recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة من دروس الإسراء والمعراج الثبات على المبدأ الشيخ عبدالناصربليح

من دروس الإسراء والمعراج  الثبات على المبدأ



الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله أما لعد فياعباد الله 

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: 1].

حديثنا إليكم اليوم عن درس من دروس الإسراء والمعراج الأساسية الثبات على المبدأ،

الثبات على المبدأ

عباد الله:" والثبات على المبدأ يعني التمسك الراسخ بالقيم والمبادئ الأساسية (خاصة الدينية والوطنية) وعدم التنازل عنها رغم الضغوط والإغراءات والتحديات، وهو يتطلب صبرًا وقوة إيمان، ويظهر في الالتزام بالحق، ومقاومة الفتن، والمحافظة على الهوية، وأعظم انتصاراته هي تلك التي تتحقق بالتمسك بالصواب، ويُضرب به المثل في قصص الأنبياء والصالحين، إلا أنه يتطلب أيضًا مراجعة دائمة لضمان عدم الجمود في مواجهة متغيرات العصر والمصلحة العامة.

أهمية الثبات على المبدأ

عباد الله:" وللثبات علي المبدأ أهمية بالغة منها

حفظ الهوية: يحمي الفرد والمجتمع من الذوبان في الثقافات الأخرى ويحافظ على كيانهم طالما هم متمسكون بهويتهم ثابتون علي مباديئهم.

رمز للقوة: يظهر قوة الإيمان وعدم المساومة على الحق، وهو مصدر فخر وعزة.

أساس الاستقرار: يوفر أساسًا متينًا للسلوك الفردي والجماعي في مواجهة تقلبات الحياة.

تحديات الثبات

عباد الله :" وقد يلاقي المتمسك بدينه والثابت علي مبدئه تحديات وصعوبات كثيرة ولكن لابد من الصبر والحنكة ومن هذه التحديات 

الضغوط النفسية والاجتماعية: الميل البشري للراحة ورضا الآخرين قد يدفعه للتنازل. فلايتنازل طالما أنه علي الحق :" وقد قالها رسول الله صلي الله عليه وسلم لعمه أبي طالب رضي الله عنه حينما جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: أرأيتَ أحمد يؤذينا في نادينا وفي مسجدنا فانهَهُ عن أذانا، فقال: يا عقيل ائتني بمحمد، فذهبتُ فأتيته به فقال: يا ابن أخي إن بني عمِّك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مسجدهم فانتَهِ عن ذلك، قال: فلحَظ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ببصره ـ

 وفي رواية :" فَحَلَّقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَصَرَه ـ إلى السّماء فقال: أَترَون هذهِ الشَّمس؟ قالوا: نعم، قال: ما أنا بَأَقدرَ على أن أَدَعَ لكُم ذلك مِنْ أن تُشْعِلوا لي منها شُعْلة (يعني الشمس)، قال: فقال أبو طالب: ما كَذَبنَا ابنُ أخي قط (أبدا)، فَارْجِعوا"( الطبراني وأبو يعلى وحسّنه ابن حجر).

 وفي رواية أخري قال:"يا عماه، والله لوْ وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله أو أهلك فيه ما تركتُه "

وورد  بسند حسن  :"ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك، على أن تشعلوا لي منها شعلة ـ يعني الشمس ( وقد ذكر الذهبي الخبريْن في السيرة، وقال عن حديث عقيل: "رواه البخاري في (التاريخ) عن أبي كُريب عن يونس").

الفتن والمغريات: إغراءات الدنيا والشهوات قد تدفع للانحراف.لقد حاول المشركون إغراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمال والشرف والمُلك، لعله يرجع عن الدين الذي جاء به، أو يتنازل عن بعض الحق الذي يدعو إليه، فلم يفلحوا، وحرضوا عليه عمه الذي كان يدافع عنه ويحميه، لكنه صلى الله عليه وسلم ثبت كأنه جبل أشم، أمام الإغراءات والمساومات ولم يناقشها، ولم يثنه ذو نسب أو قرابة، ولم تشفع عنده محبة حبيب أو رجاء قريب..  

