حين سقط الاحترام… سقط كل شيء
عندما
يتحول الإحترام إلى إنقاذ حياة
المقدمة ..
أما بعد…
أيها الأحبة الكرام ......
اعلموا أن من أخطر ما أُصيبت به
مجتمعاتنا في هذا الزمان: سقوط قيمة الاحترام. ....... نعم…
لم أقل ضعف الاحترام ..... ولا قلت قلة الاحترام....
بل سقوطه… كجدارٍ كان يحمي المجتمع،
فلما انهار، دخلت كل الآفات.
✍ أيها الأحبة الكرام:
نحن لا نعيش أزمة أخلاق جزئية، ولا
مشكلة سلوك عابرة،
نحن نعيش انهيار قيمة… وحين تسقط
القيم، لا تنفع القوانين.
اسأل نفسك بصدق:
لماذا كثرت المشكلات؟
لماذا ساءت الأخلاق؟
لماذا صار الغضب سيد الموقف؟
لماذا أصبح الصوت العالي هو المنتصر؟
الجواب واحد: لأن الاحترام غاب.
قال سبحانه وتعالى:﴿وَقُولُوا
لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
كلمة جامعة… تشمل اللفظ، والنبرة،
والنظرة، والأسلوب.
لكن أين نحن من هذا الأمر الرباني؟
انظروا إلى البيوت:
أبٌ يُهان ....
وأمٌ تُقاطع ....
وكلمة "اسكت" تُقال بلا
حياء،
ونبرة الأمر تُستخدم مع من كان سبب
وجودنا بعد الله.
أي قلب هذا؟ .. وأي تربية هذه؟
والله عز وجل يقول : ﴿فَلَا تَقُل
لَّهُمَا أُفٍّ﴾
لم يقل: لا تضرب، ولا تشتم،...
بل نهى حتى عن أقل كلمة ضيق. . فكيف
بمن يرفع صوته؟
كيف بمن يسخر؟ كيف بمن يفضح أسرار
البيت خارجه؟
أيها الأحبة الكرام:
الاحترام لا يُقاس بالعمر فقط، بل
يُقاس بالمكانة.
اسمعوا معى مارواه جابر بن عبد الله
رضي الله عنهما
أن
النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قام لجِنازةِ يهوديٍّ ، مرتْ به ، حتَّى
توارتْ...أخرجه مسلم والنسائي واللفظ له....
النبي ﷺ يقف لجنازة يهودي، فلما تعجب
الصحابة قال:
«أليست نفسًا؟»
تأملوا…
احترام إنسان، لمجرد أنه إنسان... أين
نحن من هذا الخلق؟
اليوم…شاب يسخر من شيخ ، وطالب يستهزئ
بمعلمه، وعامل يتطاول على صاحب فضل، وكلٌ يظن أن الجرأة قوة!
واللهِ ما هي قوة… إنما هي قلة أدب
متنكرة في صورة شجاعة.
أيها الأحبة،
كان السلف يقولون:تعلّمنا الأدب قبل أن
نتعلم العلم.
لأن العلم بلا أدب خطر، والدين بلا
احترام تشويه.
دعوني أقولها صريحة:
الاحترام عبادة. ..... نعم، عبادة
تُثاب عليها،
وإهانة الناس معصية تُحاسب عليها.
فالنبي ﷺ : «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم
مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا»
يعني مش أكثركم كلامًا، ولا أعلى
صوتًا، ولا أشدكم جدلًا،
بل أحسنكم خلقًا.....والخلق يبدأ من
الاحترام.
الاحترام في : الكلمة قبل أن تخرج ، في
الرسالة قبل أن تُرسل ، في المنشور قبل أن يُنشر ، في التعليق قبل أن يُكتب
كم بيوت تهدمت بسبب كلمة؟
كم صداقات انتهت بسبب سخرية؟
كم قلوب انكسرت بسبب استهزاء؟
ثم نسأل: ليه الناس قاسية؟
ليه مفيش مودة؟
ليه القلوب ناشفة؟
لأن الاحترام انسحب… فانسحبت معه الرحمة.
