فخريات الإسراء والمعراج (2)
(قبل أن تسأل: كيف؟ قُل: سُبْحَانَ)
حين افتتح
اللهُ حديثَ الإسراء والمعراج بكلمة ﴿سُبْحَانَ﴾ لم يكن ذلك مجرد تمهيد لغوي، بل
كان تهيئةً للقلوب قبل العقول، وفتحًا لباب الدهشة والتعظيم؛ فـ(سبحان) كلمةُ
تنزيهٍ تُطهِّر الفكر من قيود القياس البشري، وترفع الإنسان من عالم الممكن إلى
أفق القدرة المطلقة.
لم يقل القرآن
الكريم: كان الإسراء أو حدث الإسراء، بل قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾، ليؤكد
أن القضية ليست في المسافة، ولا في الزمن، ولا في الجسد، وإنما القضية في من فعل.
فهناك ثمّة
رحلةٌ أرضيةٌ اتجه فيها النبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهناك مسافةٌ
معلومةٌ في حساب البشر بين المسجدين، ومع
ذلك شهد ﷺ خلالها مشاهدَ وآيات، ووقف بوضوح على دلائلَ وعلاماتٍ صدّقها الواقع؛
حيث أخبر عنها بعد الرحلة ، وكلّ ذلك في زمنٍ يتجاوز مقاييس السرعة المعهودة عند
البشر. فكيف حدث هذا مع السرعة التي كان عليها ﷺ؟
ثم يأتي
المشهد الأعجب: لقاءُ النبي ﷺ بالأنبياء (عليهم السلام) في بيت المقدس، أولئك
الذين انتقلوا إلى عالم البرزخ، ولكلّ عالمٍ قوانينه، فكيف التقى قانونُ الأحياء
بقانونِ الأموات؟ وكيف اجتمع الزمنان والمقامان في لحظةٍ واحدة؟
ثم يؤمُّ
النبي ﷺ الأنبياءَ (عليهم السلام) صلاةً، مع أن الصلاة المفروضة لم تكن قد شُرعت
بعد، إذ سَتُفرض في رحلة العروج. فما هذه الصلاة إذن؟ أهي صلاةُ تشريع؟ أم كانت
صلاةَ جامعةٍ للنبوات، وإعلانَ تقديمٍ إلهيٍّ لا تكليفَ فيه ولا فرض؟
ثم تبدأ رحلةُ
العروج، حيث الصعود الذي لا يخضع لمقاييس البشر، ولا يُقاس مداه بالسنوات المعتادة
بل يُقاس بالسنوات الضوئية، وإذا كان أقرب النجوم إلى الأرض يقاس بملايين السنين
الضوئية، والثانية الضوئية الواحدة تعدل بمقاييس البشر ٣٠٠٠٠٠ ثلاثمائة ألف كيلو
متر، فإذا أردنا مثلا الصعود وقطع هذه السنين الضوئية، فالعقل البشري حين يحاول
تفسير هذا الصعود بمركبةٍ فضائية، أو وقودٍ، أو زمنٍ، إنما يُسقِط قوانينه
المحدودة على مشهدٍ لا تحكمه تلك القوانين.
فأين المركبة
التي تمتطي صهوة هذه المسافات السحيقة؟
وأين الوقود
الذي يُسيِّرها؟
وأين الإنسان
الذي يعيش دهورًا ليقطع هذه الأبعاد؟
ثم يأتي حاجز
الغلاف الجوي، وقد عُلم أن الضغط يقلّ كلما ارتفعنا، وأن لهذا الغلاف وظائفَ
حيوية، منها حجبُ إشعاعاتٍ لو نزلت على الأرض لأحرقت ما فيها. فكيف تمّ تجاوز هذا
كله؟
ثم مع هذا
الصعود، كيف يُواجَه نقصُ الأكسجين، وتلاشي الضغط، وحلولُ الظلام الدامس؟ كيف كانت
الرؤية؟ وكيف كان التنفّس؟
ثم يرتقي ﷺ
سماءً بعد سماء، حتى يبلغ سدرةَ المنتهى، حيث تنتهي علوم الخلائق، وتتوقف مقاييس
الإدراك، ويصمت العقل إجلالًا، وتخشع الأرواح هيبةً.
أسئلةٌ كثيرةٌ
قد تدور في الأذهان حول هذه الرحلة، لكنها رحلةٌ لم يكن فيها زمنٌ بالمعنى
المألوف، ولا مكانٌ بالقياس المعروف.
وقبل أن يُعمل
العقل حساباته، وقبل أن يندهش القلب، وقبل أن يتحيّر الفهم… بدأ الحقُّ سبحانه
الحديث عن هذه الرحلة بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾؛ ليُعلِّمنا
أن هذا المقام لا يُستقبل بالقياس، بل بالتنزيه، ولا يُفهم بالمادة، بل بالإيمان.
فالإسراء
والمعراج ليسا مجرد قصة انتقال، بل درسٌ عظيم في التوحيد، ورسالة طمأنينة تقول لكل
قلب مثقل:
إذا كان الله
هو الفاعل، فلا تسأل: كيف؟ ولا تقل: هل؟ بل قُل بقلبك قبل لسانك: سبحان الله.
إن كلمة
(سبحان) تعني : تنزَّه الله أن تعجزه المسافات، تنزَّه أن يقيده زمن، تنزَّه أن
تحكمه قوانين خلقها هو بقدرته.
وهكذا كانت
(سبحان) مفتاح الرحلة؛ من دخل منها سَلِم قلبه، ومن تجاوزها تعثّر عقله وغاب عن سر
المعراج.
وقد ذكر
السادةُ العلماءُ أن افتتاحَ سورةِ الإسراء بكلمةِ التَّسبيحِ من دونِ سبْقِ كلامٍ
مُتضمِّنٍ ما يجِبُ تَنزيهُ الله عنه؛ يُؤذِنُ بأنَّ خبرًا عجيبًا يستقبِلُه
السَّامعونَ، دالًّا على عظيمِ القُدرةِ من المُتكلِّمِ (وهو الله عز وجل) ،
ورَفيعِ مَنزلةِ المُتحدَّثِ عنه( وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
).
ومن عرف معنى
التسبيح سَهُل عليه التصديق، وأدرك أن السماء ليست بعيدة على من نُزِّه عن الحدود.
هكذا يبدأ القرآن حديث الإسراء: بتنزيهٍ يرفع العقول، ويهيئ القلوب، ويعلن أن ما
سيأتي فوق المألوف بمقاييس العباد… لأنه من ربِّ العباد.
انتظرونا
الفخرية القادمة تأتي تحت عنوان
(العقل وقانون
الإدراك في الإسراء والمعراج)
اللهم صل على نور الأنوار