مِنْ دُرُوسِ الإِسْرَاءِ
وَالمِعْرَاجِ جَبْرِ الْخَوَاطِرِ
عبادَ الله :(( مِنْ دُرُوسِ
الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ (جَبْرِ الْخَوَاطِرِ))، عنوانُ وزارتِنَا وعنوانُ
خطبتِنَا.
عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
أوَّلًا: الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ
حَادِثٌ جَلَلٌ.
ثَانِيـــًا: مِن أَعْظَمِ دُرُوسِ
الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ جَبْرُ الْخَاطِرِ.
ثَالِثـــًا وَأَخِيرًا: وَمَنْ
مَظَاهِرِ جَبْرِ الْخَاطِرِ ؟
أَيُّهَا السَّادَةُ: مَا أَحْوَجَنَا
فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا مِن
دُرُوسِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ جَبْرَ الْخَاطِرِ، وَخَاصَّةً وَبِدُونِ
مُقَدِّمَاتٍ عِندَمَا يَهِلُّ هِلالُ شَهْرِ رَجَبٍ، يَدُورُ فِي عَقْلِ وَخَاطِرِ
كُلِّ مُسْلِمٍ حَادِثُ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ، ذَلِكَمُ الْحَادِثُ الَّذِي
لَا يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ يَمُرَّ مَرَّ الْكِرَامِ، أَوْ لِمُجَرَّدِ
الْقِصَّةِ، أَوِ التَّسْلِيَةِ، أَوْ كَانَ يَا مَا كَانَ فِي سَالِفِ
الْأَيَّامِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ لَابُدَّ أَنْ نَقِفَ مَعَهُ وَنَتَذَكَّرَهُ دَائِمًا
وَأَبَدًا، ذَلِكَمُ الْحَادِثُ الَّذِي يُعْتَبَرُ بِمَثَابَةِ نُقْطَةِ الْبِدَايَةِ
لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، ذَلِكَمُ الْحَادِثُ الَّذِي بَيَّنَ أَهْلَ
الْإِيمَانِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَأَهْلَ التَّوْحِيدِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ
وَبَيَّنَ قَوِيَّ الْإِيمَانِ مِنْ ضَعِيفِ الْإِيمَانِ، تَلْكُمُ الْمُعْجِزَةُ
الزَّمَنِيَّةُ لِلْمُصْطَفَى الْعَدْنَانِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
فَبِحَادِثِ الْإِسْرَاءِ يَكُونُ الْمَوْلَى جَلَّ وَعَلَا جَهَّزَ نَبِيَّهُ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَجْهِيزًا كَامِلًا لِتَحْمُلِ الرِّسَالَةِ
وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ بِصِدْقٍ وَإِخْلَاصٍ وَقُوَّةٍ وَعَزِيمَةٍ وَإِصْرَارٍ،
نَعَمْ أَيُّهَا الْأَخْيَارُ لَقَدْ كَانَ حَادِثُ الْإِسْرَاءِ مُكَافَأَةً
رَبَّانِيَّةً وَجَبْرًا لِخَاطِرِهِ لِمَا لَاقَاهُ النَّبِيُّ الْعَدْنَانُ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَتَاعِبَ وَآلَامٍ وَأَحْزَانٍ كَثِيرَةٍ
وَكَثِيرَةٍ…
وَخَاصَّةً وَأَنَّ أَصْحَابَ
الْقُلُوبِ الْمُنْكَسِرَةِ كَثِيرُونَ، وَكَثُرَ الْجَشَعُ وَالطَّمَعُ وَطَغَتْ
الْمَادَّةُ وَالشَّهَوَاتُ عَلَى الْقِيَمِ وَالْمَثَلِ، وَانْتَشَرَتْ
الْخِلَافَاتُ الْأُسَرِيَّةُ وَالزَّوْجِيَّةُ، وَكَثُرَتْ الْمَشَاكِلُ وَكَثُرَ
الطَّلَاقُ وَكَثُرَ الْحِقْدُ وَالْبَغْضَاءُ وَالْكَرَاهِيَةُ،
وَالسَّبَبُ: عَدَمُ جَبْرِ
الْخَوَاطِرِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَخَاصَّةً وَجَبْرُ
خَوَاطِرِ النَّاسِ عِبَادَةٌ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَنْفَعُ
الْإِنْسَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْفَعَ غَيْرَهُ، فَمَن سَارَ جَابِرًا لِخَوَاطِرِ
النَّاسِ جَبَرَ اللَّهُ خَاطِرَهُ، وَمَن سَارَ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ
قَضَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَوَائِجَهُ، وَخَاصَّةً وَأَنَّ خِدْمَةَ النَّاسِ
وَمُسَايَرَةَ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ وَجَبْرَ خَوَاطِرِهِمْ
دَلِيلٌ عَلَى طِيبِ الْمَنْبَتِ، وَنَقَاءِ الْأَصْلِ، وَصَفَاءِ الْقَلْبِ،
وَحُسْنِ السَّرِيرَةِ، وَرَبُّنَا يَرْحَمُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءِ..