ومن أخطر ما قتل الاحترام في زماننا:
اللسان… والسوشيال ميديا.
ناس بتتكلم وكأنها مش هتتحاسب،
تشتم، تفضح، تستهين، وتنسى أن الكلمة
تُكتب.
وأن الله تعالى قال : ﴿مَا يَلْفِظُ
مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
يا عباد الله،
من لا يحترم الناس، سيسقط من أعينهم،
ومن لا يحترم الكبير، سيُهان حين يكبر.
ومن لا يحفظ حرمة البيوت، ستُهتك حرمته.
فالاحترام أمان… والوقاحة عُري.
ثم اسمعوا هذه الكلمة الثقيلة:
قلة الاحترام علامة خذلان.
لأن الله إذا أراد بعبد خيرًا أصلح
لسانه وأدبه،
وإذا أراد به غير ذلك، ......تركه
يتكلم ويهدم نفسه بنفسه.
أيها الأحبة الكرام ننتقل بعد جلسة الإستراحة إن شاء الله إلى قيمة
عظيمة، قيمة عملية للإنسانية…
وهي أن تضع احترامك وأدبك في خدمة حياة
الآخرين، بأن تنقذ إنسانًا من الموت، بقطرة دمك.
نعم سنتحدث عن التبرع بالدم…
عمل يبدو بسيطًا، لكنه أعظم تجلٍ
لاحترام الإنسان لأخيه الإنسان.
فالاحترام الذي تعلمناه قبل قليل، حين
يتحول إلى فعل، يصبح نجاة لحياة، ورحمة للضعيف، ووسيلة لبركة الله علينا.
فاستعدوا عباد الله، لنفتح صفحة جديدة
في درسنا اليوم، صفحة العطاء بالحياة نفسها، ولنرى كيف أن الاحترام يبدأ بالكلمة،
ويتجسد في الفعل الذي ينقذ حياة.
اقول قولى هذا واستغفر الله لي ولكم........
الخطبة الثانية...
أما بعد…
اعلموا أن من أعظم ما يُتقرب به إلى
الله في هذا الزمان:
إنقاذ حياة إنسان.
لسنا نتكلم عن عبادة شاقة، ولا عن مال
كثير، ولا عن سفر بعيد…
نحن نتكلم عن قطرات دم، تخرج من جسدك،
فتُحيي بها جسدًا آخر.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾
تأملوا المعنى…
إحياء نفس واحدة، كإحياء البشرية كلها.
عباد الله،
في كل مستشفى الآن… إنسان ينزف، طفل
ينتظر كيس دم،
أم تصرخ في صمت، وأب يقف عاجزًا لا
يملك إلا الدعاء.
وأنت ...... قد يكون في جسدك ما ينقذهم…
لكن الشيطان يقول لك:
"مش وقته"
"يمكن تتعب"
"خليها بعدين"
والحقيقة؟
الدقيقة دي عندهم حياة أو موت.
النبي ﷺ يقول:
«من نفَّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا،
نفَّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة»
وأي كربة أعظم من نزيف؟
وأي تفريج أعظم من قطرة دم؟
يا عباد الله،
التبرع بالدم ليس صدقة عادية، بل صدقة
من جسدك،
من روحك، من صحتك.
وأنت عندما تتبرع:
لا تفقد دمك… بل يتجدد
لا تضعف… بل تقوى
لا تخسر… بل تربح
وقد أثبت الأطباء – والشرع سبقهم أن الدم يتجدد،
وأن المتبرع يُجازى صحة قبل الأجر.
لكن دعوني أتكلم بوضوح:
في ناس تموت مش علشان المرض…لكن علشان
مفيش دم.
عارفين يعني إيه؟
يعني الأجل انتهى صحيح … لكن تأخرنا
كان سبب
....
عباد الله،
التبرع بالدم عمل إنساني ، عبادة خفية
، أجرها عظيم ، ولا رياء فيها
تتبرع… ولا تعرف من عاش بسببك
لكن الله يعلم وسيجزي...........
الدعاء ....
أقم الصلاة.....