احترام المسلم لأخيه المسلم
الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول أما بعد
فحديثنا إليكم اليوم عن احترام المسلم لأخيه المسلم
فالمسلم الذي يشهد شهادتنا، ويصلي صلاتنا، ويستقبل قبلتنا، ويأكل ذبيحتنا - مصون الدين والدم، محترم العرض والجسد والمال، فلا يجوز أن يُسب ويُؤذى، فضلًا عن أن يُعتدى عليه بشيء من هذه الأمور، إلا بحق الإسلام الثابت ببرهان شرعي واضح، وحجة قاطعة، بل الواجب حفظ حرمته ونصحه والنصح له حاضرًا أو غائبًا، حيًا أو ميتًا؛ ديانةً لله تعالى، وأداءً لحق المسلم، رغبة في المثوبة، وحذرًا من أليم العقوبة.
ولقد أثنى الله تعالى على أهل الإيمان الكامل بعفة اللسانِ وسلامة الجَنانِ وطِيب القول، والذلةِ على المؤمنين والرحمةِ بهم، والعزةِ على الكافرين، ووعدهم على ذلك رضوانه وفضله وكرامته.
وقال صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن، فإن الظن، أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا - ويشير إلى صدره -، بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه، وعرضه، وماله»، رواه مسلم.
وعليه فمن حقوق أهل الإسلام على المسلم:
1- ترك هجر المسلم فوق ثلاث؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، متفق عليه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار»، رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري، وقال عليه الصلاة والسلام: «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه»، رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وإذا كان هذا شأن الهجر، فهو بين الأرحام والإخوان في الله أعظم إثمًا، وأشد جرمًا، إلا إذا كان الهجر لأمر ديني ترجحت مصلحته بكونه يردع المهجور عن غيه، ويعيده إلى رشده أو يزجر غيره عن فعله، أما إذا كان لأمر دنيوي أو حظ نفس، فلا يجوز فوق ثلاث، كما حدد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الهجر من أجل الدنيا، وحظ النفس فوق ثلاث يكسب الهاجر عظيم الإثم، ويحرمه من المغفرة، ويدخله النار، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا"( مسلم).
2- ترك ذكر الأموات من المسلمين بسوء؛ لأن ذلك من أذيتهم، والتعدي عليهم، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"(البخاري).
3- أن يسلموا من لعنه، أي: سبه وشتمه، والدعاء عليهم بغير حق شرعي ظاهر الحجة، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضبه، ولا بالنار»، وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء»، وقال صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر"(متفق عليه).، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسق أو الكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه".
ويكفي قول الحق تبارك وتعالى:"وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا "(الأحزاب: 58)،
وما ذاك إلا لأن الذي يُكَفِّر، أو يُفَسِّق، أو يُبَدِّع بغير برهان قائل على الله تعالى بلا علم، لأنه إذا قال: فلان كذا، أي كافر، أو فاسق، أو مبتدع، فالمعنى أنه عند الله كذلك، ولا يخفى خطأ القول على الله بلا علم، وأنه أكبر الكبائر.
4- أن لايضره بغش ولاغيره فلاضرر ولاضرار وترك الغش في البيع والشراء والمشورة والنصيحة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"من غشنا فليس منا"( مسلم).
5- أن لايخونه وليكن أمينا معه و أداء الأمانة والحق، قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا "(النساء: 58)،
وقال تعالى:" فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ "(البقرة: 283)، وقال صلى الله عليه وسلم: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»، وقال صلى الله عليه وسلم: "مطل الغني ظلم -"أي: منعه الحق الذي عليه لأخيه والتسويف بأدائه ظلم - يحل عرضه وعقوبته".
وقال صلى الله عليه وسلم: «بحسب امرئ - أي: يكفيه - من الشر أن يحقر أخاه المسلم» رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: «الكبر بطر الحق - أي: رده ودفعه - وغمط الناس - أي: احتقارهم -»، وقال صلى الله عليه وسلم: «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان - أي: لاحتقاره في دينه وتزكيته لنفسه عليه وإعجابه بعمله -، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى عليّ - أي: يحلف ويجزم عليَّ أن لا أغفر لفلان -، فإني قد غفرت له، وأحبطت عملك"(مسلم).
وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله
عنه - قال : بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه ، فقال النبي صلى
الله عليه وسلم : "دعوه وأريقوا على بوله سجلا ( دلوا ) من ماء ، فإنما بعثتم
ميسرين ولم تبعثوا معسرين ". أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بترك هذا
الأعرابي الجاهل حتى ينتهي من بوله ، فلما انتهي أمر أن يراق على بوله ذنوبا من
ماء فزالت المفسدة . ثم دعا الرسول صلى الله عليه وسلم ، الأعرابي فقال : "إن
هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر إنما هي للصلاة وقراءة القرآن ".
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام علي رسول الله أما بعد
7- احترامهم عند الخطأ وتصحيح الأخطاء بلطف
كما روى معاوية بن الحكم السلمي فقال :
بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت : يرحمك
الله ، فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلى ؟ فـجعلوا
يضربون بأيديهم على أفخاذهم ، فلما رأيتهم يصمتونني سكت ، فلما صلى ، عليه الصلاة
والسلام ، فبأبي هو وأمي ، ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه ، فوالله
ما كرهني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال : "إن هذه الصلاة لا يصح فيهما شيء
من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" .
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملاً ".
وها هو الإمام الشافعي رحمه الله حين
مرض وأتاه بعض إخوانه يعوده، فقال للشافعي: قوى لله ضعفك، قال الشافعي: لو قوى
ضعفي لقتلني ، قال: والله ما أردت إلا الخير. فقال الإمام: أعلم أنك لو سببتني ما
أردت إلا الخير.فهكذا تكون الأخوة الحقيقية إحسان الظن بالإخوان حتى فيما يظهر أنه
لا يحتمل وجها من أوجه الخير.
من كان يرجو أن يسود عشيرة
فعليه
بالتقوى ولين الجانب
ويغض طرفا عن إساءة من أساء
ويحلم عند جهل الصاحب
فالمخطئ قبل أن نعاتبه أو نحاسبه لا بد
أن نتفهم سبب الخطأ, ونلتمس له الأعذار وفي كل ذلك لا بد أن تحترم مشاعره حتى لا
يعاند ويصبح الخطأ خطأين.
سَامِحْ أَخَـاكَ إِذَا وَافَاكَ بِالْغَلَــطِ
وَاتْرُكْ هَوَى الْقَلْبِ لا يُدْهِيْكَ بِالشَّطَطِ
فكم صَدِيْقٍ وفيٍّ مُخْـلِصٍ لَبِــقٍ
أَضْحَى عَدُوًّا بِـــمَا لاقَاهُ مِنْ فُرُطِ
فَلَيْسَ فِي النَّاسِ مَعْصُوْمٌ سِوَى رُسُلٍ
حَمَاهُـمُ اللهُ مِـنْ دَوَّامَـةِ السَّقَـطِ
أَلَسْتَ تَرْجُـوْ مِنَ الرَّحْمَنِ مَغْفِـرَةً
يَوْمَ الزِّحَـامِ فَسَامِحْ تَنْجُ مِنْ سَخَـطِ
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله
وصحبه أجمعين.