تحويل القبلة ليس مجرد تغييراتجاه بل تحولاً تربوياً ونفسياًللأمة
أبعاد تحويل القبلة وتأثيرها على النفوس
هل كان تحويل القبلة في ليلة النصف من شعبان؟
الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله أما بعد فياعباد الله
إن تحويل القبلة في العام الثاني للهجرة لم
يكن مجرد تغيير اتجاه جغرافي للصلاة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، بل كان تحولاً
تربوياً ونفسياً للأمة. مثّل هذا الحدث اختباراً لصدق الطاعة والامتثال، وعزز الهوية
المستقلة للمسلمين، ورسخ مفهوم الوسطية، ونقل النفوس من التبعية إلى التميز باتباع
أمر الرسول ﷺ.
أبعاد تحويل القبلة وتأثيرها
على النفوس:
عباد الله :" اختبار لصدق الإيمان: كان الهدف تمييز من
يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، ووصف الله هذا التحويل بـ "الكبيرة" (الامتحان
الصعب) إلا على المؤمنين الصادقين.قال تعالي:
أبرز نقاط التفسير:
الهدف من التغيير: الابتلاء والاختبار
(لنعلم: أي علم ظهور وتحقق لا علم معرفة مسبقة) لتميز من يتبع الرسول عن من ينقلب على
عقبيه.
ثقل الأمر: كان تحويل القبلة أمراً شاقاً
وكبيراً إلا على المؤمنين الصادقين الذين هداهم الله.
طمأنة المسلمين: طمأنت الآية المسلمين بأن
صلاتهم السابقة نحو بيت المقدس لم تضع ("وما كان الله ليضيع إيمانكم" أي
صلاتكم).
السياق: ذكرت الآية وسط سورة البقرة في
سياق تشريف الأمة الوسط، عقب استنكار السفهاء لتحول القبلة.
الآية تعتبر حكماً بتميز الصادقين وامتثالهم
لأمر الله ورسوله فور نزوله.
تحويل من التبعية إلى التميز: نقل المسلمين
من التشبه بغيرهم في القبلة إلى قبلة مستقلة (الكعبة) تربطهم بأصلهم الإبراهيمي وتؤكد
وسطيتهم.
الاستجابة الفورية والامتثال: امتثل الصحابة
للأمر فوراً، كما حدث في مسجد بني سلمة، حيث تحولوا في منتصف الصلاة، مما يرسخ الاستسلام
التام لأمر الله ورسوله.
تحقيق الراحة النفسية: كان النبي ﷺ يتوق لهذا التحويل، فكانت استجابة الله
له بـ "فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا".
هل كان تحويل القبلة في ليلة النصف من شعبان؟
نعم، ثبت عند جمهور أهل العلم والمؤرخين
أن تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى الكعبة المشرفة حدث في شهر شعبان من السنة الثانية
للهجرة. وقد أشار العديد من المصادر، بما في ذلك دار الإفتاء المصرية ومركز الأزهر
للفتوى، إلى أن هذا التحويل وقع تحديداً في منتصف شهر شعبان، وسط أقوال أخرى تشير إلى
رجب أو أوقات أخرى في شعبان.
وإليك تفاصيل هذا الحدث التاريخي:
التوقيت: وقع التحويل في السنة الثانية
للهجرة، حيث صلى النبي ﷺ نحو بيت المقدس 16 أو 17 شهراً.
الحدث: نزل الوحي بتغيير القبلة إلى الكعبة (المسجد الحرام) عندما قدم ﷺ من مكة إلى المدينة كان يستقبل بيت المقدس، وبقي على ذلك ستة - أو سبعة - عشر شهراً، كما ثبت في الصحيحين من حديث البَرَاءِ بن عازب قال: "إنَّ النبي ﷺ كان أوَّل ما قدم المدينة نزل على أجداده - أو قال: أخواله - من الأنصار، وإنه ﷺ صلَّى قِبَلَ بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يُعجبه أن تكون قبلتُه قِبَل البَيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها - صلاة العصر - وصلَّى معه قوم، فخرَج رجلٌ ممَّن صلى معه، فمرَّ على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله، لقد صلَّيتُ مع رسول الله ﷺ قِبَلَ مكة، فدارُوا كما هم قِبَلَ البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قِبَل بيت المقدس، وأهل الكتاب، فلما ولى وجهَه قِبَل البيت، أنكروا ذلك"؛ متفق عليه
الأدلة: استند القول بأنها في النصف من
شعبان إلى روايات منها ما ذكره ابن إسحاق والواقدي، وهو ما تناقلته العديد من المصادر
الدينية وتعتبره ذكرى لتحويل القبلة طيب الله بها خاطر النبي ﷺ.
فالرواية المشهورة والأكثر شيوعاً هي النصف من شعبان.
قال محمد بن سعد : أخبرنا هاشم بن القاسم
، قال : أنبأنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : ( ما خالف نبي نبيا قط في
قبلة ولا في سنة ، إلا أن [ ص: 60 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل بيت المقدس
حين قدم المدينة ستة عشر شهرا ، ثم قرأ :" شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي
أوحينا إليك "(الشورى : 13) .