وَخَاصَّةً وَكُلُّنَا فِي حَاجَةٍ إِلَى
جَبْرِ خَوَاطِرِنَا مِنْ رَبِّنَا، وَخاصَّةً وَكُلُّنَا فِي حَاجَةٍ إِلَى
جَبْرِ خَوَاطِرِنَا مِن رَبِّنَا جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ
فَهُوَ سُبْحَانَهُ صَاحِبُ المِنِّ وَالفَضْلِ وَالجُودِ وَالْكَرْمِ ..
جَعَلَنَا اللّٰهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْهُم بِمِنِّهِ وَجُودِهِ وَكَرْمِهِ وَلِلّٰهِ
دَرُّ القَائِلِ:
اقْضِ الحَوَائِجَ مَا اسْتَطَعْتَ ***
وَكُنْ لَهَمِّ أَخِيكَ فَارِجْ
فَلَخَيْرُ أَيَّامِ الفَتَى ***
يَوْمٌ قَضَى فِيهِ الحَوَائِجْ
أوَّلًا: الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ
حَادِثٌ جَلَلٌ.
أَيُّهَا السَّادَةُ : لَمْ تَكُنْ
رِحْلَةُ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ حَادِثًا عَادِيًّا، بَلْ كَانَتْ مُعْجِزَةً
إِلَهِيَّةً مُتَكاملةً، كَانَتْ وَلَا زَالَتْ حَادِثًا جَلَلًا بِكُلِّ
الْمَقَايِيسِ وَالْمَعَايِيرِ وَقَفَتْ أَمَامَهُ الْعُقُولُ حَائِرَةً وَالأَبْصَارُ
مُتَأَمِّلَةً، حَيْثُ أَيَّدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا، وَنَصَرَ دَعْوَتَهُ بِهَا، وَأَظْهَرَهُ عَلَى
قَوْمِهِ بِدَلِيلٍ جَدِيدٍ وَمُعْجِزَةٍ عَظِيمَةٍ تَعْجَزُ عَنْهَا
الْبَشَرِيَّةُ كُلُّهَا، فَأَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مُكَافَأَةً رَبَّانِيَّةً
وَمِنْحَةً إِلَهِيَّةً وَجَبْرًا لِلْخَاطِرِ الشَّرِيفِ فَكَانَتْ رِحْلَةً
أَرْضِيَّةً وَرِحْلَةً سَمَاوِيَّةً، وَكَأَنَّ حَالَ السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا
مُحَمَّدُ إِنْ كَانَ أَهْلُ الْأَرْضِ رَفَضُوكَ، فَإِنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ
يَدْعُوكَ!!! يَا مُحَمَّدُ لَا تَظُنَّ أَنَّ جَفَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَعْنِي
جَفَاءِ أَهْلِ السَّمَاءِ!! بَلْ إِنَّ اللَّهَ يَدْعُوكَ الْيَوْمَ
لِيُعَوِّضَكَ بِجَفَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ حَفَاوَةَ أَهْلِ السَّمَاءِ. اللَّهُ
أَكْبَرُ!.. رِحْلَةٌ أَرْضِيَّةٌ إِذْ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ زَادَهَا اللَّهُ تَكْرِيمًا وَتَشْرِيفًا إِلَى يَوْمِ
الدِّينِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنْ دَنْسِ الْيَهُودِ
فِي مَدِينَةِ الْقُدْسِ؛ لِيُسَرِّيَ عَنْهُ مَا لَقِيَهُ مِنْ أَهْلِ
الطَّائِفِ، وَمِنْ أَثَارِ دَعْوَتِهِ، وَمَوْتِ عَمِّهِ وَزَوْجَتِهِ. قَالَ
جَلَّ وَعَلا( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ
مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ (الإسراء :1)
قال جلَّ وعلا:﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا
هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ
هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى
* وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ
قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ
الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ
نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى *
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ
رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾ (النجم: 1 : 18)
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِن حَدِيثِ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
قَالَ((أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ، أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ
الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ،
قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ
الَّتِي يَرْبِطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ،
فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ
السَّلَامُ- بِإِنَاءِ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءِ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ،
فَقَالَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ. ثُمَّ عَرَجَ
بِنَا إِلَى السَّمَاءِ، (فَلَقَد كَانَ حَادِثُ الْإِسْرَاءِ مُكَافَأَةً
رَبَّانِيَّةً لِمَا لَاقَاهُ النَّبِيُّ الْعَدْنَانُ ﷺ مِن مُتَاعِبَ وَآلَامٍ
وَأَحْزَانٍ كَثِيرَةٍ وَكَثِيرَةٍ ….يَا مُصْطَفَى
أَنْتَ الَّذِي مِن نُورِهِ الْبَدْرُ
اكْتَسَى*** وَالشَّمْسُ مُشْرِقَةٌ بِنُورِ بِهَاكَ
أَنْتَ الَّذِي لَمَّا رُفِعْتَ إِلَى
السَّمَا بَكَ* قَد سَمَتْ وَتَزَيَّنَتْ لِسَرَاكَ
أَنْتَ الَّذِي نَادَاكَ رَبُّكَ
مَرْحَبًا *** وَلَقَد دَعَاكَ لِقُرْبِهِ وَحَبَّاكَ
مَاذا يَقُولُ المادِحُونَ و مَا عَسَى
**** أَنْ يَجْمَعَ الكُتَّابُ مِن مَعْناكَـا
ثَانِيـــًا: مِن أَعْظَمِ دُرُوسِ
الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ جَبْرُ الْخَاطِرِ.
