حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام أشرف المرسلين ..
أما بعد فياجماعة الإسلام .
ماهوحكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان ؟
وفي حقيقة الأمر قد يكون هناك إجماع من العلماء علي إحياء ليلة النصف من شعبان ولكن الخلاف في صفة الاحتفال ..
فضل ليلة النصف من شعبان واستحباب إحيائها عند المذاهب الأربعة :
إحياء ليلة النصف من شعبان بالعبادة (صلاة، دعاء، ذكر) جائز ومستحب عند جمهور الفقهاء ومن السلف، وتُعد من مواسم الطاعات والنفحات، بشرط أن تكون فردية أو في جماعة خاصة، وليس لها صلاة مخصوصة بهيئة محددة، كما يكره الاجتماع العام لها في المساجد أو تخصيصها بصيام محدد، ويُستحب الإكثار من الدعاء فيها.
أقوال الفقهاء في حكم إحياء ليلة النصف من شعبان
المذهب الحنفي
نُدِبَ الاغتسال(في ليلةِ براءة) وهي ليلةُ النصفِ من شعبانَ لإحيائِها وعِظم شأنها ؛ إذ فيها تقسَّمُ الأرزاقُ والآجالُ " اهـ (مراقي الفلاح).
قال الإمام ابن عابدين :"ليلة النصف من شعبان " يندب قيامها لأنها تكفر ذنوب السنة .
(الدر المختار (2 / 27).
وكذا نَصَّ فقهاء المذاهب المتبوعة على استحباب إحياء هذه الليلة وتعظيمها:
قال العلامة ابن نجيم الحنفي :" ومن المندوبات: إحياء ليالي العشر من رمضان، وليلتي العيدين، وليالي عشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان" اهـ. كما وردت به الأحادي"(البحر الرائق” (2/ 56، ط. دار الكتاب). الإسلامي).
وفي شرح الحصكفي 2/25 : "وإحياء ليلة العيدين والنصف من شعبان والعشر الأخير من رمضان والأول من ذي الحجة ويكون بكل عبادة تعم الليل أو أكثره" اه
٢- المذهب المالكي :
قال العلامة ابن الحاجّ المالكي:" ليلة نصف شعبان (فصل) وبالجملة فهذه الليلة، وإن لم تكن ليلة القدر فلها فضل عظيم وخير جسيم وكان السلف رضي الله عنهم يعظمونها ويشمرون لها قبل إتيانها فما تأتيهم إلا وهم متأهبون للقائها، والقيام بحرمتها على ما قد علم من احترامهم للشعائر على ما تقدم ذكره هذا هو التعظيم الشرعي لهذه الليلة. اهـ (المدخل” (1/ 299، ط. دار التراث):
وكان السلف رضي الله عنهم يُعَظِّمونها -أي: ليلة النصف من شعبان-، ويُشَمِّرُون لها قبل إتيانها، فما تأتيهم إلا وَهُمْ متأهِّبون للقائها، والقيام بحرمتها على ما قد عُلِمَ من احترامهم للشعائر على ما تَقَدَّم ذِكْرُه؛ هذا هو التعظيم الشرعي لهذه الليلة" اهـ.(المدخل” (1/ 299، ط. دار التراث):
وقال الشيخ زروق في “شرحه على متن الرسالة" "وحديثُ صومِ شعبانَ رواه مسلمٌ، ورَوَى غيرُ واحدٍ قيامَ ليلة النصف منه] اهـ.(متن الرسالة” (2/ 988، ط. دار الكتب العلمية):
( قوله ونُدِبَ إحياءُ ليلته) أي لقوله عليه الصلاة والسلام { من أحيا ليلة العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه} ” اهـ(حاشية الدسوقي).
وجاء في كتب المالكية: “رغب في قيام تلك الليلة” "يعني منتصف شعبان".(التاج والإكليل” (3/319).
