recent
أخبار عاجلة

فخريات الإسراء والمعراج (3) د/أسامة فخري الجندي

 فخريات الإسراء والمعراج (3)


العقل وقانون الإدراك في الإسراء والمعراج

العقل حين يُحسن التوقّف: فلسفة الإدراك في معجزة الإسراء والمعراج

الإسراء والمعراج: درس في أدب العقل مع القدرة الإلهية


حينما يَرِدُ الحدثُ في النصِّ القرآني، فإن أول واجبٍ على المؤمن هو الإيمانُ به؛ لأنه صادرٌ عن الحق سبحانه وتعالى، الذي قال في محكم تنزيله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.

وعندئذٍ لا يصحُّ لعقولنا المحدودة أن تُخضع أفعالَ الله وقوانينه لميزان القوانين الأرضية، أو أن تُحاول فهم الفعل الإلهي بأدوات البشر ومقاييسهم؛ لأن قياس الخالق على المخلوق هو أصلُ الوهم والخلل في الفهم.

وآيةُ الإسراء والمعراج – بما اشتملت عليه من انتقالات ومشاهد ومقامات – وقعت في زمنٍ لا يخضع لحساباتنا المعتادة، بل تمَّت في لحظاتٍ معدودات، خارج نطاق الزمان الذي نألفه. ومن هنا كان البدء الإلهي لهذا الحدث الجليل بكلمة:﴿سُبْحَانَ﴾، وهي كلمةُ تنزيهٍ مطلق، تُحرِّر العقل من إسقاط القوانين البشرية على الفعل الإلهي، وتقطع كل محاولةٍ للمقارنة بين قدرة الإنسان المحدودة، وقدرة الله غير المتناهية.

فالعقل – مهما بلغ من سعة التأمل وقوة التحليل – يظلُّ محدودَ المدارك، محكومًا بإمكاناته وآلياته.

وقد تعلَّمنا من مشايخنا أن قضية الإسراء والمعراج تدور بين ركنين:

يقين المؤمن بصدق رسول الله ﷺ، ومحاولة العقل أن يفهم.

وهنا يأتي السؤال الجوهري:

هل استطاع العقل البشري أن يُحيط بكل قضايا الكون فهمًا وإدراكًا؟

إن التاريخ الإنساني شاهدٌ بأنَّ العقلَ وقف أمام كثيرٍ من الظواهر عاجزًا عن تفسيرها، ثم مع تقدُّم الزمن وتطوُّر العلوم أخذت بعض هذه الأسرار تنكشف شيئًا فشيئًا، حين أذن الله بظهور أسبابها. فما شاء الله أن يُظهِره لنا من أسرار الكون يسَّر له طريق الاكتشاف والاختراع. ومن ثمَّ فالأرض التي نعيش عليها هي كوكبٌ (معلومٌ مجهول): معلومٌ بما فتح الله به على العقل من علم، ومجهولٌ بما لا يزال مودَعًا فيه من خزائن الأسرار والمعارف.

وإذا كان العقل وسيلةً من وسائل الإدراك، فإنه محكومٌ بقانونٍ لا يستطيع تجاوزه، وهو (قانون النظر)؛ أي التفكُّر والتأمُّل والتدبُّر، فالعقل لا يُدرك كل شيء إدراكًا مطلقًا، بل يقف عند حدود هذا القانون.

ولنأخذ مثالًا لتوضيح المقام: العين مثلًا هي وسيلة إدراك، ولها قانون يحكمها، وهو قانون (الرؤية)، فإذا رأيتَ شخصًا قريبًا منك ، فإنك تراه بكل وضوح وتدرك ملامحَه وتعبيراته ، فإذا ابتعد عنك هذا الشخص فإنك تراه يصغُر تدريجيًّا حتى يختفي عن عينك ونظرك، وكذلك الأذن فهي وسيلة إدراك ، ولها قانون يحكمها، وهو قانون (السمع) فأنت تستطيع بأذنك أنْ تسمعَ صوتًا ما ، فإذا ابتعد عنك هذا الصوت قَلَّ سَمْعُك له، حتى يتوقف إدراكُ الأذن فلا تسمع شيئًا. ومن هنا لما أراد العلماء التغلُّبَ على قانون العيْن وقانون الأذن حينما تضعف هذه الحاسة (الرؤية أو السمع) وتعجز عن أداء وظيفتها، صنعوا للعين النظارة والميكروسكوب والمجهر والتليسكوب ...... ، وهذه وسائل حديثة تُمكِّن العين من رؤية ما لا تستطيع رؤيته.

وكذلك صنعوا سماعة الأذن لتساعدها على السمع إذا ضعفت عن أداء وظيفتها. كذلك العقل كوسيلة إدراك له قانون، وليس الإدراك فيه مطلقًا.

وكذلك العقل؛ له قانونٌ يحكمه، ولا يملك أن يتجاوزه بذاته. ومن هنا قال الشيخ الشعراوي (رحمه الله): فكل وسيلة إدراك لها قانونها، وكذلك العقل، وإياك أنْ تظنَّ أن عقلك يستطيع أن يدرس كل شيء، ولكن إذا حُدِّثْتَ بشيء فعقلك ينظر فيه، فإذا وثقته صادقًا فقد انتهت المسألة، وخذ ما حُدّثت به على أنه صدق.

وهذا المعنى تجلَّى بأسمى صورةٍ في موقف الصدِّيق أبي بكر (رضي الله عنه)، حين أُخبِر بخبر الإسراء، فقال كلمته الخالدة:

(إن كان قال فقد صدق).

فحجته لم تكن خوضًا في الكيف، ولا جدلًا في الإمكان، بل كانت يقينًا في صدق الرسول ﷺ. ثم قال: (كيف لا أصدقه في هذا، وأنا أصدقه في خبر الوحي يأتيه من السماء؟) .

وهكذا تتجلى حقيقة الإيمان:

العقلُ له مجاله (المحدود)، فإذا ثبت الصدق سكن العقل واطمأن القلب.

انتظرونا غدا مع فخرية جديدة في رحاب الإسراء والمعراج

اللهم صلِّ على سيدنا محمد صلاةً تجمع بها روحَ المُصلَّى عليه بروح المُصلِّي عليه

اللهم آمين.

 أسامة_فخري_الجندي

 

 

google-playkhamsatmostaqltradent