recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة هل يعرف قلب الوالد الكراهية لأولاده ؟محمد أبوالنصر

هل يعرف قلب الوالد الكراهية لأولاده ؟


جدلية العلاقة بين الأب وأبنائه

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد .

  فلسفة الأبوة بين الفطرة والواقع .

  إن علاقة الأب بأبنائه ليست مجرد رابطة بيولوجية، بل هي ميثاق غليظ، وعاطفة غرسها الله في القلوب لضمان بقاء النوع البشري وتراحمه. والأصل في الأبوة هو "الحب الفطري" الذي يسبق الوعي، ولكن حين يُطرح سؤال "هل يكره الأب أولاده؟" فإننا نقتحم منطقة شائكة تتداخل فيها العوارض النفسية مع الأخطاء التربوية، والضغوطات الحياتية مع الفهم المغلوط

ويأتي كلامنا في المحاور التالية:

  المحور الأول: الفطرة الإلهية في حب الأبناء

  التأصيل القرآني لغريزة المحبة:

لقد سمى الله عز وجل الأبناء "زينة"، والزينة هي ما تسر به النفس وتميل إليه بالفطرة، ولا يمكن للعقل السوي أن يكره زينته وقرة عينه.

  قال تعالى: ﴿ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا﴾ [الكهف: 46].

  ومن دعاء عباد الرحمن الذي يبرز شدة التعلق: ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74].

  وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قَبَّلَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ وعِنْدَهُ الأقْرَعُ بنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقالَ الأقْرَعُ: إنَّ لي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ ما قَبَّلْتُ منهمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إلَيْهِ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ثُمَّ قالَ: مَن لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ"< أخرجه البخاري (5997)، ومسلم (2318)، وأبو داود (5218)، والترمذي (1911)، وأحمد (10673) واللفظ له >

وهذا الحديث يشير إلى أن الأصل هو "الرحمة"، وأن القسوة عارض يخالف كمال الإيمان والرحمة الإلهية.

  المحور الثاني: متى يُساء فهم الأب؟ (الفوارق بين الكراهية والغلظة)

كثير من الأبناء يفسرون حزم الأب أو شدته على أنها كراهية، بينما هي في العمق "حب يحميه القلق".

  الحزم التربوي مقابل البغض:

الأب قد يشتد على ولده ليقوّم سلوكه، تماماً كالطبيب الذي يسقي المريض مرّ الدواء ليشفي علته.

  وفي هذا المعنى يقول الشاعر الأديب:

قسا ليزدجروا ومن يكُ حازماً .. فليقسُ أحياناً على من يرحمُ

  الابتلاء بالأبناء وفتنة السلوك:

قد يجد الأب من ولده عقوقاً أو انحرافاً يسبب له ضيقاً شديداً، فيظن الرائي أن الأب يكره ابنه، والحقيقة أنه يكره "سلوك" ابنه لا "ذات" ابنه.

  قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: 14].

  الآية هنا لم تأمر بالكراهية، بل أمرت بـ "الحذر" ثم رغبت في "العفو والصفح"، مما يدل على بقاء أصل المودة رغم العداوة السلوكية.

  المحور الثالث: الأسباب النفسية والاجتماعية التي قد تولد "شبهة الكراهية"

 الإسقاط النفسي وعقدة النقص:

أحياناً يعاني الأب من اضطرابات نفسية أو ترسبات من طفولته القاسية، فيسقط إحباطاته على أبنائه، وهو هنا شخص مريض يحتاج للعلاج، وكراهيته ليست نابعة من "الأبوة" بل من "المرض".

  المقارنة والمنافسة اللاشعورية:

في حالات نادرة ومعقدة نفسياً، قد يشعر الأب بتنافس مع ابنه الشاب الذي يذكره بضياع شبابه، وهي حالة يفسرها علم النفس بـ "النرجسية المجروحة"، لكنها تبقى استثناءً لا يُقاس عليه.

  المحور الرابع: خطورة التفرقة بين الأبناء وأثرها في توهم الكراهية

إن ميل الأب لواحد من أبنائه قد يُشعر الآخرين بأنه يكرههم، وهذا مزلق خطير حذر منه الشرع بشدة.

  العدل كأساس لوحدة القلوب:

  عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، أن أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً، فقال: "أكلَّ ولدك نحلت مثله؟" قال: لا، قال: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"

وفي روايةٍ أَشهِدْ على هذا غيري وفي روايةٍ إني لا أَشْهَدُ على جُورٍ

وفي رواية  :  أليسَ يَسرُّكَ أن يَكونوا إليكَ في البِرِّ سَواءً قالَ : بلَى قالَ : فلا إذًا"

   صحيح النسائي رقم: 3682 )

وأخرجه مسلم (1623)، والنسائي (3680) واللفظ لهما، والبخاري (2587)، أبو داود (3542) بنحوه.>

  فالجور في العطية يورث الشقاق، ويجعل الأبناء يتوهمون كراهية الأب لهم، بينما هو مجرد سوء تقدير منه.

  المحور الخامس: هل توجد كراهية حقيقية في الواقع؟ (النظرة الفقهية والواقعية)

من الناحية الفقهية والشرعية، المفروض أن لا توجد لانها الفطرة الطبيعية و الأب ملزم بالنفقة والرعاية، ومن الناحية الإنسانية، كراهية الأب لولده هي "شذوذ عن القاعدة".

  الأب المفرط والمضيع:

  يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كَفَى بالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُضَيِّعَ مَن يَعُولُ"

   صحيح مسلم

رقم: 996)من حديث

عبدالله بن عمرو>

  التضييع هنا قد يكون مادياً أو عاطفياً، وهو إثم عظيم، لكنه غالباً ما ينبع من "الأنانية" لا من "بغض الولد" لذاته.

  المحور السادس: توجيهات وعظية للأبناء والآباء

 للأبناء: التمسوا الأعذار لآبائكم:

  لا تفسر صمت الأب كراهية، ولا تعبه إهمالاً، فربما يحمل في قلبه من الهموم ما يمنعه من إظهار عاطفته.

  تذكر قول الله تعالى: ﴿وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24]. لاحظ قوله "من الرحمة"، فالرحمة هي الوقود الذي يحرك العلاقة حتى في لحظات الضعف.

  للآباء: اتقوا الله في قلوب ذريتكم:

 إن الكلمة القاسية تترك ندبة في روح الابن لا يمحوها الزمن. كُن رحيماً لتُرحم.

   عن عائشة رضي الله عنها قالت: "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟"

 أخرجه البخاري (5998) ومسلم  (2317)، وابن ماجه (3665) جميعا باختلاف يسير.>

 الخاتمة:

الأبوة أمانة وليست تملكاً

في ختام هذه المحاضرة، نخلص إلى أن الأب السوي لا يكره أولاده أبداً، بل قد يكره "أفعالهم"، أو قد تعجز وسائله التعبيرية عن إيصال حبه. الأبوة هي تجلٍّ لرحمة الله في الأرض، فإذا رأينا جفاءً أو غلظة، فهي سحابة صيف لا ينبغي أن تحجب شمس الفطرة الواصلة بين الوالد وولده.


google-playkhamsatmostaqltradent