٣- المذهب الشافعي:
وقال الإمام الشافعي في “الأم:"إنَّ الدعاء يستجاب في خمس ليالٍ: في ليلة الجمعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان] اهـ، ومن المعلوم أن من مظاهر الإحياء: الدعاء.
قال الشافعي: وأخبرنا إبراهيم بن محمد قال: رأيت مشيخة من خيار أهل المدينة يظهرون على مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العيدين فيدعون ويذكرون الله تعالى حتى تذهب ساعة من الليل.(الأم” (1/ 264، ط. دار المعرفة).
قال الامام النووي :" واستحب الشافعي والأصحاب الاحياء المذكور مع أن الحديث ضعيف لما سبق في أول الكتاب أن أحاديث الفضائل يتسامح فيها ويعمل علي وفق ضعيفها "(المجموع (5 / 43) ،
قال الامام ابن حجر الهيثمي : " والحاصل أن لهذه الليلة فضلاً وأنه يقع فيها مغفرة مخصوصة واستجابة مخصوصة "(الفتاوى الفقهية الكبرى (3 / 377 ).
وقال العلامة القليوبي الشافعي:" يُندَب إحياء ليلتي العيدين بذكرٍ أو صلاةٍ، وأَوْلَاها: صلاة التسبيح، ويكفي مُعظَمُها؛ وأَقَلُّهُ: صلاة العشاء في جماعة، والعزم على صلاة الصبح كذلك، ومثلهما: ليلة نصف شعبان، وأول ليلة من رجب، وليلة الجمعة؛ لأنها مَحَالُّ إجابة الدعاء" اهـ.(حاشيته على شرح المنهاج” (1/ 359، ط. دار الفكر).
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي :" ولا يُعْرَف للإمام أحمد كلامٌ في ليلة نصف شعبان، ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه في رواية لم يستحب قيامها جماعة؛ لأنه لم يُنْقَل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، واستحبَّها في رواية؛ لفعل عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود وهو من التابعين، فكذلك قيام ليلة النصف] اهـ.(لطائف المعارف” (ص: 137).
٤- المذهب الحنبلي :
قال الامام البهوتي الحنبلي : " أَمَّا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَفِيهَا فَضْلٌ وَكَانَ مِنْ السَّلَفِ مَنْ يُصَلِّي فِيهَا "(شرح منتهى الإرادات (2 / 80).
قال العلامة البهوتي الحنبلي :" مقررًا كلام ابن رجب: قال شيخنا: قيام بعض الليالي كُلِّها مما جاءت به السنة (إلا ليلة عيد)؛ لحديث: «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ أَحْيَا اللهُ قَلْبَهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» رواه الدارقطني في “علله”، وفي معناها: ليلة النصف من شعبان؛ ذكره ابن رجب في"( اللطائف”] اهـ.(كشاف القناع” (1/ 437، ط. دار الكتب العلمية)
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي :" ولا يُعْرَف للإمام أحمد كلامٌ في ليلة نصف شعبان، ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه في رواية لم يستحب قيامها جماعة؛ لأنه لم يُنْقَل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، واستحبَّها في رواية؛ لفعل عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود وهو من التابعين، فكذلك قيام ليلة النصف] اهـ.(لطائف المعارف" (ص: 137).
وقال الحافظ ابن رجب أيضاً:" وليلة النصف من شعبان: كان التابعون من أهل الشام؛ كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم، يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها ووافقهم على تعظيمها طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم. اهـ"(لطائف المعارف” (ص: 137، ط. دار ابن حزم).
وقال ابن رجب أيضاً: فينبغي للمؤمن أن يتفرغ في تلك الليلة (ليلة النصف من شعبان) لذكر الله تعالى ودعائه بغفران الذنوب وستر العيوب وتفريج الكروب وأن يقدم على ذلك التوبة فإن الله تعالى يتوب فيها على من يتوب.