 فكان لذلك الثبات واليقين النبوي وقع كبير على المشركين وعلى عمه أبي طالب، حتى قال أبو طالب: "ما كَذَبنَا ابنُ أخي قط"، وقال قولته المشهورة:

واللَّهِ لَنْ يَصِلوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ حَتَّى أُوَسَّدَ في التُرَابِ دَفِينا

فامْضِي لأَمْرِك ما عَلَيْكَ غَضَاضة أَبْشِرْ وَقِرَّ بِذَاكَ مِنْكَ عُيونا

تغيّر الظروف: ولكن أخي المسلم قد تلجأك الحاجة لمراجعة المبادئ أحيانًا لتتوافق مع المصلحة العليا (مثل مصلحة الوطن) دون المساس بالثوابت الجوهرية.فهنا ينبغي أن تتوقف وترعوي طالما للنصلحة العامة ..

كيف يكون الثبات؟

الاستمرارية: المداومة على الخير والعمل به ليلًا ونهارًا سرًا وعلانية.

اليقين: الإيمان الراسخ بأن الآخرة خير وأبقى وأن النصر من عند الله.

الاجتهاد مع المراجعة: التفكر الدائم في المبادئ ومراجعة النفس لضمان صحتها وواقعيتها، مع التمييز بين الثوابت والمتغيرات (مبادئ الدين مقابل آراء فكرية).

أمثلة على الثبات من حادثة الإسراء والمعراج

ماشطة بنت فرعون

نتعلم أيضا فقه الثبات على المبادئ، وبذل النفس والولد من أجل الحق والحقيقة، فحتى نبنى مجتمعاتنا وننهض ببلادنا،  نحتاج إلى المؤمنين الصادقين وليس المنافقين الكاذبين، نأخذ هذا من ثبات :"ماشطة بنت فرعون"، التى ثبتت على مبدئها الحق،  ماشطة ابنة فرعون: ظهرت أيضاً في الإسراء والمعراج ضمن نماذج للثبات،   التي ثبتت على إيمانها بالله رغم التعذيب، 

  وتتضح قضية الثبات  من هذا المشهد الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم لماشطة ابنة فرعون؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((لَمَّا كَانَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ بِي فِيهَا أَتَتْ عَلَيَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلاَدِهَا، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهَا؟ قَالَ: بَيْنَا هِيَ تَمْشُطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ سَقَطَتِ الْمِدْرَى مِنْ يَدَيْهَا، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي، قَالَتْ: لاَ وَلَكِنْ رَبِّي، وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ، قَالَتْ: أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْبَرَتْهُ، فَدَعَاهَا، فَقَالَ: يَا فُلاَنَةُ، وَإِنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي، قَالَتْ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَوْلاَدُهَا فِيهَا، قَالَتْ لَهُ: إِنَّ ليَ إِلَيْكَ حَاجَةً، قَالَ: وَمَا حَاجَتُكِ؟ قَالَتْ: أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي في ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَتَدْفِنَنَا، قَالَ: ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الْحَقِّ، قَالَ: فَأَمَرَ بِأَوْلاَدِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَاحِدًا وَاحِدًا، إِلَى أَنِ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِيٍّ لَهَا مُرْضَعٍ، وَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ، قَالَ: يَا أُمَّهْ، اقْتَحِمِي؛ فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، فَاقْتَحَمَتْ"( أحمد).