أَيُّها السُّادةُ: مِنْ أَعْظَمِ
دُروسِ الإِسْرَاءِ جَبْرُ الخَوَاطِرِ فَلَقَدْ جَبَرَ اللَّهُ بِخَاطِرِ
نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَتَاعِبَ وَالْآلامِ
لَاقَاهَا النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْمِهِ،
عِندَما نَاجى رَبَّهُ قائِلاً:«اللَّهم إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي،
وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ،
أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى
بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي ؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ
بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي،
أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ
عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ
يَحِلَّ عَلَيَّ سُخْطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا
قُوَّةَ إلَّا بِكَ» [رواه أحمد، والبيهقي في “دلائل النبوة”].
وَجَبَرَ اللَّهُ بِخَاطِرِ نَبِيِّهِ ﷺ
عِندَمَا أُخْرِجَ مِن مَكَّةَ الْمُكَرَّمَة، وَهِيَ أَحَبُّ الْبِقَاعِ
إِلَيْهِ، وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ مُوَدِّعًا مَكَّةَ بِكَلِمَاتٍ تَأَلَّمُ
الْقَلْبَ وَتَبْكِي الْعَيْنَ بَدَلَ الدُّموعِ دَمًا، بِكَلِمَاتِ حَنِينٍ وَمَحَبَّةٍ
وَأَلَمٍ وَحَسْرَةٍ عَلَى الْفِرَاقٍ، بِكَلِمَاتٍ كُلَّهَا انْتِمَاءٌ
وَتَضْحِيَةٌ وَوَفَاءٌ: “يَا مَكَّةَ مَا أَطْيَبَكِ مِن بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ
إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنْ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ،
وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى
اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنكِ مَا خَرَجْتُ”))(رَوَاهُ
التُّرْمِذِيُّ بِسَنْدٍ صَحِيحٍ)
فَجَبَرَ اللَّهُ -تَعَالَى-
خَاطِرَهُ، وَأَنزَلَ قُرْآنًا يُتْلَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ فِي
طَرِيقِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ: ((إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ
لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ))(الْقَصَصِ 85) أَي: إِنَّ الَّذِي أَنزَلَ بَيْنَكَ
الْقُرْآنَ وَأَمَركَ بِتَبْلِيغِهِ لَرَادُّكَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي
خَرَجْتَ مِنْهُ، عَزِيزًا فَاتِحًا مُنْتَصِرًا، وَلَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ
وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، بَلْ جَبَرَ اللَّهُ خَاطِرَ نَبِيِّهِ ﷺ فِي
أُمَّتِهِ وَوَعَدَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ حَتَّى يُرْضِيَهُ،((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ
رَبُّكَ فَتَرْضَى)((الضُّحَى: 5 )
ففي صحيحِ مسلمٍ مِن حديثِ عبدِ اللهِ
بنِ عمرٍو ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ
قال – أنَّ النبيَّ ﷺ تَلا قَوْلَ اللهِ عزَّ وجلَّ في إبْراهِيمَ: {رَبِّ
إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فمَن تَبِعَنِي فإنَّه مِنِّي}
(إبراهيم: 36) الآية، وقالَ عِيسَى عليه السَّلامُ: {إنْ تُعَذِّبْهُمْ فإنَّهُمْ
عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لهمْ فإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} )المائدة ( 118:،
فَرَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتي أُمَّتِي، وبَكَى، فقالَ اللَّهُ