فقم ليلة النصف الشريف مصليا … فأشرف هذا الشهر ليلة نصفه
فكم من فتى قد بات في النصف آمنا … وقد نسخت فيه صحيفة حتفه
فبادر بفعل الخير قبل انقضائه … وحاذر هجوم الموت فيه بصرفه
وصم يومها لله وأحسن رجاءه … لتظفر عند الكرب منه بلطفه
قال العلامة البهوتي الحنبلي :" مقررًا كلام ابن رجب: قال شيخنا: قيام بعض الليالي كُلِّها مما جاءت به السنة (إلا ليلة عيد)؛ لحديث: «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ أَحْيَا اللهُ قَلْبَهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ"رواه الدارقطني في "علله"، وفي معناها: ليلة النصف من شعبان؛ ذكره ابن رجب في "اللطائف"] اهـ.(كشاف القناع" (1/ 437، ط. دار الكتب العلمية)
ذكر الحافظ زين الدين ابن رجب البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي في لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف:"أن بعض علماء السلف استحب إحياءها جماعة في المساجد، فقد كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك وقال في قيامها في المساجد جماعة: ليس ببدعة، نقله عنه حرب الكرماني في مسائله.اهـ وذهب بعض السلف إلى أنه لا يسن تخصيص هذه الليلة بالاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء ولكن لا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه.اهـ
وقال العلامة الفاكهي :" ذِكْرُ عمل أهل مكة ليلة النصف من شعبان واجتهادهم فيها لفضلها: وأهل مكة فيما مضى إلى اليوم؛ إذا كان ليلة النصف من شعبان خرج عامة الرجال والنساء إلى المسجد، فصلَّوا، وطافُوا، وأحيَوْا ليلتهم حتى الصباح بالقراءة في المسجد الحرام، حتى يختموا القرآن كله، ويُصلُّوا، ومَن صلَّى منهم تلك الليلة مائة ركعةٍ يقرأ في كل ركعة بـ﴿الْحَمْدُ﴾ -أي: الفاتحة-، و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرات، وأخذوا من ماء زمزم تلك الليلة، فشربوه، واغتسلوا به، وخبَّؤُوه عندهم للمرضى، يبتغون بذلك البركة في هذه الليلة، ويروى فيه أحاديث كثيرة"(
كلمة لمن أنكر الاحتفال بليلة النصف من شعبان
ويتعين على المسلم أن يجتنب الذنوب التي تمنع من المغفرة وقبول الدعاء في تلك الليلة وقد روي أنها الشرك وقتل النفس والزنا وهذه الثلاثة أعظم الذنوب عند الله كما في حديث ابن مسعود المتفق على صحته. اهـ
وإلى أولئك المشوشين الذين يـحرمون إحياء ليلة النصف من شعبان بالصلاة والذكر والدعاء ولو فرادى: هذا هو ابن تيمية يقول: وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل وكان في السلف من يصلي فيها. اهـ نقله عنه صاحب كشاف القناع وغيره. أنظر من هم الذين يـحرمون إحياء ليلة النصف من شعبان: التحذير من الوهّابية أدعياء السلفية
وفي مجموع الفتاوى لابن تيميةج 23 ص131 ما نصه: سئل : عن صلاة نصف شعبان ؟ .فأجاب :إذا صلى الإنسان ليلة النصف وحده أو في جماعة خاصة كما كان يفعل طوائف من السلف فهو أحسن. وأما الاجتماع في المساجد على صلاة مقدرة كالاجتماع على مائة ركعة بقراءة ألف: ” قل هو الله أحد ” دائما. فهذا بدعة لم يستحبها أحد من الأئمة. والله أعلم ..اهـ
وقال ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم: ليلة النصف من شعبان فقد روى في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة فيها. اه
قال الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة الحافظ أبي القاسم ابن عساكر:
وقال المحدث بهاء الدين القاسم: كان أبي رحمه الله مواظبا على الجماعة والتلاوة، يختم كل جمعة ويختم في رمضان كل يوم ويعتكف في المنارة الشرقية، وكان كثير النوافل والأذكار، ويحيي ليلة النصف ( أي من شعبان) والعيدين بالصلاة والذكر. اهـ
أحاديث وردت في إحياء ليلة النصف من شعبان
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك، أو مشاحن"( ابن حبان وصححه).