موقف أبوبكر الصديق 

عباد الله :"  قضية الإسراء والمعراج هي قضية الثبات على المبدأ المتمثِّل في موقف سيدنا أبي بكر رضي الله عنه، قد كان حادث الإسراء مُستغربًا عند البشر، إلا أن رجلًا كأبي بكر الصديق لم يُخالجْ هذا الاستغراب داخله، ولم يتردَّد في تصديقه؛ قال له الكفار: إن صاحبك يزعم أنه أُسري به الليلة إلى بيت المقدس ثم عاد، ونحن نقطع أكباد الإبل شهرًا ذهابًا وشهرًا إيابًا، وكان أبو بكر فطِنًا، فلم يقل لهم مباشرة، لقد صدق؛ لاحتمال أنهم افتعلوا هذا الأمر، ونسبَوه إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم، إنما قال: "إن كان قال فقد صدق؛ إني أصدِّقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدِّقه في خبر السماء"،

 فاستحق بهذا التصديق أن يكون صدِّيقًا، بل مِن حينها كان جديرًا أن يكون ثاني اثنين، واستحقَّ أن يكون إيمانه أثقل من إيمان الأمة جميعها.

 نعم إنه  الثبات  علي المبدأ ثبات أبي بكر الصديق: عند سماعه خبر الإسراء والمعراج، لم يشكّ أبو بكر بل صدّق النبي فوراً، قائلاً: "إن كان قال فقد صدق؛ إني أصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء"،  

 ويتجلى ذلك في موقف أبي بكر الصديق الذي صدّق النبي رغم غرابة الخبر، واختبر إيمان المؤمنين، وأظهر أن اليقين والثبات على الحق هو مفتاح النصر والفرج، وأنه حتى في أشد الأوقات يظهر الفرج بعد الشدة، وأن الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله ضروري للثبات والتقدم، وهو ما يتطلب الإخلاص وتجنب التواكل، إلى جانب تكريم النبي ورفع مكانة المسجد الأقصى.

عباد الله :" أقول ماتسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم 

الخطبة الثانية 

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام علي أضرف المرسلين وبعد 

فياعباد الله:" لازلنا نواصل الحديث حول درس الإسراء الثبات علي المبدأ ويتجلي ذلك في مشهد رأه الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج وهم المجاهدون والمرابطون في سبيل الله :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"(أل عمران/200).

 وتأمل مشهد النبى صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج  حينما أتى على قوم يَزرعون فى يومٍ ويحصدون فى يوم، وكلَّما حصَدوا عاد كما كان، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «يا جبريل ما هذا؟» قال: «هؤلاء المجاهدون فى سبيل الله؛ تُضاعَف لهم الحسَنةُ بسَبعِمائة ضعف». فهذا المشهد نتعلم منه إعلاء قدر من يقفون على الثغور ويجاهدون من أجل أمتهم وسلامة شعوبهم كالجنود على الحدود، والأطقم الطبية فى مواجهة الأوبئة، فهؤلاء ثوابهم عظيم وعطاء الله لهم كبير، لأنهم غرسوا الأمل وشجرة الحياة لأمتهم وبلدانه 

 عباد الله :" إذا كنا نخرج من معجزة الاسراء والمعراج بدرس الثبات علي المبدأ 

فإننا نستطيع أن نضع  علي عجالة عنواين لبعض الدروس المهمة الأخري 

فمن الدروس الأخرى المستفادة من الإسراء والمعراج 

اليقين والأمل: زرعت المعجزة اليقين والأمل في قلوب المسلمين في زمن اليأس والابتلاء.

الفرج بعد الشدة: كانت المعجزة مواساة للنبي بعد عام الحزن (وفاة خديجة وعمه)، ودرساً بأن الفرج يأتي بعد الشدة.

الأخذ بالأسباب والتّوكل: رغم قدرة الله المطلقة، استخدم النبي البراق وربطه، وهو درس في أهمية الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله.

إثبات نبوة النبي: كانت تأييداً إلهياً لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وإثباتاً لصدق نبوته، وأنه خاتم الأنبياء.

مواجهة الشبهات: كانت اختباراً لصدق المؤمنين وقدرتهم على الثبات أمام ما هو فوق مستوى العقل البشري..

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه 

  

 

google-playkhamsatmostaqltradent