عباد الله:" وكان لله في جعل القبلة إلى بيت المقدس
ثم تحويلها إلى الكعبة حكم عظيمة ، ومحنة للمسلمين
والمشركين واليهود والمنافقين
.
وأما المشركون فقالوا : كما رجع إلى قبلتنا ، يوشك أن يرجع إلى ديننا ، وما رجع إليها إلا أنه الحق .
وأما اليهود فقالوا : خالف قبلة الأنبياء قبله ، ولو كان نبيا لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء .
وأما المنافقون فقالوا : ما يدري محمد أين يتوجه ، إن كانت الأولى حقا فقد تركها ، وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل ، وكثرت أقاويل السفهاء من الناس ، وكانت كما قال الله تعالى : ( وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ) [ البقرة : 143 ] وكانت محنة من الله امتحن بها عباده ليرى من يتبع الرسول منهم ممن ينقلب على عقبيه .
ولما كان أمر القبلة وشأنها عظيما ، وطأ
- سبحانه - قبلها أمر النسخ وقدرته عليه ، وأنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله ، ثم
عقب ذلك بالتوبيخ لمن تعنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقد له ، ثم ذكر بعده
اختلاف اليهود والنصارى ، وشهادة بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شيء ، وحذر عباده المؤمنين
من موافقتهم واتباع أهوائهم ، ثم ذكر كفرهم وشركهم به ، وقولهم : إن له ولدا ، سبحانه
وتعالى عما يقولون علوا ، ثم أخبر أن له المشرق والمغرب ، وأينما يولي [ ص: 61 ] عباده
وجوههم فثم وجهه ، وهو الواسع العليم ، فلعظمته وسعته وإحاطته أينما يوجه العبد ، فثم
وجه الله
.
عباد الله:" أخبر الله عزوجل نبيه بعد ذلك أنه لا يسأله عن أصحاب الجحيم الذين لا يتابعونه ولا يصدقونه ،
ثم أعلمه أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم ، وأنه إن فعل وقد أعاذه الله من ذلك فما له من الله من ولي ولا نصير ، ثم ذكر أهل الكتاب بنعمته عليهم ، وخوفهم من بأسه يوم القيامة ،
ثم ذكر خليله باني بيته الحرام ، وأثنى عليه ومدحه ، وأخبر أنه جعله إماما للناس يأتم به أهل الأرض ،
ثم ذكر بيته الحرام وبناء خليله له ، وفي ضمن هذا أن باني البيت كما هو إمام للناس فكذلك البيت الذي بناه إمام لهم ، ثم أخبر أنه لا يرغب عن ملة هذا الإمام إلا أسفه الناس ،
ثم أمر عباده أن يأتموا برسوله الخاتم ، ويؤمنوا بما أنزل إليه وإلى إبراهيم وإلى سائر النبيين ،
ثم رد على من قال : إن إبراهيم وأهل بيته كانوا هودا أو نصارى ، وجعل هذا كله توطئة ومقدمة بين يدي تحويل القبلة ، ومع هذا كله فقد كبر ذلك على الناس إلا من هدى الله منهم ، وأكد سبحانه هذا الأمر مرة بعد مرة بعد ثالثة ، وأمر به رسوله حيثما كان ومن حيث خرج ،
وأخبر أن الذي يهدي من
يشاء إلى صراط مستقيم هو الذي هداهم إلى هذه القبلة ، وأنها هي القبلة التي تليق بهم
، وهم أهلها لأنها أوسط القبل وأفضلها ، وهم أوسط الأمم وخيارهم ، فاختار أفضل القبل
لأفضل الأمم ، كما اختار لهم أفضل الرسل وأفضل الكتب ، وأخرجهم في خير القرون ، وخصهم
بأفضل الشرائع ، ومنحهم خير الأخلاق ، وأسكنهم خير الأرض ، وجعل منازلهم في الجنة خير
المنازل ، وموقفهم في القيامة خير المواقف ، فهم على تل عال والناس تحتهم ، فسبحان
من يختص برحمته من يشاء ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .
وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك لئلا يكون للناس
عليهم حجة ، ولكن الظالمون الباغون يحتجون عليهم بتلك الحجج التي ذكرت ، ولا يعارض
الملحدون الرسل [ ص: 62 ] إلا بها وبأمثالها من الحجج الداحضة ، وكل من قدم على أقوال
الرسول سواها فحجته من جنس حجج هؤلاء .
وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك ليتم نعمته عليهم
وليهديهم ، ثم ذكرهم نعمه عليهم بإرسال رسوله إليهم ، وإنزال كتابه عليهم ؛ ليزكيهم
ويعلمهم الكتاب والحكمة ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون ، ثم أمرهم بذكره وبشكره ، إذ
بهذين الأمرين يستوجبون إتمام نعمه والمزيد من كرامته ، ويستجلبون ذكره لهم ومحبته
لهم ، ثم أمرهم بما لا يتم لهم ذلك إلا بالاستعانة به ، وهو الصبر والصلاة ، وأخبرهم
أنه مع الصابرين.