ومعناه أن الله تعالى يخصص ليلة النصف من شعبان بهذه الميزة أنه يطَّلِعُ إلى خلقه .. أي يرحمهم فيها برحمة خاصة وإلا فالله مُطَّلِعٌ على خلقه لا تخفى عليه منهم خافية. فيغفر لجميع خلقه إلا من استثنى أي يغفر لبعض المسلمين بعض ذنوبهم ولبعض كل ذنوبهم وأما الكافر فلا يغفر له وكذا المشاحن الذي بينه وبين مسلم ءاخر عداوة وحقد وبغضاء لأمر الدنيا، فليصلح كلٌّ منّا ما بينه وبين أخيه المسلم وليعف وليصفح وليخرج ما في قلبه من غلّ قبل تلك الليلة لعلَّ اللهَ يرحمنا ويغفر لنا ذنوبنا.
فقد ورد ما يدل على أن ليلة النصف من شعبان من الليالي الفاضلة المباركة ، ومما ورد فيها ما رواه ابن ماجه، وفيه : "إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن" ، وقد ضعفه السيوطي وغيره.
وعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه فيغفر للمؤمنين ويملي للكافرين ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه "( البيهقي وحسنه).
قال بعض أهل العلم :"
فهذان الحديثان فيهما بيان فضيلة هذه الليلة؛ لكن لا ينبغي أن تخص هذه الليلة بقيام أو عبادة ، إلا إذا كان ذلك موافقاً لعادة له ، ومن قامها ظاناً أن لها فضيلة تختص بها، فقد قام بأمر لم يرد في الشرع، والحديث السالف لا يلزم منه أن يخص هذا اليوم بصيام أو أي نوع من أنواع العبادات إلا أن يوافق عادةً له ومن غير قصد. فإذا قصد هذا اليوم بصيام أو بعبادة وخصه عن سائر الأيام فهذا يدخل تحت البدع المحدثة.
وأما ما ورد من روايات فيها تخصيص هذه الليلة بعبادة خاصة دون غيرها فقد ضعفها العلماء، وقال بعضهم بوضع كثير من تلك الروايات، لذلك فلا ينبغي التقرب إلى الله بمثل هذه الأمور، بل بما صح وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ونقله عنه الثقات ورضوا به.
روى الترمذي في سننه بسند صحيح عن الحسن بن علي رضى الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة". فلا بد في العبادة من اليقين والطمأنينة والتثبت ليكون القلب في راحة وأمن وسلامة.
وهل يجوز إحياء ليلة النصف من شعبان جماعة في المساجد؟
قلنا: فمن أراد أن يعمل بالقول الأول فلا اعتراض عليه سيما في مثل هذا العصر الذي اشتدت فيه حاجة الناس إلى علم الدين فيغتنم العالم أو الواعظ اجتماع الناس لتذكيرهم بما ينفعهم في آخرتهم. وهذا يدل على أن الذين يضللون ويحرمون إحياءها في المساجد لم يوافقوا أحد القولين وشذوا عما كان عليه السلف الصالح.
وبعضهم ذهب إلى أنها كغيرها من الليالي لا تخص بقيام، ولا يومها بصيام، إلا من كان له عادة.
وقال أن الاجتماع لصلاة
معينة لا أصل له، ولكن إحياء الفرد في بيته طاعة.
الخلاصة: إحياء الليلة جائز بصفة فردية (ذكر، دعاء، صلاة) دون تخصيص صلاة محددة أو جماعة عامة
وعموماً فهو شهر تفتح فيه الخيرات، تنزل فيه البركات، وتترك فيه الخطيئات، وتكفر فيه السيئات، وتكثر فيه الصلوات على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خير البريات “إن الله وملائكته يصلون على النبي” فينبغي لكل مؤمن لبيب أن لا يغفل في هذا الشهر، بل يتأهب فيه لاستقبال شهر رمضان بالتطهر من الذنوب و التوبة عما فات وسلف فيما مضى من الأيام، فيتضرع إلى الله تعالى ويقبل عليه في شهر شعبان، ولا يسوف ويؤخر ذلك إلى غده، لأن الأيام ثلاثة: أمس وهو أجل، واليوم وهو عمل، وغدا وهو أمل فلا تدري هل تبلغه أم لا؟ فأمس موعظة، واليوم غنيمة، وغدا مخاطرة. وكذلك الشهور ثلاثة: رجب فقد مضى وذهب فلا يعود، ورمضان وهو منتظر لا ندري هل نعيش إلى إدراكه أم لا؟ وشعبان وهو واسطة بين شهرين فليغتنم الطاعة فيه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه، عن بن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه : ” اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناءك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك “
(الحاكم في المستدرك وابن أبي شيبة وفي صحيح الترغيب والترهيب ) .
اعتناء العلماء ببيان فضل ليلة النصف من
شعبان
وقد اعتنى العلماء بهذه الليلة المباركة؛ لما لها من الفضل، وزاد اعتناؤهم بها حتى أفردوا في فضلها وإحيائها وبيان خصائصها أجزاء حديثية ورسائل؛ منها: "ليلة النصف من شعبان وفضلها" للحافظ ابن الدبيثي صاحب "(الذيل على تاريخ بغداد" ت: 637هـ)،
و"الإيضاح والبيان لما جاء في ليلتي الرغائب والنصف من شعبان" للإمام ابن حجر الهيتمي [ت: 974هـ]،
و"التبيان في بيان ما في النصف من شعبان" للملا علي القاري [ت: 1014هـ]، و"فضائل ليلة النصف من شهر شعبان" للعلامة سالم السنهوري [ت: 1015هـ]،
و"رسالة في فضل ليلة النصف من شهر شعبان" للعلامة محمد حسنين مخلوف [ت: 1355هـ]،
و"حسن البيان في ليلة النصف من شعبان" للعلامة عبد الله بن الصديق الغماري [ت: 1413هـ]،
و"ليلة
النصف من شعبان في ميزان الإنصاف العلمي" للإمام الرائد الشيخ محمد زكي الدين
إبراهيم [ت: 1419هـ]، وغيرها.
القائلون بعدم الاحتفال
الرأي الثاني :" في حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان
هذا الفريق من العلماء ينكرونها بالكلية ويقولون ليس هناك احتفالات بالكلية
فقد قال الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3] الآية من سورة المائدة، وقال تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ"(الشورى:21).
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن
النبي ﷺ قال: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه
فهو رد وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه، أن النبي ﷺ كان يقول في خطبة الجمعة: أما بعد: فإن
خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة
والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة،
وهي تدل دلالة صريحة على أن الله سبحانه وتعالى قد أكمل لهذه الأمة دينها، وأتم عليها
نعمته، ولم يتوف نبيه عليه الصلاة والسلام إلا بعدما بلغ البلاغ المبين، وبين للأمة
كل ما شرعه الله لها من أقوال وأعمال، وأوضح ﷺ أن كل ما يحدثه الناس بعده وينسبونه إلى
دين الإسلام من أقوال أو أعمال، فكله بدعة مردود على من أحدثه، ولو حسن قصده، وقد عرف
أصحاب رسول الله ﷺ الأمر، وهكذا علماء الإسلام بعدهم، فأنكروا
البدع وحذروا منها، كما ذكر ذلك كل من صنف في تعظيم السنة وإنكار البدعة كابن وضاح،
والطرطوشي، وأبي شامة وغيرهم.من البدع التي أحدثها بعض الناس: بدعة الاحتفال بليلة
النصف من شعبان، وتخصيص يومها بالصيام، وليس على ذلك دليل يجوز الاعتماد عليه، وقد
ورد في فضلها أحاديث ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها، أما ما ورد في فضل الصلاة فيها،
فكله موضوع، كما نبه على ذلك كثير من أهل العلم
بدع ليلة النصف من شعبان
ومن البدع التي أحدثها بعض الناس: بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان، وتخصيص يومها بالصيام، وليس على ذلك دليل يجوز الاعتماد عليه، وقد ورد في فضلها أحاديث ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها.
كره العلماء الاجتماع في المساجد على شكل صلوات جماعية.
لا يوجد صلاة محددة (مثل صلاة الألفية/الرغائب) أو هيئة معينة، وما اشتهر منها يعد بدعة ومنكرًا.
و لا يخص يوم النصف بصيام إلا إذا وافق عادة (مثل أيام البيض).
قال النووي في المجموع: الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وهي ثنتى عشرة ركعة تصلى بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة في رجب وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكران قبيحتان ولا يغتر بذكرهما في كتاب قوت القلوب وإحياء علوم الدين ولا بالحديث المذكور فيهما فإن كل ذلك باطل ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما فإنه غالط في ذلك وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن اسماعيل المقدسي كتابا نفيسا في إبطالهما فأحسن فيه وأجاد رحمه الله. اهـ.
أما ما ورد في فضل الصلاة فيها، فكله موضوع،
كما نبه على ذلك كثير من أهل العلم، وسيأتي ذكر بعض كلامهم إن شاء الله وورد فيها أيضا
آثار عن بعض السلف من أهل الشام وغيرهم، والذي أجمع عليه جمهور العلماء أن الاحتفال
بها بدعة، وأن الأحاديث الواردة في فضلها كلها ضعيفة، وبعضها موضوع، وممن نبه على ذلك
الحافظ ابن رجب، في كتابه: (لطائف المعارف) وغيره، والأحاديث الضعيفة إنما يعمل بها
في العبادات التي قد ثبت أصلها بأدلة صحيحة، أما الاحتفال بليلة النصف من شعبان، فليس
له أصل صحيح حتى يستأنس له بالأحاديث الضعيفة.
وقد ذكر هذه القاعدة الجليلة الإمام: أبو
العباس ابن تيمية رحمه الله. وأنا أنقل لك أيها القارئ، ما قاله بعض أهل
العلم في هذه المسألة، حتى تكون على بينة في ذلك، وقد أجمع العلماء رحمهم الله على
أن الواجب: رد ما تنازع فيه الناس من المسائل إلى كتاب الله- عز وجل، وإلى سنة رسول
الله ﷺ، فما حكما به أو أحدهما فهو الشرع الواجب
الاتباع، وما خالفهما وجب اطراحه، وما لم يرد
فيهما من العبادات فهو بدعة لا يجوز فعله، فضلا عن الدعوة إليه وتحبيذه، كما قال سبحانه
في سورة النساء يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59] وقال تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ
فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10] الآية من سورة الشورى، وقال تعالى: قُلْ إِنْ
كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31] الآية من سورة آل عمران، وقال عز وجل: فَلَا وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي
أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] والآيات
في هذا المعنى كثيرة، وهي نص في وجوب رد مسائل الخلاف إلى الكتاب والسنة، ووجوب الرضى
بحكمهما، وأن ذلك هو مقتضى الإيمان، وخير للعباد في العاجل والآجل، وأحسن تأويلا: أي
عاقبة.
قال الحافظ ابن رجب-رحمه الله- في كتابه:
(لطائف المعارف) في هذه المسألة- بعد كلام سبق- ما نصه:"وليلة النصف من شعبان كان
التابعون من أهل الشام؛ كخالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر وغيرهم، يعظمونها ويجتهدون
فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنه بلغهم في ذلك آثار
إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان، اختلف الناس في ذلك فمنهم من قبله منهم،
ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر علماء
الحجاز، منهم: عطاء، وابن أبي مليكة، ونقله عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، عن فقهاء أهل
المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة واختلف علماء أهل الشام
في صفة إحيائها على قولين:
أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد.كان
خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثياب، ويتبخرون ويتكحلون،
ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في
المساجد جماعة: ليس ذلك ببدعة، نقله حرب الكرماني في مسائله.
والثاني: أنه يكره الاجتماع فيها في المساجد
للصلاة والقصص والدعاء، ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه، وهذا قول الأوزاعي
إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم، وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى، إلى أن قال: ولا
يعرف للإمام أحمد كلام في ليلة نصف شعبان، ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان: من
الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه (في رواية) لم يستحب قيامها جماعة لأنه لم
ينقل عن النبي ﷺ وأصحابه، واستحبها (في رواية) لفعل عبدالرحمن
بن يزيد بن الأسود لذلك وهو من التابعين، فكذلك قيام ليلة النصف، لم يثبت فيها شيء
عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وثبت فيها عن طائفة من
التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام).
انتهى المقصود من كلام الحافظ ابن رجب رحمه
الله، وفيه التصريح منه بأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه رضي الله عنهم شيء في ليلة
النصف من شعبان، وأما ما اختاره الأوزاعي رحمه الله من استحباب قيامها للأفراد، واختيار
الحافظ ابن رجب لهذا القول، فهو غريب وضعيف؛ لأن كل شيء لم يثبت بالأدلة الشرعية كونه
مشروعاً، لم يجز للمسلم أن يحدثه في دين الله، سواء فعله مفردا أو في جماعة، وسواء
أسره أو أعلنه. لعموم قول النبي ﷺ: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو
رد وغيره من الأدلة الدالة على إنكار البدع والتحذير منها.
وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله
في كتابه: الحوادث والبدع ما نصه: (وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم، قال: ما أدركنا أحداً
من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا
يرون لها فضلاً على ما سواها). وقيل لابن أبي مليكة: إن زيادا النميري يقول: (إن أجر
ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر، فقال: لو سمعته وبيدي عصا لضربته) وكان زياد
قاصاً، انتهى المقصود.
وقال العلامة: الشوكاني رحمه الله :"ما نصه:"حديث: يا علي من صلى مائة ركعة ليلة النصف من شعبان يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد عشر مرات قضى الله له كل حاجة إلخ وهو (موضوع)، وفي ألفاظه المصرحة بما يناله فاعلها من الثواب ما لا يمتري إنسان له تمييز في وضعه، ورجاله مجهولون، وقد روي من طريق ثانية وثالثة كلها موضوعة ورواتها مجاهيل، وقال في: (المختصر): (حديث صلاة نصف شعبان باطل، ولابن حبان من حديث علي: إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها، ضعيف. وقال في: (اللآلئ): مائة ركعة في نصف شعبان بالإخلاص عشر مرات مع طول فضله، للديلمي وغيره موضوع، وجمهور رواته في الطرق الثلاث مجاهيل ضعفاء قال: واثنتا عشرة ركعة بالإخلاص ثلاثين مرة موضوع وأربع عشرة ركعة( موضوع).(الفوائد المجموعة) .
وقد اغتر بهذا الحديث جماعة من الفقهاء كصاحب (الإحياء) وغيره وكذا من المفسرين، وقد رويت صلاة هذه الليلة- أعني: ليلة النصف من شعبان على أنحاء مختلفة كلها باطلة موضوعة، ولا ينافي هذا رواية الترمذي من حديث عائشة لذهابه ﷺ إلى البقيع، ونزول الرب ليلة النصف إلى سماء الدنيا، وأنه يغفر لأكثر من عدة شعر غنم كلب، فإن الكلام إنما هو في هذه الصلاة الموضوعة في هذه الليلة، على أن حديث عائشة هذا فيه ضعف وانقطاع، كما أن حديث علي الذي تقدم ذكره في قيام ليلها، لا ينافي كون هذه الصلاة موضوعة، على ما فيه من الضعف حسبما ذكرناه) انتهى المقصود.(الفوائد المجموعة) .
وقال الحافظ العراقي:"حديث صلاة ليلة النصف موضوع على رسول الله ﷺ وكذب عليه".
وقال الإمام النووي في كتاب: (المجموع): (الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وهي
اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء، ليلة أول جمعة من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان
مائة ركعة، هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب: (قوت القلوب)،
و(إحياء علوم الدين)، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من
اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما، فإنه غالط في ذلك).
وقد صنف الشيخ الإمام: أبو محمد عبدالرحمن
بن إسماعيل المقدسي كتاباً نفيساً في إبطالهما، فأحسن فيه وأجاد، وكلام أهل العلم في
هذه المسألة كثير جداً، ولو ذهبنا ننقل كل ما اطلعنا عليه من كلام في هذه المسألة،
لطال بنا الكلام، ولعل فيما ذكرنا كفاية ومقنعاً لطالب الحق.
ومما تقدم من الآيات والأحاديث وكلام أهل
العلم، يتضح لطالب الحق أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها، وتخصيص
يومها بالصيام بدعة منكرة عند أكثر أهل العلم، وليس له أصل في الشرع المطهر، بل هو
مما حدث في الإسلام بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم، ويكفي طالب الحق في هذا الباب وغيره
قول الله عز وجل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3] وما جاء في معناها
من الآيات، وقول النبي ﷺ: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو
رد وما جاء في معناه من الأحاديث، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله ﷺ: لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي
ولا تخصوا يومها بالصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم
فلو كان تخصيص شيء من الليالي، بشيء من
العبادة جائزا، لكانت ليلة الجمعة أولى من غيرها. لأن يومها هو خير يوم طلعت عليه الشمس،
بنص الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ، فلما حذر النبي ﷺ من تخصيصها بقيام من بين الليالي، دل ذلك
على أن غيرها من الليالي من باب أولى، لا يجوز تخصيص شيء منها بشيء من العبادة، إلا
بدليل صحيح يدل على التخصيص. ولما كانت ليلة القدر وليالي رمضان يشرع قيامها والاجتهاد
فيها، نبه النبي ﷺ على ذلك، وحث الأمة على قيامها، وفعل ذلك
بنفسه، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: من قام رمضان إيمانا واحتسابا
غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه
فلو كانت ليلة النصف من شعبان، أو ليلة أول جمعة من رجب أو ليلة الإسراء والمعراج يشرع
تخصيصها باحتفال أو شيء من العبادة، لأرشد النبي ﷺ الأمة إليه، أو فعله بنفسه، ولو وقع شيء
من ذلك لنقله الصحابة رضي الله عنهم إلى الأمة، ولم يكتموه عنهم، وهم خير الناس، وأنصح
الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ورضي الله عن أصحاب رسول الله ﷺ وأرضاهم.
وقد عرفت آنفا من كلام العلماء أنه لم يثبت
عن رسول الله ﷺ، ولا عن أصحابه رضي الله عنهم شيء في فضل
ليلة أول جمعة من رجب، ولا في ليلة النصف من شعبان، فعلم أن الاحتفال بهما بدعة محدثة
في الإسلام، وهكذا تخصيصها بشيء من العبادة، بدعة منكرة، وهكذا ليلة سبع وعشرين من
رجب، التي يعتقد بعض الناس أنها ليلة الإسراء والمعراج، لا يجوز تخصيصها بشيء من العبادة،
كما لا يجوز الاحتفال بها، للأدلة السابقة، هذا لو علِمت، فكيف والصحيح من أقوال العلماء
أنها لا تعرف، وقول من قال: أنها ليلة سبع وعشرين من رجب، قول باطل لا أساس له في الأحاديث
الصحيحة، ولقد أحسن من قال:
وخير الأمـور السالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع
والله المسؤول أن يوفقنا وسائر المسلمين للتمسك بالسنة والثبات عليها، والحذر مما خالفها، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين