تحويل القبلة وتحوّل القلوب
الحمد لله الذي شرع لنا الدين أكمل تشريع،
وأتمّ علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينًا لا يُبدَّل ولا يُغيَّر، الحمد لله الذي
جعلنا أمة وسطًا، وشرّفنا بقبلة البيت الحرام، تعظيمًا وتكريمًا وتشريفًا،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، مالك الملك، ومُقلِّب القلوب والأبصار، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه،
أكرمه ربُّه فاستجاب لتعلُّق قلبه، وحوَّل له القبلةَ تحويلًا، صلى الله عليه وعلى
آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعـــــــــد،،
فها نحن نعيش في ظلال شهر شعبان، هذا الشهر
الذي يغفل عنه كثير من الناس بين رجب ورمضان، وهو في ميزان السماء شهرٌ عظيم، تُرفع
فيه الأعمال إلى رب العالمين، وهو سفيرُ رمضان إلى القلوب، وشهر السقيا والريّ قبل
موسم القربات.
وتتعدد مناسبات هذا الشهر وأحداثه، ففي
هذا الشهر الجليل وقعت حادثة من أعظم أحداث السيرة، حادثة لم تغيِّر وِجهة الصلاة فحسب؛
بل أعادت تشكيل هوية الأمة، واستعادت لها استقلالها، وربّت القلوب، وغربلت الصفوف،
وأعلنَت ميلاد مرحلة جديدة في تاريخ الإسلام؛ إنها حادثة تحويل القبلة، وحول هذا الشهر
وحادثة تحويل القبلة نتحدث إليكم اليوم، وذلك من خلال العناصر التالية:
أولا: شهر شعبان ... فقه الاستعداد وتحويل
الوجهة قبل المواسم
أيها الأحبة، لو أن سفيرًا قدم إلى بلدٍ
لَأُحسِن استقباله وأُكرِمَت وفادته، فكيف بسفير رمضان؟! لقد أحسن سيدنا النبي ﷺ استقبال شهر شعبان، فأكثر فيه من الصيام
والطاعة، وعلَّم أُمَّته سِرَّ ذلك بقوله: ((ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ
بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ
الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ))، وكان السلف الصالح
إذا دخل شعبان انكبّوا على المصاحف، وأكثروا من تلاوة القرآن، حتى سمّوه شهر القُرّاء؛
لأن من لم يُهذّب قلبه في شعبان، عَسُرَ عليه أن يُحسن الاستقبال في رمضان. فهنا تبدأ
أولى رسائل التحويل: تحويل وجهة الوقت، وتحويل مسار القلب، قبل أن تُرفع الأعمال إلى
الله.
ثانيًا: تحويل القبلة .. حينما يُرضِي الله
حبيبه ﷺ
أيها المسلمون، بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، ظلّ يتوجَّه في صلاته إلى
بيت المقدس قرابة ستة عشر شهرًا؛ امتثالًا لأمر الله، مع أن قلبه كان معلّقًا بالكعبة،
قبلة أبيه إبراهيم، يرفع وجهه إلى السماء ينتظر الإذن، ويتقلب بصره شوقًا دون أن يتلفّظ،
حتى نزل الجواب الرباني الحاني: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ
قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، فتأمّلوا -رحمكم الله- هذا التعبير العجيب: قبلة ترضاها، لا
قبلة نرضاها نحن؛ ليُعلِم الله الخلق عِظَمَ منزلة نبيِّه عنده، وأن رضاه عنه من تمام
رضاه سبحانه، وأن لهذا النبي عند ربّه مقامًا لا يبلغه أحد. فاستدار ﷺ في صلاته شكرًا، واستدارت الأمة معه طاعة،
وصدق الله إذ قال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾.
ثالثًا: تحويل القبلة .. حين تغيّر الاتجاه
فنهضت الأمة
يقول الله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ
تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)؛ لإثبات أن القضية ليست جهة
بل منهج.. ولذا يمكن القول بأنّ حادث تحويل القبلة لم يكن حدثًا عابرًا، ولا مجرد انتقالٍ
مكانيٍّ من جهةٍ إلى جهة؛ بل كان زلزالًا تربويًّا، وسبيل إعادةَ تشكيلٍ للوعي، وإعلانَ
استقلالٍ للأمة، وتدشينًا لمرحلةٍ جديدةٍ في صناعة الإنسان والحضارة.
لقد جاء تحويل القبلة في لحظةٍ دقيقةٍ من
عمر الدعوة، بعد الهجرة، ومع بدء بناء المجتمع، ليقول للأمة: إن الطريق إلى النصر لا
يبدأ من الخارج، بل من القلوب إذا استقامت وجهتها.
أيها المسلمون، إن تحويل القبلة لم يكن
انتقالًا من حجر إلى حجر؛ بل من مرحلة إلى مرحلة، ومن تربية إلى تربية، ومن أمةٍ في
طور التكوين إلى أمةٍ في طريق الشهادة على الناس..
رابعا: دروس التحويل .. تربية للأمة وغربلة
للصفوف
1) تكريم النبي ﷺ… حين يُجاب القلب قبل اللسان؛ فلقد كان
رسول الله ﷺ يُقَلِّب وجهه في السماء، شوقًا لا عنادًا،
وانتظارًا لا تذمّرًا، فجاءه الجواب من فوق سبع سماوات: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ
فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، إنه تكريم لنبيٍّ صادق، وتثبيت
لقائدٍ أمين، ورسالة لكل داعية: أن من صدق مع الله صدقه الله، وأن الدعاء المؤجَّل
ليس مرفوضًا، وإنما هو مُدَّخر لحكمة، وفي زمنٍ يشعر فيه الصادقون بالخذلان، يأتي تحويل
القبلة ليقول: لا تستعجلوا الثمرة، فالله لا يُضيع قلبًا أخلص له.
2) سرعة الامتثال… أمة لا تعرف التردد: فحين
جاءهم الخبر وهم في الصلاة، لم يُكمِلوا إلى النهاية، ولم ينتظروا التحقق، ولم يقولوا:
نُراجع أو نؤجِّل؛ بل استداروا في ركوعهم وسجودهم، إنه مشهدٌ لو عُرض على قلوبنا اليوم
لاهتزّت خجلًا: لا جدال، ولا تسويف، لا تقديم للعقل على النص، شعارهم: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾…
هكذا تُبنى الأمم، وهكذا تنهض الحضارات، وهكذا يُصنع الجيل الذي لا تهزمه الشبهات ولا
تُكسِره الضغوط.. وفي زمن التبرير، وتأجيل الطاعة، وانتقاء الأحكام، نحن أحوج ما نكون
إلى استعادة أدب الامتثال.
3) الغربلة الكبرى… حين تكشف المحنةُ الصادقَ
من المدّعي: فلم يكن تحويل القبلة اختبار اتجاه، بل اختبار ولاء، حين ارتبك السفهاء،
وتساءل المنافقون، واضطرب ضعاف الإيمان، فجاء البيان الإلهي الحاسم: ﴿وَمَا جَعَلْنَا
الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ
مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ هكذا تُصفّى الصفوف، وهكذا تُعرف المعادن، فالمحن
لا تُسقط الأقوياء، بل تُسقط الأقنعة.. وليس من العبث ولا العشوائية أن يأتي بعد هذا
التحويل: فرض القتال، ثم بدر الكبرى؛ ليُصنع الجيل الذي يحمل الأمانة، لا جيل الشعارات.
4) وسطية الأمة… توازن لا انحراف: فلم تكن
القبلة الجديدة قطيعة مع الأقصـى، ولا انغلاقًا على الذات، بل جمعًا بين المقدسات،
وتوازنًا بين الروح والمادة، والعبادة والعمران، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ
أُمَّةً وَسَطًا﴾ وسطًا في الفهم: بلا غلو ولا تمييع، وسطًا في المشاعر: بلا قسوة ولا
انهزام، وسطًا في المواقف: عدلًا مع القريب والبعيد.. وفي زمن التطرف والتفريط، تبقى
وسطية الإسلام هي طوق النجاة للأُمّة والإنسانية.
5) وحدة القبلة… حين تتوحّد البوصلة، نعم قبلة
واحدة، ورب واحد، وكتاب واحد، ونبي واحد… لتبقى الأمة جسدًا واحدًا، مهما تباعدت الأوطان
وتنوّعت الألسن، وللعلم فإنَّ تفرّقنا اليوم ليس بسبب اختلاف القبلة، بل بسبب اختلاف
القلوب، ولو عادت القلوب إلى الله، لاجتمعت الصفوف، وسقطت أسباب الفُرقة، ولعاد للأمة
ثقلها ومكانته.
6) المسجد الأقصى… أمانة لا تسقط بالتقادم:
لم يكن تحويل القبلة إلغاءً لمكانة الأقصى، بل تثبيتًا لفضله: القبلة الأولى، وثالث
الحرمين، ومسرى النبي ﷺ، وبداية معراجه نحو السماء، والتفريط فيه
بداية التفريط في غيره من مقدسات الأمة. ونصـرته لا تكون بالشعارات وحدها، بل بـ: تحرير
القلوب من الوهن، وتوحيد الصفوف (واعتصموا)، وتربية الأجيال على قضيته.
خامسًا: تحوّل القلوب .. الوجهة التي لا
غنى عنها
أيها الأحبة الكرام:
إذا كانت القبلة قد تحولت مرةً في التاريخ،
فإن القلوب مطالبة بالتحول كل يوم:
1) من اليأس إلى الأمل: فربٌّ غيّر القبلة
قادر على أن يغيّر الموازين.
2) من الفرقة إلى الوحدة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ
اللَّهِ جَمِيعًا﴾.
3) من المعصية إلى الطاعة: ورمضان على الأبواب،
والقلوب عطشى للرجوع.
4) من الكسل إلى العمل: فلا مكان للمتقاعسين
في أمة الرسالة.
5) من القسوة والفوضى الأخلاقية إلى الخُلُق
والحياء: فالمسلم إنسان قبل أن يكون صاحب شعارات؛ لا يظلم، ولا يشمت، ولا يؤذي.
أيها المسلمون، عباد الله:
إنَّ تحويل القبلة علّمنا أن الله إذا أراد
بالأمة خيرًا، أصلح وجهتها أولًا. فتعالوا نُصلح القلوب، تُصلَح الأحوال، وتعود للأمة
قبلتها في القيادة والشهادة على الناس، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾…
فهل وُجِّهت قلوبنا إليه حقًا؟!!
إن أخطر ما تواجهه الأمة اليوم ليس تغيّر
القبلة، بل ثبات القلوب على غير قبلة الله؛ نصلي إليه بأبداننا، وتُصلّي قلوبنا إلى
الدنيا، والجاه، والهوى.
وقبل أن نغادر هذا المشهد العظيم من مشاهد
السيرة، نقف مع أنفسنا عند وصايا جامعة، لعلها تكون زادًا للقلوب في طريق الاستقامة:
أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن؛
وعليكم بإصلاح القلوب قبل إصلاح الواقع؛
فما ضاعت الأمة إلا يوم انحرفت القلوب، ولا تُستعاد إلا إذا عادت القلوب إلى الله.
والتزموا بسرعة الامتثال لأمر الله ورسوله؛
فلا تؤجِّل طاعة، ولا تُساوِم على حكم، ولا تجعل الهوى حَكمًا على النصّ.
وأوصيكم بوحدة الصف ونبذ الفرقة؛ فالقبلة
واحدة، والرب واحد، والعدو واحد، وإنما يتسلل الضعف إلينا من تنازع القلوب لا من اختلاف
الاتجاهات.
واستوصوا بالمسجد الأقصى خيرًا في دعائكم
وصلواتكم؛ فهو قبلة الإسلام الأولى، وأمانة في أعناق الأمة، لا تُحفظ بالشعارات؛ بل
بالوعي، والتربية، ووحدة الصف، وصدق الانتماء.
كما لا ينبغي أن ننسى التأكيد على الاستعداد
لرمضان من الآن؛ فمن لم يُهيّئ قلبه في شعبان، عَسُر عليه أن يحسن الاستقبال في رمضان.
وحوِّلوا قبلتكم في الدنيا من الغفلة إلى
الذكر، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن التعلّق بالدنيا إلى التعلّق
بالله.
أيها المسلمون: إنّ تحويل القبلة علّمنا
أن الله إذا أراد بالأمة خيرًا، أصلح وجهتها أولًا، فتعالوا نُصلح القلوب، تُصلَح الأحوال،
ونسأل الله أن يجعل قلوبنا متجهةً إليه وحده، ثابتةً على طاعته، شاهدةً بالحق، عاملةً
للخير… ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.