عزَّ وجلَّ: يا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ، ورَبُّكَ أعْلَمُ، فَسَلْهُ ما
يُبْكِيكَ؟ فأتاهُ جِبْرِيلُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَسَأَلَهُ فأخْبَرَهُ
رَسولُ اللهِ ﷺ بما قالَ، وهو أعْلَمُ، فقالَ اللَّهُ: يا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إلى
مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ، ولا نَسُوءُكَ(،
وَجَبْرُ الخَوَاطِرِ هُوَ الإِحْسَاسُ
بِآلامِ النَّاسِ وَعَدَمُ جَرْحِ مَشَاعِرِهِمْ، وَمُوَاسَاتِهِمْ فِي
مَصَابِهِمْ، وَالْوُقُوفُ بِجَانِبِهِمْ فِي الشَّدَائِدِ وَالْكُرُوبَاتِ،
فَمُرَاعَاةُ المَشَاعِرِ وَجَبْرُ الخَوَاطِرِ جُزْءٌ مِنْ شَرِيعَةِ الإِسْلَامِ،
وَعِبَادَةٌ نَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى الرَّحْمَـٰنِ، وَتَطْيِيبُ النُّفُوسِ
الْمُنْكَسِرَةِ، وَجَبْرُ الخَوَاطِرِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الأَلْفَةِ
وَالْمَحَبَّةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ أَدَبٌ إِسْلَامِيٌّ رَفِيعٌ،
وَخُلُقٌ عَظِيمٌ لَا يَتَخَلَّقُ بِهِ إِلَّا أَصْحَابُ النُّفُوسِ النَّبِيلَةِ.
وَجَبْرُ الخَوَاطِرِ مِنْ الأَخْلَاقِ الإِسْلَامِيَّةِ الْعَالِيَةِ
الرَّفِيعَةِ الَّتِي نَدَبَ إِلَيْهَا الإِسْلَامُ وَحَثَّ الْمُسْلِمِينَ
عَلَيْهَا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وجبرُ الخواطرِ عِبَادَةٌ يُحِبُّهَا
اللَّهُ، عِبَادَةٌ مَهْجُورَةٌ غَفَلَ عَنْهَا الْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا
مَا رَحِمَ اللَّهُ، وجبرُ الخواطرِ خَلْقٌ عَظِيمٌ مِنْ أَخْلَاقِ الدِّينِ،
ومَبْدَأٌ كَرِيمٌ مِنْ مَبَادِئِ الْإِسْلَامِ، وَشِيمَةُ الْأَبْرَارِ
الْمُحْسِنِينَ مِنَ النَّاسِ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ
عِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ، وَسَهْلَةٌ وَمَيْسُورَةٌ، أَمَرَ بِهَا الدِّينُ،
وَتَخَلَّقَ بِهَا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ، تَدُلُّ عَلَى سُمُوِّ النَّفْسِ
وَعَظَمَةِ الْقَلْبِ وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ وَوَعْيِ
الرُّوحِ وَنُبْلِ الإنسَانِيَّةِ وَأَصَالَةِ الْمَعْدِنِ، وجبرُ الخواطرِ
عِبَادَةٌ يُحَارِصُ عَلَيْهَا دَائِمًا الْأَصْفِيَاءُ الْأَنْقِيَاءُ مِنْ
أَصْحَابِ الْأَرْوَاحِ الطَّيِّبَةِ وَالْمَشَاعِرِ الْفَيَّاضَةِ، لِذَا قَالَ
سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِمَامُ الدُّنْيَا فِي الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ
وَالْحَدِيثِ :مَا رَأَيْتُ عِبَادَةً يَتَقَرَّبُ بِهَا الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ
مِثْلَ جَبْرِ خاطرِ أَخِيهِ الْمُسْلِم، وَالجَبْرُ كَلِمَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ
الْجَبَّارِ، وَالْجَبَّارُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى،
وَالْجَبَّارُ بِمَعْنَى الْعَلِيِّ الْأَعْلَى، وَبِمَعْنَى الْقَهَّارِ،
وَبِمَعْنَى الرَّؤُوفِ الْجَابِرِ لِلْقُلُوبِ الْمُنْكَسِرَةِ، وَلِلضَّعِيفِ
الْعَاجِزِ، وَلِمَن لَاذَ بِهِ وَلَجَأَ إِلَيْهِ، وَالْجَبَّارُ هُوَ الَّذِي
يُطْمِئِنُ الْقُلُوبَ وَيُرِيحُ النُّفُوسَ ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ “الذِّي
يَجْبُرُ الفَقْرَ بِالْغِنَى، وَالْمَرَضَ بِالصِّحَّةِ، وَالْخَيْبَةَ
وَالْفَشَلَ بِالتَّوْفِيقِ وَالْأَمَلِ، وَالْخَوْفَ وَالْحَزْنَ بِالْأَمْنِ
وَالِاطْمِئْنَانِ، فَهُوَ جَبَّارٌ مُتَصِفٌ بِكَثْرَةِ جَبْرِهِ حَوَائِجَ
