رجال من قريتي
مع المرحوم الشيخ/يوسف ناجي بليح
اليوم أروي تلك القصة، لرجل من قريتي ، رجل عالم جليل ولد في بداية القرن التاسع عشر والتحق بالأزهر الشريف وتعلم بمعهدطنطا الديني الأزهري ثم التحق بكلية أصول الدين وحصل علي العالمية في أصول الدين وكان علي درجة عالية من الفقه والتفسير وذاع صيته وشهرته فكانت تأتيه الناس للفتوي من جميع المحافظات المجاورة فقد كان حجة فقيهاً وكان إذا عجزت العلماء عن مشكلة في الزواج وفي الرضاع والميراث يرسلوا له الناس ليفتيهم ..
كان من أقرانه الشيخ عبدالمنعم النمر مفتي الديار المصرية الأسبق والشيخ عبدالرحمن بيصار شيخ الأزهر الأسبق والشيخ عبدالمنعم حجاب شيخ معهد دسوق الديني في عصره الذهبي وعضو مجمع البحوث الإسلامية ..
وأذكر عندما ذهبت للتقديم بالمعهد الديني بدسوق وكانت تعقد مقابلات مع شيخ المعهد لاختيار المذهب فكان يقولك مذهبك إيه فأول ماسمع اسمي قال لي أنت ابن شقيق الشيخ يوسف ناجي بليح فقلت له نعم فقال لي مذهبك مالكي فالشيخ مذهبه مالكي .. وأبلغه سلامي قل له الشيخ حجاب بيسلم عليك ..
ويومها أتيت مسروراً وسعيداً وبمجرد ما نزلت من السيارة توجهت لعمي الشيخ يوسف وأخبرته بما حدث وفرح جداً وشجعني علي القراءة والمذاكرة ..
عاش الشيخ يوسف حياة العلماء ولكنه امتهن مهنة التجارة في الأقطان بجوار العلم والمعرفة كغيره من العلماء فقد جمع بين التجارة والعلم: لم يمنعه عمله بالتجارة من طلب العلم، بل كان يجمع بينهم..
كما تاجر رسول الله صلي الله عليه وسلم خمسة عشرعاماً حتي يعرف أحوال الناس ومعاملاتهم والصبر عليهم فكان ذلك نجاحاً له في دعوته إلي الله لأن المهنة الوحيدة التي يتعلم منها التاجر الصبر والحكمة والفراسة هي مهنة التجارة ..
وكان هناك الكثير من الصحابة العلماء التجارمنهم أبوبكر وعبدالرحمن بن عوف والزبير بن العوام وغيرهم
وكان هناك من التابعين الإمام أبو حنيفة تاجراً ثرياً وناجحاً في تجارة الحرير،وكان ابن سيرين عالماً ومفسراً للمنامات وتاجراً وغيرهم وغيرهم ..
وقد استهوته لعبة السياسة فأوعز إليه بعض الناس أن يخوض انتخابات مجلس الأمة وذلك لذيع صيته وشهرته كعالم وتاجر معروف .. وقدحذره اخوته ومحبيه من خوض هذه اللعبة فالناس يتقلبون ومن معه اليوم في لحظة ينقلب ضده والكثير منافقون وبالفعل تدخل المال السياسي في العملية الانتخابية و نجح يومها من دفع ..
والرجل كغيره من العلماء الأجلاء قد أختبر ومحص وابتلي فخسرت البورصة في الخمسينات، شهدت بورصة القطن المصرية خسائر كبيرة، خاصة بسبب أزمة عام 1951 المتعلقة بالصادرات والمواصفات، التي أدت لخسائر فادحة لـ "فرغلي باشا" ملك القطن، حيث تعاقد محمد أحمد فرغلي باشا لبيع كميات كبيرة من القطن، لكن رفضت البورصة القطن بحجة عدم مطابقته للمواصفات، مما تسبب بخسائر ضخمه له، ولم تنقذه إلا تغييرات الحكومة بعد حريق القاهرة وثورة يوليو 1952، التي أدت لاحقًا لتقليص دور البورصة لصالح سيطرة الدولة الاشتراكية على الاقتصاد في الستينيات، مما قلل من أهميتها التجارية حتى تم هدم مقرها في الثمانينات.
ثم ترك التجارة وتم تعينه في مؤسسة الأدوية بالقاهرة مديراً وظل بها حتي خرج للمعاش وعاد للقرية فاتجه لفعل الخير وأنكب علي العلم وكان أحياناً يخطب الجمعة عندما لم يكن هناك خطيب بالمسجد الكبير .. وساهم في تعليم أهالي القرية والقري المجاورة فخصص منزلين له مبني للمدرسة الابتدائي ..حتي أن أهالي القرية والقري المجاورة يقولك أنا كنت في مدرسة الشيخ يوسف ناجي بليح ..
كما تبرع لبناء أرض للمدرسة الإعدادية من ملكه الخاص عندما كانت المدرسة تنقل لقرية شابه المجاورة وقف هو وغيره من رجال القرية حتي لاتخرج المدرسة من القرية وتبرع بقطعة أرض 12اثني عشر قيراطاً لبناء المدرسة والتي يتخرج منها عشرات الطلاب كل عام..
وفي عام 1982م لما ضاق المسجد الكبيربالمصلين في القرية تبرع لبناء مسجد بليح علي الطريق ورفض أن يأخذ تبرعات من أحد وبناه علي نفقته الخاصة حتي يبني الله له قصراً في الجنة كما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :"من بنى لله مسجدًا، بنى الله له بيتًا في الجنة"(صحيح).
وفي يوم افتتاح المسجد الجمعة وأول جمعة وكانت في شهر رمضان المعظم عام وكانت أول جمعة في رمضان في ذلك العام توافق الأيام الأولى 1403هـ شهر يونيو 1983م فاضت روحه الي خالقها والي باريها
فرحمه الله رحمة واسعة من عنده وجعل عمله في ميزان حسناته وجزاه عنا وعن الإسلام خير الجزاء