الصيام: أسرار، وأحكام، وثمرات .
الحمد لله الذي فرض علينا الصيام، وجعله
جُنّةً من الآثام، ومناراً للإسلام، وسبباً لنيل أعالي الجنان ودار السلام. نحمده سبحانه
على نعمة الإيمان، ونشكره أن بلغنا شهر القُرآن.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له جعل الصيام خالصاً له من بين سائر أعمال العالمين، فقال في قدسيّ حديثه: "الصوم
لي وأنا أجزي به"، فما أعظمه من فضلٍ للمتقين.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيُّه وخليله،
خير من صام وقام، وأفضل من صلى لربه واستقام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام،
صلاةً وسلاماً دائمين ما تعاقب النور والظلام.
أما بعد:
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ).
إن الصيام ليس مجرد إمساكٍ مادي عن الطعام
والشراب، بل هو رحلة عروج روحي، وهجرة من أسر العادة إلى سعة العبادة. هو سرٌّ بين
العبد وربه، لا يطلع عليه إلا عالم الخفيات، مما يجعله أرقى مدارس الإخلاص .
أولاً: تعريف الصيام في اللغة والشرع .
١- تعريف الصيام لغة .
الصيام في اللغة يدور حول "الإمساك"
والكف عن الشيء، سواء كان هذا الشيء قولاً أو فعلاً أو حركة.
تقول العرب: "صامت الخيل" إذا
أمسكت عن السير أو العلف، و"صامت الريح" إذا سكنت وركدت.
وقد ورد في قصة السيدة مريم عليها السلام:
﴿فَقُولِي إِنِّي نَذرتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [سورة مريم: 26].
فالصوم هنا جاء بمعنى الإمساك عن الكلام
والمنطق، وهو ما يوضح السعة اللغوية للمصطلح قبل تخصيصه شرعاً.
٢- تعريف الصيام في الشرع .
عرف بأنه "التعبد لله تعالى بالإمساك
عن الأكل والشرب وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، بنية مخصوصة،
من شخص مخصوص، بشروط مخصوصة".
شرح التعريف:
التعبد: ليخرج الإمساك بداعي الحمية الطبية
أو عدم الرغبة في الأكل.
شخص مخصوص: أي المسلم، العاقل، البالغ،
الطاهر من الحيض والنفاس.
النية: لقوله ﷺ: «إنَّما الأعْمالُ بالنِّيّاتِ، وإنَّما
لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى» رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود
والنية هي ركن الصيام الركين، وبها يتميز
العبادة عن العادة.
والنية في اللغة هي القصد، وفي الشرع هي
عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله.
- وجوب تبييت النية في صيام الفرض
لا يصح صيام الفريضة (كرمضان) إلا بنية
تسبق طلوع الفجر.
عن حفصة أم المؤمنين قال النبي صلى الله
عليه وسلم : «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ» أخرجه النسائي واللفظ له، وأبو داود، والترمذي
بنحوه
- نية صيام النفل (سعة من الله)
أما صيام التطوع، فيجوز بنية من النهار
بشرط عدم تناول مفطر قبلها، وهذا من تيسير الشريعة.
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت:
«دَخَلَ عَلَيَّ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ذَاتَ يَومٍ فَقالَ: هلْ عِنْدَكُمْ
شيءٌ؟ فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: فإنِّي إذَنْ صَائِمٌ» خرجه مسلم.
تجديد النية وأثرها القلبي
النية ليست تلفظاً باللسان، بل هي استحضار
لعظمة المعبود في القلب. إن "تبييت" النية يعني أن ينام المؤمن وهو عاقد
العزم على طاعة الله، فيكتب له أجر نيته حتى وهو نائم.
إن الصيام ليس مجرد انقطاع مؤقت عن شهوتي
البطن والفرج، بل هو رحلة اغتراب عن المادة، وعودة مخلصة إلى الروح.
هو "سر" بين العبد وربه لا يطلع
عليه إلا الله؛ ولذلك اختصه الله لنفسه من بين سائر العبادات.
ثانيا : حكم الصيام :
الصيام فرض ، يقول الله تعالى في محكم التنزيل:
﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ
مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: 183].
فرض الله الصيام على أمة محمد ،كما فرضه
على الأمم السابقة، مما يهون على النفس مشقة التكليف.
* عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول
الله ﷺ: «بُنِيَ الإسْلامُ علَى خَمْسٍ: شَهادَةِ
أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ
الزَّكاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضانَ» رواه البخاري رقم ، ومسلم ).
ثالثاً: لماذا نصوم؟
أو ما هي حكمة الصيام (المقاصد الشرعية
والتربوية).
نصوم امتثالاً لأمر الله، وتحقيقاً لغاية
التقوى، وتدريباً للنفس على الصبر والمراقبة.
فالله لم يشرع الصيام تعذيباً للنفس، بل
شرعه تهذيباً لها، وتتعدد الحِكم لتشمل الجوانب الروحية والاجتماعية والصحية.
الحكمة الروحية (تحقيق التقوى):
هي الحكمة الأم التي نص عليها القرآن الكريم؛
فالصائم يترك ما تشتهيه نفسه -وهو حلال أصلاً- امتثالاً لأمر الله، فمن باب أولى أن
يترك ما حرمه الله عليه في كل وقت.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة: 183].
التقوى: الغاية العظمى
الصيام يكسر حدة الشهوة، ويجعل الإنسان
في حالة مراقبة دائمة لخالقه، مما يورث القلب خشية ونوراً.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ
لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» خرجه البخاري.
الحكمة التربوية : (كسر سلطان العادة وشهوات
النفس وتدريب الإرادة):
إن النفس إذا شبعت تطلعت إلى الشهوات، وإذا
جاعت انكسرت وخضعت.
الصوم هو "لجام المتقين" الذي
يكبح جماح النفس الأمارة بالسوء، ليرتقي بها إلى مصاف الملائكة. ويجعل العقل هو القائد
لا الهوى.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
قال رسول الله ﷺ: «يا مَعْشَرَ الشَّبابِ، مَنِ اسْتَطاعَ
الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنَّه أغَضُّ لِلْبَصَرِ وأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، ومَن لَمْ
يَسْتَطِعْ فَعليه بالصَّوْمِ؛ فإنَّه له وِجاءٌ» رواه البخاري، ومسلم.
معنى "وجاء": الوجاء هو الوقاية
والحماية، وكأن الصوم يحيط النفس بسياج يمنعها من الانفلات.
الحكمة الاجتماعية (المساواة والشعور بالآخر):
في الصيام يتساوى الملك والمملوك، والغني
والفقير، في ذل الجوع بين يدي الخالق.
الصيام "مدرسة الرحمة"، فمن لم
يذق ألم الجوع لم يدرك مرارة الحرمان، فإذا جاع الغني تذكر جاره المسكين، فجادت يداه
بالصدقة.
الحكمة الصحية (صحة للبدن ):
أثبتت الدراسات أن الصيام يعمل على تنقية
البدن من السموم المتراكمة، وإعطاء الجهاز الهضمي فترة راحة ضرورية لاستعادة نشاطه.
رابعا: فضل الصيام ومنزلته عند الله
لقد ميز الله الصيام بخصائص لم يجعلها لغيره،
فهو العبادة التي لا يدخلها الرياء بسهولة.
١. نسبة الصوم إلى الله تشريفاً
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ،
فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» خرجه البخاري، ومسلم.
إن إضافة الصوم إلى الله (فإنه لي) هي إضافة
تشريف وتعظيم، وكأن الله يقول: "عبدي ترك لذاته من أجلي، فجزاؤه عليّ بلا حساب".
٢. الصيام وقاية من النار
عن عثمان بن أبي العاص رضي الله أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: «الصِّيامُ جُنَّةٌ من النَّارِ ، كَجُنَّةِ أحدِكمْ من القِتالِ.
وفي لفظ«الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ
بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ»
أخرجه ابن ماجه، وأحمد، وابن خزيمة،
المقاصد التربوية والاجتماعية للصيام
الصيام ليس تجربة فردية فحسب، بل هو
"صياغة جماعية" للأمة.
١. الشعور بالآخر (أدب المواساة)
عندما يجوع الغني، يدرك معنى ألم الفقير،
فتتحرك مشاعر الرحمة والجود.
قال تعالى في سياق أحكام الصيام وفديته:
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا
فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: 184].
٢. تهذيب الأخلاق والتربية على الصبر
الصيام يسمى "شهر الصبر"، والصبر ثوابه الجنة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا
يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» أخرجه البخاري، ومسلم .
خامسا: ثمرات الصيام في الدنيا والآخرة
للصائم بشريات لا تنقطع، تبدأ من لحظة الإفطار
وتستمر حتى دخول الجنة.
١. فرحتان للصائم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لِلصَّائِمِ
فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ
فَرِحَ بِصَوْمِهِ» أخرجه البخاري واللفظ له، ومسلم
٢. باب الريان: تكريم خاص
* عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ
مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ...
فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ» خرجه البخاري، ومسلم.
والنسائي
الخاتمة: الصيام مدرسة التغيير .
* إن الصيام هو إعلان سنوي عن قدرة الإنسان
على التغيير؛ فمن استطاع ترك المباح (الطعام والشراب) امتثالاً لأمر الله، فهو على
ترك الحرام أقدر. إنها دعوة للعودة إلى الله بقلب جديد، ونية صادقة، وعزم أكيد على
الاستقامة.
الدعاء
اللهم يا من جعلت الصيام جنةً ووقاية، وطريقاً
للتقوى والبداية، نسألك بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، أن تتقبل منا صيامنا خالصاً
لوجهك الكريم.
اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، وبك آمننا،
وعليك توكلنا، فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا.
اللهم
يا رب العالمين، اجعل نياتنا في صيامنا نيةً صادقة، لا رياء فيها ولا سُمعة، واجعل
قلوبنا في حال الصيام معلقةً بك، مستحضرةً لعظمتك، مراقبةً لجلالك.
اللهم طهر قلوبنا من الغل والحقد، وألسنتنا
من الغيبة والكذب، وأعيننا من الخيانة، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
اللهم
يا حي يا قيوم، اجعل جوعنا في هذا الصيام سبباً لانكسار نفوسنا بين يديك، وعطشنا سبباً
لظمأ أرواحنا إلى رحمتك.
اللهم كما منعتنا في نهارنا عن حلالِ طعامنا
وشرابنا امتثالاً لأمرك، فأعنّا على ترك حرامِ القول والفعل طلباً لرضاك.
اللهم اجعل الصيام مربياً لنفوسنا، مهذباً
لأخلاقنا، كاسراً لشهواتنا.
اللهم
اجعلنا ممن يقال لهم يوم القيامة: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ
فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ)، واجعلنا ممن تناديهم من باب الريان، فلا يظمأون بعد
دخولهم أبداً.
اللهم وفقنا لتمام الصيام، وبلغنا ليلة القدر، واكتبنا فيها من السعداء المقبولين، ولا تجعلنا من المحرومين الذين ضيعوا نيتهم فضلّ سعيهم. وصلى الله وسلم