الْخَلَائِقِ”. (تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ لِلزُّجَّاجِ ص33)،
فَتَجِدُ فِي كُلِّ تَقْدِيرٍ
تَيْسِيرًا، وَمَعَ كُلِّ قَضَاءِ رَحْمَةً، وَمَعَ كُلِّ بَلَاءٍ حِكْمَةً،
فَإِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْكَ فَقَدْ أَبْقَى، وَإِنْ مَنَعَ
فَلَطَالَمَا أَعْطَى، وَإِنْ ابْتَلَاكَ فَكَثِيرًا مَا عَافَاكَ، وَإِنْ
أَحْزَنَكَ يَوْمًا فَقَدْ أَفْرَحَكَ أَيَّامًا وَأَعْوَامًا
وَكَيْفَ لَا؟ وَهُوَ يُنَزِّلُ
-سُبْحَانَهُ- كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، إِكْرَامًا
لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقُبُولَ دُعَاءِ الدَّاعِين، وَإِلْحَاحَ الْمُسْتَغْفِرِينَ،
وَجَبْرًا لِخَوَاطِرِ السَّائِلِينَ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “يَنْزِلُ رَبُّنَا –تَبَارَكَ
وَتَعَالَى- كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ
اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي
فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) متفق عليه ، فَهُوَ
سُبْحَانَهُ يُجْبِرُ كَسِيرًا، وَيُعَافِي مُبْتَلًى، وَيَشْفِي مَرِيضًا،
وَيُغِيثُ مَلْهُوفًا، وَيُجِيبُ دَاعِيًا، وَيُعْطِي سَائِلًا، وَيُفَرِّجُ
كَرْبًا، وَيُزِيلُ حُزْنًا، وَيَكْشِفُ هَمًّا وَغَمًّا. فَكَم مِن مَرِيضٍ جَبَرَ
اللَّهُ خَاطِرَهُ فَشَفَاهُ!! وَكَم مِن فَقِيرٍ جَبَرَ اللَّهُ خَاطِرَهُ
فَأَغْنَاهُ!!
وَكَم مِن مَكْرُوبٍ جَبَرَ اللَّهُ
خَاطِرَهُ فَفَرَّجَ عَنْهُ كَرْبَهُ!! كَم مِن ضِيقٍ مَرَّ بالنَّاسِ وَلَمْ
يَكْشِفْهُ إِلَّا اللَّهُ؟!
وَكَم مِن بَأْسٍ نَزَلَ بِهِمْ وَلَمْ
يَرْفَعْهُ إِلَّا اللَّهُ؟! وَكَمْ مِن بَلاَءٍ أَلَمَّ بِهِمْ وَلَمْ
يُفَرِّجْهُ إِلَّا اللَّهُ؟! ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ
وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ
قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾( سُورَةُ النَّمْلِ: 62)، وَنَبِيُّنَا ﷺ أَسْوَتُنَا
وَقُدْوَتُنَا وَمُعَلِّمُنَا وَمُرْشِدُنَا كَانَ جَابِرًا لِخَوَاطِرِ النَّاسِ،
فَالْكُلُّ يَأْوِي إِلَيْهِ وَيَسْعَى لَدَيْهِ وَيَسْتَجِيرُ بِهِ،
وَكَيْفَ لَا؟ وَهُوَ الَّذِي قَالَ
يَوْمًا لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عِندَمَا عَادَ مِنْ غَارِ حِرَاءَ:
“لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا، وَالَّلهِ مَا
يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ،
وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتُقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ
الْحَقِّ) يَجْبِرُ بِخَاطِرِ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ، وَيَسْأَلُهُ عَنْ
عُصْفُورِهِ الَّذِي فَقَدَهُ وَهُوَ قَائِدُ أُمَّةٍ عَلَيْهِ مِنَ الْهُمُومِ
مَا عَلَيْهِ، وَيَقُولُ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: ((يَا أَبَا عُمَيْرٍ،
مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِه))، وَيَجْبِرُ خَاطِرَ أَحَدِ
أَصْحَابِهِ لَمَّا وَجَدَهُ حَزِينًا وَمُتَأَلِّمًا عَلَى فَقْدِ أَبِيهِ،
وَقَدْ تَرَكَ دُيُونًا أَثْقَلَتْهُ، فَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ بِسَنْدٍ
حَسَنٍ (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
فَقَالَ لِي «يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا». قُلْتُ يَا رَسُولَ
اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا.
قَالَ. قَالَ « أَفَلاَ أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِىَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ قَالَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ
« مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا
أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا فَقَالَ يَا عَبْدِى تَمَنَّ عَلَىَّ أُعْطِكَ.
قَالَ يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيةً. فانظرْ كيف جبرَ الرسولُ ﷺ
خاطرَهُ، وأزاحَ عنهُ الهمَّ بهذه الكلماتِ؟! بَلْ إِنَّهُ ﷺ جَبَرَ
بِخَوَاطِرِنَا نَحْنُ الَّذِينَ نُحِبُّهُ وَنَشْتَاقُ إِلَيْهِ، وَنَتَمَنَّى
لِقَاءَهُ وَرُؤْيَتَهُ، فَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتُ إِخْوَانِي»
قَالَ فَقَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ أَوَلَيْسَ نَحْنُ إِخْوَانَكَ قَالَ
«أَنتُمْ أَصْحَابِي وَلَكِنْ إِخْوَانِي الَّذِينَ آمَنُوا بِي وَلَمْ
يَرَوْنِي»فَاللَّهَ اللَّهَ فِي جَبْرِ الْخَوَاطِرِ وَصِدْقَ مَن قَالَ :مَن
سَارَ بَيْنَ النَّاسِ جَابِرًا لِلْخَوَاطِرِ أَدْرَكَـهُ اللَّـهُ فِي جَوْفِ
الْمَخَاطِرِ, وَاعْلَمْ مَن جَبَرَ خَوَاطِرَ النَّاسِ جَبَرَ اللَّـهُ
خَوَاطَرَهُ , وَمَن جَرَجَ النَّاسَ فِي مَشَاعِرِهِمْ جَرحَهُ اللَّـهُ فِي
مَشَاعِرِهِ فَالْدِّيَانُ لَا يَمُوتُ
وَأَفْضَلُ النَّاسِ مَا بَيْنَ
الْوَرَى**** رَجُلٌ تُقْضَى عَلَى يَدِهِ لِلْنَّاسِ حَاجَاتُ
لَا تَمْنَعَنَّ يَدَ الْمَعْرُوفِ
عَنْ أَحَدٍ***** مَا دُمْتَ مُقْتَدِرًا فَالْعَيْشُ جَنَّاتُ
قَد مَاتَ قَوْمٌ وَمَا مَاتَتْ
مَكَارِمُهُمْ*** وَعَاشَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَمْوَاتُ
ثَالِثـــًا وَأَخِيرًا: وَمَنْ
مَظَاهِرِ جَبْرِ الْخَاطِرِ ؟
أيُّها السَّادةُ: جَبْرُ الخَوَاطِرِ
عِبَادَةٌ لَا تَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تُبْذِلَ مَالًا أَوْ جَهْدًا بَلْ لَهَا
صُورٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَكَثِيرَةٌ رَبَّمَا تَكْفِي ابتِسَامَةٌ أَوْ كَلِمَةٌ
طَيِّبَةٌ أَوْ دُعَاءٌ بِالْخَيْرِ أَوْ مَسَاعَدَةُ مُحْتَاجٍ أَوْ إِغَاثَةُ
مَلْهُوفٍ، تَكُونُ جَبْرًا لِخَوَاطِرِ النَّاسِ، وَتَكُونُ سَبَبًا فِي
تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ وَزِيَادَةِ التَّرَاحُمِ، وَإِدْخَالِ السُّرُورِ
وَالسَّعَادَةِ إِلَى قُلُوبٍ مُتَأَلِّمَةٍ، وَلَهَا أَثَرٌ كَبِيرٌ عَلَى
الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ.
فَتَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ النَّاسِ
تَطْيِبًا لِلْخَوَاطِرِ صَدَقَةٌ، وَكَذَا جَبرُ خَوَاطِرِ الْمُعْسِرِينَ
بِإنْظَارِ الْمُعْسِرِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ رَجُلاً لَمْ يَعْمَلْ خَيْراً قَطُّ، وَكَانَ
يُدَايِنُ النَّاسَ، فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ، وَاتْرُكْ مَا
عَسُرَ، وَتَجَاوَزْ؛ لَعَلَّ اللَّهَ – تَعَالَى – أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا،
فَلَمَّا هَلَكَ، قَالَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ – لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ خَيْراً
قَطُّ؟ قَالَ: لا، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ لِي غُلامٌ، وَكُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ،
فَإِذَا بَعَثْتُهُ لِيَتَقَاضَى، قُلْتُ لَهُ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ، وَاتْرُكْ مَا
عَسُرَ، وَتَجَاوَزْ؛ لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ اللَّهُ –
تَعَالَى -: قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْكَ)
وَمِنْ صُورِ جَبْرِ الْخَوَاطِرِ:
جَبْرُ خَوَاطِرِ الْمَكْرُوبِينَ وَالْمُحْتَاجِينَ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ
أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أَيُّمَا مُؤْمِنٍ
أَطْعَمَ مُؤْمِنًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ
ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَقَى مُؤْمِنًا عَلَى ظَمَأٍ سَقَاهُ
اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ
كَسَا مُؤْمِنًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ)) رواه
الترمذي
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا -، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ
إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ
الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ
تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْناً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ
جُوعاً، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخي فِي حَاجَةٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ
أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، شَهْراً،
وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ
شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ، مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجاءً يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لهُ،
أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ))(( رواه الطبراني في الأوسط.
وَمِن صُورِ جَبْرِ الخَوَاطِرِ:
قَبُولُ الاِعْتِذَارِ مِن تَطْيِيبِ الخَوَاطِرِ، وَإِهْدَاءُ الْهَدِيَّةِ مِن
تَطْيِيبِ الخَوَاطِرِ، قَالَ أَنَسٌ لِأَوْلَادِهِ: يَا بُنَيَّ تَبَادَلُوا
بَيْنَكُمْ، فَإِنَّهُ أَوَدُّ لِمَا بَيْنَكُمْ، فَجَبْرُ الخَوَاطِرِ عَلَى
اللَّهِ وَمَن جَبَرَ خَوَاطِرَ النَّاسِ جَبَرَ اللَّهُ خَاطِرَهُ.
وَمِن صُورِ جَبْرِ الخَوَاطِرِ:
جَبْرِ خَوَاطِرِ الْوَالِدَيْنِ أُمُّكَ وَأَبُوكَ، لِذَا قَالَ ﷺ:{رِضَا اللَّهِ
فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسَخَطُ اللَّهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ} أَخْرَجَهُ
التُّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. وَصَدَقَ رَبُّنَا إِذْ
يَقُولُ:( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا
فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا
) سُورَةُ الإِسْرَاءِ: 23،
وَمِن صُورِ جَبْرِ الخَوَاطِرِ: وَأَحَقُّ النَّاسِ بِجَبْرِ الْخَوَاطِرِ
الزَّوْجَةُ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ:
(فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ
اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ)، وَفِي
الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ :
(اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا)، وَفِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالتَّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمْ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ
إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا)
وقال شوقي:
أَسرى بِكَ اللَهُ لَيلًا إِذ
مَلائِكُـــــــــهُ ***وَالرُسلُ فى المَسجِدِ الأَقصى عَلى قَدَمِ
لَمّا خَطَـــــــــــــــــــــــرتَ
بِهِ اِلتَفوا بِسَيِّدِهِم ***كَالشُهبِ بِالبَدرِ أَو كَالجُندِ بِالعَلَمِ
صَلّـــــــــــــــــــــــــــــى
وَراءَكَ مِنهُم كُلُّ ذى خَطَرٍ ***وَمَن يَفُز بِحَبيبِ اللَهِ يَأتَمِمِ
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ
اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ
وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِسْمِ اللَّهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ….وَبَعْدُ
أيُّهَا السَّادَةُ :
وَمِن صُورِ جَبْرِ الْخَوَاطِرِ
جَبْرٌ بِخَاطِرِ الْأَقَارِبِ
وَكَيْفَ لَا؟ وَاللَّهُ جَلَّ فِي
عُلَاهُ جَبَرَ بِخَاطِرِ الرَّحِمِ خَاطِرَ الرَّحْمِ لَمَّا عَاذَتْ بِهِ مِنَ
الْقَطِيعَةِ، قَالَ ﷺ -: “إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذا فَرَغَ
مِنْ خَلْقِهِ، قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ
الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ،
وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟:قالت بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لَكِ لِذَا
كَانَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى الْقَرِيبِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَى غَيْرِهِ،
لَقَوْلِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ ﷺ ( الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ
وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ ) رَوَاهُ التُّرْمِذِيُّ)،
وَجَبْرُ الْخَاطِرِ خَلْقٌ كَرِيمٌ
مِنْ أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ، لِذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ
خَيْرًا أَوْ لَيَصْمُتْ)، فَإِكْرَامُ الضَّيْفِ وَصِلَةُ الرَّحْمِ
وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ كُلُّهَا جَبْرٌ لِلْخَوَاطِرِ، لِذَا قَالَ رَبُّنَا
((وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا )) الْبَقَرَةُ: 83 أَيِ تَخَيَّرُوا مِنَ
الْكَلِمَاتِ أَحْسَنَهَا وَمِنَ الْعِبَارَاتِ أَدَقَّهَا وَمِنَ الْأَلْفَاظِ
أَجْمَلَهَا جَبْرًا لِخَوَاطِرِ النَّاسِ وَمُرَاعَاةً لِمَشَاعِرِهِم، فَجَبْرُ
الْخَاطِرِ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ وَالْفَلَاحِ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ، وَسَبِيلٌ إِلَى الْفَوْزِ بِرِضْوَانِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا فِي
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَمِن صُورِ جَبْرِ الْخَوَاطِرِ:
جَبْرُ خَوَاطِرِ الْيَتَامَى، وَيَطِيبُ نُفُوسَهُمْ بِقَوْلِهِ كَمَا فِي
الْبُخَارِي: مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (( أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا »
. وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ))رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
وَكَيْفَ لَا؟ وَكَانَ يُتْمُهُ تَشْرِيفًا لِكُلِّ يَتِيمٍ عَلَى ظَهْرِ
الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَن عَلَيْهَا وَكَيْفَ
لَا؟ وَاللَّهُ خَاطَبَهُ بِقَوْلِهِ: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ *
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} سُورَةُ الضُّحَى 9-10 وَأَجْمَلُ تَطْيِيبٍ
لِلْخَاطِرِ وَأَرْقَى صُورَةٍ لِلْتَّعَامُلِ: الإِحْسَانُ إِلَى الْيَتَامَى فِي
كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ جَبْرًا لِلْخَاطِرِ وَطَلَبًا لِلثَّوَابِ
وَالْمَغْفِرَةِ.
فَاللَّهَ اللَّـهَ فِي جَبْرِ
الْخَوَاطِرِ، اللَّـهَ اللَّـهَ فِي التَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ،
اللَّـهَ اللَّـهَ فِي مُرَاعَاةِ مَشَاعِرِ النَّاسِ لِتَسْعَدَ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ. فَاسْتَكْثِرُوا أَيُّهَا الْأَخْيَارُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ
وَجَبْرِ خَوَاطِرِهِمْ وَقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَسَابِقُوا إِلَى عَمَلِ
الطَّاعَاتِ، وَامْلَأُوا صَحَائِفَكُمْ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ،
فَالْأَنْفَاسُ مَحْسُوبَةٌ وَالْآجَالُ مَكْتُوبَةٌ ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) الحج: 77 فَيَا هَذَا نَفْسُكَ مَعْدُودٌ، وَعُمْرُكَ
مَحْسُوبٌ، فَكَمْ أَمَلْتَ أَمَلًا، وَانْقَضَى الزَّمَانُ وَفَاتَكَ، وَلَا
أَرَاكَ تَفِيقُ حَتَّى تَلْقَى وَفَاتَكَ. فَاحْذَرْ ذَلَّ قَدَمِكَ، وَخَفْ
طُولَ نَدَمِكَ، وَاغْتَنِمْ حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ كَمَا قَالَ الْمُصْطَفَى ﷺ
فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ { اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ
خَمْسٍ شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ
فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ } دَقَاتُ
قَلْبِ الْمَرءِ قَالِتٌ لَهُ *** إِنَّ الْحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانٍ
فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ
ذِكْرَهَا *** فَالذِّكْرُ لِلْإِنْسَانِ عُمُرٌ ثَانٍ
وَجَبْرُ الْخَوَاطِرِ خُلُقٌ
قُرْآنِيٌّ، وَمَسْلَكٌ نَبَوِيٌّ، يَسْكُبُ السَّكِينَةَ فِي الْأَرْوَاحِ
الْمُتْعَبَةِ، وَيُعِيدُ لِلنَّفْسِ الْمُتَأَلِّمَةِ تَوَازُنَهَا وَأَمَلَهَا،
وَجَابِرُ الْخَوَاطِرِ صَاحِبُ نَفْسٍ سَامِيَةٍ، وَقَلْبٍ عَظِيمٍ، وَصَدْرٍ
سَلِيْمٍ، وَعَقْلٍ رَاجِحٍ؛ يُوَاسِي الْقُلُوبَ الْمَفْطُورَةَ، وَيُخَفِّفُ عَنْ
الْأَجْسَادِ الْمُرْهَقَةِ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَمَا أَبْهَى
هَذِهِ الْعَبَادَةَ وَأَسْمَاهَا. جَبَرَ اللَّهُ بِخَاطِرِنَا وَخَاطِرِكُمْ
وحَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ
الكَائِدِينَ، وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ
المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ،
وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ.