، أصبحت أهلاً للجائزة الكبرى في ليلة القدر.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ
بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾.
إنها ثلاثية "صناعة الإنسان"؛
صيامٌ يطهر الظاهر،
وقيامٌ ينور الباطن،
وليلةُ قدرٍ تمحو تاريخاً كاملاً من الذنوب!
ولكن.. قفوا هنا! واسمعوا بقلوبكم:
لماذا لم يقل النبي ﷺ "من صام وتعب"؟ أو "من
قام واجتهد"؟
لماذا علّق المغفرة كلها على شرطين: (إيماناً
واحتساباً)؟
لأن هذا هو "ميزان القبول"؛
فكم من صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع،
وكم من قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر!
إيماناً: أي تصديقاً بأن هذا الفرض من الله،
لا تصوم "عادةً" لأن الناس صاموا،
ولا تقوم "حياءً" من جيرانك في
المسجد.
فصلاتك وصيامك لله، لا للمجتمع.
أما الاحتساب.. فهو سرُّ الأسرار!
أن تطلب الأجر من الله وحده..
فالمحتسب: لا يشتكي طول القيام، لأن عينه
على الجنة.
المحتسب:لا يتأفف من الجوع والعطش، لأنه
ينتظر الريّ عند الحوض.
المحتسب: لا يمنّ على الله بعمله، بل يرى
الفضل لله أن بلّغه رمضان.
"يا بن آدم، أنت لا تصوم لتجوع، أنت تصوم
ليعيد الله ترتيب قلبك.
فإذا قلت (تعبت)، تذكر (احتسبت).
فالأنفاس التي تخرج منك في صلاة التراويح
ليست ضائعة، إنها مكتوبة في ديوان (غُفر له ما تقدم من ذنبه)."
فيا من دخلت رمضان بذنوبٍ كجبال تهامة..
يا من أثقلت كاهلك الأوزار حتى انحنى قلبك
وجعاً..
اسمع بشارة نبيك، وانصت لنداء ربك.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.
في كل حديث من هذه الثلاثة،
الختام واحد،
والجزاء واحد،
والهدف واحد:
(غُفر له ما تقدم من ذنبه).
تخيل جلال المشهد!
صفحة بيضاء تماماً.. كأنك لم تعصِ الله
يوماً،
كأنك لم تزلّ قدُمك أبداً، وكأنك وُلدت
هذه اللحظة!
هل أذنبت في عامك الماضي؟
(إيماناً واحتساباً) تمسح السواد وتكتبك
في ديوان الصالحين.
هل أعرضت عن نداء ربك في أيام غفلتك؟
(إيماناً واحتساباً) تجبُّ ما قبلها وتصل
ما انقطع بينك وبين السماء.
تأملوا يا عباد الله.. العلاقة العجيبة
في كرم الله:
لماذا ثلاث فرص؟ ولماذا ثلاث محطات؟
لأن الله الجليل يعلم ضعفك، يعلم أنك قد
تفتر في نهارك فشرع لك الصيام، وقد تكسل في ليلك ففتح لك باب القيام، فإذا كنت من
"المجاهدين" في صيامك وقيامك، كافأك بالجائزة الكبرى التي لا تشبهها جائزة:
(ليلة القدر).
إنه كرمٌ يفوق الوصف!
إن فاتتك نفحات النهار، أدركتك بركات الليل..
وإن تعثرت في أوائل الشهر، فليلة القدر
تمحو عثرات الدهر كله!
ليلة واحدة.. تمحو ذنوب ثمانين سنة!
أيُّ إلهٍ رحيم هذا؟ وأيُّ ملكٍ غفورٍ هذا
الذي يطاردك بالمغفرة في كل وقت؟
ولكن.. واسمعوا هذه الصرخة:
أيُّ خسارةٍ هذه التي تلاحق من خرج من رمضان
بذنبه؟
أيُّ حرمانٍ أن يُفتح باب الجنة حتى يُظن
أنه لن يُغلق، ثم تظل أنت في مكانك؟
أيُّ خيبةٍ أن ينزل الله في كل ليلة إلى
السماء الدنيا ينادي: (هل من مستغفر فأغفر له؟)، وأنت مشغولٌ بهاتفك، أو بحديثك، أو
بنومك؟
يا عباد الله.. إن العبد المحروم ليس من
فَقَدَ المال، بل المحروم من أدرك ثلاث فرص للمغفرة (صياماً وقياماً وليلة قدر) ثم
خرج وصحيفتُه لا زالت سوداء!
الله عز وجل يفتح الطريق للتائبين، ويقول
لك:
(يا بن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء،
ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي).
فيا خجلة النفس من كرم الله.. ويا لضيعة
العمر إن لم نكن في هذا الشهر من العتقاء!
🔹 "عباد الله، مضى ما يقرب من ثلث رمضان والسباق
اشتد.
فلا تكن ممن بدأ بالدموع وانتهى بالهجوع!
تذكروا أن العبرة بكمال النهايات لا بنقص
البدايات.
قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾.
🔹 من كان منكم قد قصر في الأسبوع الأول، فالباب
لا يزال مفتوحاً.
(من قام) لا تزال قائمة،
و(ليلة القدر) قادمة.
فاجعل شعارك من اليوم: يا رب، صياماً إيماناً
واحتساباً، وقياماً إيماناً واحتساباً، حتى ترضى وتغفر."
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه...
🔵 الخطبة الثانية 🔵
المقدمة
أما بعد ...
🔹️أيها الأحبة الكرام.....
هناك مشهدٌ مخيف، لو تخيله المؤمن لطار
النوم من عينه.
تخيل أنك تقف يوم القيامة، ومعك جبالٌ من
صيام رمضان، وأميالٌ من صفوف القيام، ومعك "صك مغفرة" لأنك قمت ليلة القدر..
وفجأة!
🔥 يأتي رجلٌ فيقول:
يا رب، هذا صام وقام، ولكنه سبّني!
ويأتي آخر: يا رب، هذا سجد وبكى، ولكنه
أكل مالي!
وتأتي امرأة: يا رب، هذا قرأ القرآن، ولكنه
خاض في عرضي!
قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ
لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾.
🔥 يا مؤمنون.. أتدرون ما هي المصيبة؟
أن يُؤخذ من "رصيد مغفرتك" الذي
جمعته في هذه الأيام لتُعطى لخصومك..
حتى إذا فنيت مغفرتك، ولم يبقَ معك شيء،
أُخذ من سيئاتهم فطُرحت عليك، ثم طُرحت في النار!
🔥 هذا هو "المفلس"! هو الذي بنى
في النهار وهدم في المغرب..
هو الذي "بيّض" صحيفته بالدموع،
ثم "سوّدها" بالغيبة والنميمة وفجر الخصومة.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي
نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾.
🔥 يا عبد الله.. إن الله الذي أمرك بالصيام
(إيماناً واحتساباً)، هو الذي حرم عليك الظلم!
والنبي الذي بشرك بـ (غُفر له ما تقدم من
ذنبه)، هو الذي حذرك من (المفلس)!
فيا من صمت نهارك.. لا تفطر على لحم أخيك بغيبته.
ويا من قمت ليلك.. لا تمشِ في نهارك بالظلم
والقطيعة.
ما الفائدة أن تجوع عن "الحلال"
(الطعام والشراب)، ثم تأكل "الحرام" (الأعراض والحقوق)؟!
إن "المغفرة" التي جئنا نطلبها
اليوم ليست مجرد دموع في صلاة التراويح،
إنما هي "أخلاق" تمشي على الأرض.
إذا لم يغير رمضان فيك طبعاً، ولم يكسر
فيك كبراً، ولم يطهر منك لساناً.. فراجع "احتسابك"، فربما أنت تجمع الحسنات
في "كيسٍ مقطوع"!
فاحذروا أن تخرجوا من هذا الشهر بصفرٍ كبير،
بعد أن كنتم تملكون كنوزاً من المغفرة.
الدعاء.....
أقم الصلاة...
___________
✍ مسموح بالنشر والإقتباس مع ذكر المصدر(
صفحة أنفاس التائبين للشيخ محمد إبراهيم سالم )
فالأمانة العلمية من الدين.. جزاكم الله
خيرا
🤝
#إيمانًا_واحتسابًا #سر_النجاة #صيام_وقيام
#ليلة_القدر #مفتاح_الجنة_أو_الفخ #رمضان_الفرصة
#لا_تفلس_في_رمضان
مزارع ابو