المهن في الإسلام طريق العمران والإيمان معا
كان
لكل نبي من الأنبياء عليهم السلام مهنة
.
العمل
من العبادة
.
الحمد لله رب العالمين اللطيفُ الخبير،
أحمده وأشكره وهو للحمد أهلٌ وبالشكر جدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له العليُّ الكبير، وأشهد أن نبينا محمدا عبدالله ورسولُه البشيرُ النذير والسراجُ
المنير، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما
كثيرا.
وبعد ...
يقول الله سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ
وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].
وقال سبحانه وتعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ
فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً
لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10]،
إن نظام هذه الحياة، يتطلب السعي والعمل
فجميع المخلوقات من حولنا تسعى بجد وتعمل بنشاط ، والعاقل لا يرضى لنفسه أن يكون كَلا
على غيره، وهو يعلم أن الرزق منوط بالسعي، وأن مصالح الحياة لا تتم إلا باشتراك الأفراد
حتى يقوم كل واحد بعمل خاص له، وهناك تتبادل المنافع، وتدور رحى الأعمال، ويتم النظام
على الوجه الأكمل
.
عنِ ابنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا
- قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ الكَسبِ
أَفضَلُ ؟ قَالَ: "عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيعٍ مَبرُورٍ" رَوَاهُ
الطَّبَرَانيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.
لذا أوجب الشارع على المسلم أن يسعى للعمل
المباح لتحصيل الرزق الحلال، وأن يكون له مهنة
وحرفة ، حتى يستغني المرء عن ذل السؤال للغير، والحاجة للخلق، فطلب الرزق وتحصيله شرف
للمؤمن، وعزة للمسلم، به تصان الأعراض، وتحفظ الكرامة، وبه يستعان على كثير من أعمال
البر والطاعة، فنعم المال الصالح للمرء الصالح .
ولقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من
المسألة، وبالغ في النهي عنها والتنفير منها، فقال صلى الله عليه وسلم: «اليد العُلْيَا
خير من اليد السُّفْلَى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعِفَّه
الله، ومن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله» (متفق عليه).
وقال صلى الله عليه وسلم: «لأن يأخذ أحدكم
حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه» (البخاري).
ويقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر
ذهبًا ولا فضة"
ويقول أيضاً: رضي الله عنه: "أني لأرى
الرجل فيعجبني فأقول أله حرفة فإن قالوا لا سقط من عيني".
وعلي المسلم أن يلتزم بآداب وأخلاق المهنة
والعمل حتي يبارك الله له في كسبه
.
- من هذه الآداب :حسن التوكل على الله تعالي والالتزام
بالدوام والتبكير إلى العمل حيث يكون النشاط موفورًا، وتتحقق البركة، عن عمر بن الخطاب
-رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لو أنكم تتوكلون على الله
حقَّ توكُّله ؛ لرزقكم كما يرزق الطيرَ : تغدوا خماصًا وتروح بطانًا ".أخرجه الترمذي
(2344)، وابن ماجه (4164)، وأحمد (205) واللفظ له.
وقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك لأمتي
في بكورها» [الترمذي وابن ماجه]
- ومنها : إتقان العمل، وتلك صفة عظيمة في حياة المؤمن
يحبها الله عزّ وجل ، قال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» [السلسلة الصحيحة
(1113)].
والمسلم مطالب بالإتقان في كل عمل تعبدي
أو سلوكي أو معاشي؛ لأن كل عمل يقوم به المسلم بنيّة العبادة هو عمل مقبول عند الله
يُجازى عليه سواء كان عمل دنيا أم آخرة. قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي
وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ
أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: 162-163].
- ومنها : أن يكون أمينًا.. فيلتزم الأَمَانَةِ في أَدَاءِ العَمَلِ،
وَيحَذَرُ مِنَ الغِشِّ وَالخِيَانَةِ،وأن يتحري الحلال ويبتعد عن الأعمال الحرام ويجب
على العامل أن يحفظ أسرار عمله، فلا يتحدث إلى أحد -خارج عمله- عن أمورٍ تعتبر من أسرار
العمل قَالَ - تَعَالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ
وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 27]
وَقَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ
وَسَلَّمَ -: " مَن غَشَّ فَلَيسَ مِنَّا " رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَقَالَ - صَلَّى
اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: "لا إِيمَانَ لِمَن لا أَمَانَةَ لَهُ "
رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ .
وَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ
-: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلى مَنِ ائتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَن خَانَكَ" رَوَاهُ
التِّرمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ
.
فهذه بعض آداب العمل وواجباته علي العامل
أن يلتزم بها. ففيها الراحة والسعادة ، وفيها رضا الله وسعة الرزق وحلول البركة ..
(٢)- إخوة الإيمان والإسلام :
لقد كان الأنبياء عليهم السلام الأسوة والقدوة
يعملون بايديهم ، وكان لكل نبي مهنة وحرفة.
عَنِ الْمِقْدَامِ رضى الله عنه عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ « مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْراً مِنْ
أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِىَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ
كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ » . (رواه البخاري )
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كان
آدم -عليه السلام- حراثاً، ونوح نجاراً، وإدريس خياطاً، وإبراهيم ولوط كانا يعملان
في الزراعة، وصالح تاجراً، وداود حداداً.. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ
مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ،
أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سبأ: 10-11]. وموسى
وشعيب وسيدنا محمد صلوات الله تعالى عليهم كانوا رعاة للأغنام،
في صحيح البخاري (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ
– رضى الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ :« مَا بَعَثَ اللَّهُ
نَبِيًّا إِلاَّ رَعَى الْغَنَمَ » . فَقَالَ أَصْحَابُهُ وَأَنْتَ فَقَالَ :« نَعَمْ
كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ » .
وعمل صلى الله عليه وسلم أيضاً في التجارة
فخرج إلى الشام في تجارة عمه وزوجه خديجة رضي الله عنها .
قال لقمان الحكيم لابنه يوما: "يا
بني استعن بالكسب الحلال فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه، وضعف
في عقله، وذهاب مروءته وأعظم من هذه الخصال استخفاف الناس به".
فعلى المسلم أن يعمل ويجتهد حتى تتحقق قيمته
في الحياة
.
بقدر الكد تكتســب المعالي
و من طلب العـلا سهر الليالي
تــروم العــز ثم تنام ليلا
يخوض البحر من طـلب اللآلي
لنـقل الصخر من قلل الجبال
أحـب
إلى مـن منن الـرجال
و قـالوا للفتى في الكسب عار
فقلت
العــارفـي ذل السؤال
إذا عـاش الفتى ستين عـاماً
فنصف
العـمـر تمحقه اللـيالي
وربع العمر يمضى ليس يدري
أيقـضـى في يمـين أو شمـال
و ربع العمر أمـراض وشيب
و شـغـل
بالتفـكر والعـيال
فحب المرء طول العمـر قبح
و قسمـته
عـلى هـذا المثـال
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر
المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين ..اللهم لك الحمد
كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد
أن محمدا عبده ورسوله .. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله واصحابه أجمعين..
وبعد....
(٣)- عبــــــــاد الله:...
لقد عظم الإسلام من شأن العمل مهما كان
هذا العمل في المصنع أو في المتجر أو في السوق أو في تشييد المباني أو في الزراعة وحراثة
الأرض, أو غير ذلك بل حتى عمل المرأة في بيتها لزوجها وأولادها فإنها تؤجر عليه..
فعلى قدر عمل الإنسان يكون جزاؤه, قال الله
تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ
حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)
[النحل: 97]
..
فالعمل المباح كالتجارة والصناعة .. ونحوها
يكون عبادة إذا نوى الإنسان به نية حسنة ، ككف نفسه عن سؤال الناس والحاجة إليهم ،
أو النفقة على أهله ، والتصدق على المحتاجين ، وصلة الرحم ، ونفع المسلمين بهذا العمل
.. ونحو ذلك من النيات الصالحة التي يثاب عليها .
ولكن .. بشرط : أن لا يشغله هذا العمل عما
أوجبه الله عليه من العبادات ، كالصلاة والزكاة والصيام ، قال الله تعالى : ﴿رِجَالٌ
لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ
وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ
﴾ (النور : 37
).
فالعمل في الإســلام نوع من أنواع العبادة
والجهاد في سبيل الله تعالي
.
قال تعالي : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي
الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ۖ ﴾
" ومنكم- أيضا- الذين يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ
أى: يسافرون فيها للتجارة وللحصول على مطالب الحياة، وهم في كل ذلك يبتغون ويطلبون
الرزق من فضله-تبارك وتعالى-.
ومنكم- أيضا- الذين يقاتلون من أجل إعلاء
كلمة الله، ويجاهدون من أجل نشر دينه ومادام الأمر كذلك، فقد أبحت لكم- بفضلي وإحسانى-
أن تصلوا من الليل ما تيسر لكم.
وقد جمع- سبحانه - بين السعى في الأرض لطلب
الرزق، وبين الجهاد في سبيله، للإشعار بأن الأول لا يقل في فضله عن الثاني، متى توفرت
فيه النية الطيبة، وعدم الانشغال به عن ذكر الله-تبارك وتعالى-.
قال الإمام القرطبي: سوى الله-تبارك وتعالى-
في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال، للنفقة على النفس والعيال..
فكان هذا دليلا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد في سبيل الله ).
(التفسير الوسيط )
أخرج الطبراني عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ
قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُ
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَلَدِهِ ونَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ،
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى
وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ
شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ
يَعِفُّها فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،وَإِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وتَفَاخُرًا فَهُوَ
فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ»
.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"والله ما أحب أن يأتيني الموت إلا على أحد شكلين؛ إما مجاهدًا في سبيل الله أو
ساعيًا لطلب الرزق".
اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن
معصيتك، وبفضلك عمن سواك يا واسع الفضل والإحسان يا أكرم الأكرمين.
اللهم ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ
علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، ونسألك اللهم الغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم،
والفوز بالجنة والنجاة من النار
.
اللهم تقبل أعمالنا وتجاوز عن تقصيرنا .