المهنُ
في الإسلامِ طريقُ العمرانِ والإيمانِ معًا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
قال تعالي " وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"(التوبة/105).
عباد الله:" إن شرف العمل كبير فهو وسيلة لاستدامة النعمة وبقائها ، ووسيلة لإشباع الحاجة ، وعون على الإنفاق في سبيل الله ومادام هذا الهدف فإن الحرف اليدوية لا تقل شأنا عن أي عمل آخر ، ولذلك روي البيهقي والطبراني عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْتَرِفَ"
وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا رأى غلامًا أعجبه سأل: هل له حرفة؟ فإن قيل: لا، سقط من عينه.
عباد الله :" المهنة تعتبر من الأمور المطلوبة في حياة الإنسان. فلا حياة ولا معيشة بدون مهنة ولا عمل. فالمهن هي طريق العمران والإيمان معاً
ومن ثم فنحن في هذه الخطبة سوف تتحدث عن أنواع المهن في منظورالقرآن والسنة النبوية وأيها أطيب في الإسلام.
وسوف نبين أيضاً أحكامها التي ينبغي أن ينتبه إليها الإنسان.
وذلك لأنه إن لم ينتبه إليها قد يقع في المحرمات التي تضر حياته وأسرته ويُؤثر على علاقته مع الله تعالى.
المهن والحرف في الشريعة الإسلامية.
عباد الله:" وللعمل منزلة شريفة في الإسلام أيا ما كان ذلك العمل، شرط أن يكون مباح الأصل، نافعا غير ضار وقد جاءت المهنة في كتاب الله عز وجل في أيات كثيرة وكذا في سنة المصطفي صلي الله عليه وسلم
المهن والحرف في القرآن الكريم والسنة المطهرة
عباد الله :" قد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم بمفهومه الشامل للعمل الدنيوي والأخروي، قال تعالى :"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (النحل : 97)،
فدلت الآية على إكرام الله تعالى للعاملين من الرجال والنساء عملاُصالحاُ بالسعادة في الدنيا، فعلى المسلم أن يحرص على عمل الصالحات، وأن يخلص نيته لله تعالى في كل عمل صالح لقوله تعالى :"لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" (الملك : 2).
بل قدم القرآن في الذكر من يضرب في الأرض
يبتغي الحلال على المجاهدين : "عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ
يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ"(المزمل : 20).
وجاءت آيات كثيرة في القرآن تدل على أن الأنبياء كانوا يعملون في عدد من الحرف والصناعات اليدوية، وهذا دليل علي وجوب الاحتراف والعمل ليكتسب ما تشتهي النفس من متاع الحياة الدنيا. ويعمر بها دنياه ليربح أخرااه
الزراعة والفلاحة:" قال تعالي:"أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ"(الواقعة/ 63 -64).
وهي مهنة نبي الله أدم في المستدرك عن ابن عباس رضي اله عنهما :"كان داود زراداً وكان ادم حراثاً وكان نوح نجاراً، وكان إدريس خياطا، وكان موسى راعيا عليهم السلام).
وفي رواية أخري عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال لرجل جالس عنده، وهو يحدث أصحابه: ادنُ مني. فقال له الرجل: أبقاك الله، واللهِ ما أحسن أن أسألك كما سأل هؤلاء، فقال: ادنُ مني؛ فأحدثك عن الأنبياء المذكورين في كتاب الله، أحدّثك عن آدم: إنه كان عبدًا حراثًا، وأحدّثك عن نوح: إنه كان عبدًا نجارًا، وأحدثك عن إدريس: إنه كان عبدًا خياطًا... الحديث بطوله، والحديث موقوف على ابن عباس، وإسناده فيه عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن منبه"( الحاكم في المستدرك،).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «كان آدم عليه السلام حراثًا، ونوح نجارًا، وإدريس خياطًا، وإبراهيم ولوط زارعين، وصالح تاجرًا، وداود زرّادًا، وموسى وشعيب ومحمد صلوات الله عليهم وسلم رعاة"(ابن قدامة المقدسي، مختصر منهاج القاصدين ومع اختلاف في اللفظ نسبه الحافظ ابن حجر إلى الحاكم في المستدرك، انظر: فتح الباري).
وكذلك كانت مهنة إبراهيم ولوط الزراعة
في الحديث :" وأحدثك عن إبراهيم أنه كان عبدا زراعاً"
البناء:" وهي مهنة أدم وابراهيم وإسماعيل ومحمد عليهم السلام فكل شارك في
بناء الكعبة الشريفة في زمنه
الصناعة:" وهي مهنة آدم عليه السلام: فقد كان آدم أبو البشر حراثًا وزراعًا، وكان صانعاً يصنع آلات الزراعة بيده وبمساعدة زوجته له، وكان بنَّاء، قيل: إنه أول من بنى الكعبة الشريفة بيده.
والصناعة أيضاً هي مهنة نبي الله سليمان سليمان عليه السلام: وكان سليمان يصنع المكاتل من الخوص، وقد طوع الله له النحاس ليصنع التماثيل الجائزة في شريعته، ويصنع المحاريب، وأحواض المياه، والقدور الروابي. قال تعالى: " وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ "(سبأ: 12).
وقال: " يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ " (سبأ: 13).
وسليمان -عليه السلام- حيث جاء عن الإمام الثعالبيّ أنّ سُليمان -عليه السلام- كان أوَّل من عمل في صناعة الصّابون.ورويَ أنَّ سُليمان -عليه السلام- كان يصنع المكاييل
الغزل ــ قال تعالى : (نَقَضَتْ غَزْلَهَا) (النحل : 92).
وكانت مهنة أمنا حواء وفي الحديث :" وأخبرك عن حواء أنها كانت تغزل الشعر فتحوله بيدها فتكسو نفسها وولدها ، وأن مريم بنت عمران كانت تصنع ذلك" .
وكانت مهنة السيدة مريم لما جاء في الحديث :"زكريا وعيسى عليهما السلام: وكان زكريا وعيسى نجارين، وكان عيسى يأكل من غزل أمه الصدِّيقة (مريم).
النسيج ــ قال تعالى : (كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا) (العنكبوت : 41).
وإلياس عليه السلام كان يعمل في الغزل والنسيج
الخياطة ــ قال تعالى :"وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ" (الأعراف : 22) وهي مهنة إدريس عليه السلام. فنبي الله إدريس عليه السلام عاش في مصر وعلم الناس أجمعين البناء والزراعة، وكان هو أول من أخاط الثياب، وكان يصنعها من نبات الكتان، إلا أنه كان كلما خاط بغرزة من الإبرة سبح الله بها، وكان يرفع إلى السماء قدر فعل الخيرات من الناس في الأرض أجمعين.
كما أن سيدنا إدريس عليه السلام أول عالم لغات والحساب والنجوم وهرمس الهرامسة وتعلم 72 لغة، وعندما دخل الفرنسيون مصر، وجدوا أناسا من الشعب المصري يتحدثون اللغة الفرنسيةفي المستدرك للحاكم:" وأحدثك عن إدريس إنه كان عبدا خياطاً"(الحاكم). إدريس عليه السلام: وكان إدريس أول من خاط الملابس بعد أن كانوا يلبسون الجلود.
الكتابة ــ وهي مهنة نبي الله ادريس أيضاً قال تعالى : (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) (العلق : 4).أول من علم الناس الكتابة، وفقاً للمصادر الدينية والتاريخية الإسلامية، هو النبي {!nav}إدريس عليه السلام، حيث يُعرف بأنه أول من خط بالقلم وعلم الناس الكتابة، بالإضافة إلى علوم أخرى كالفلك ونسج الثياب، وكان ذلك بعد النبي آدم عليه السلام، وقد ذكره الله في القرآن الكريم كـ "صديق ونبي" ورفعناه مكانا علياً، ويُعتقد أنه مؤسس الحضارات الأولى
النجارة ــ قال تعالى : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) (هود : 37) وهي مهنة نوح عليه السلام.
فنوح عليه السلام كان يعمل في النجارة وصناعة السفن، قال تعالى :"وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ"(هود : 37).
وفي الحديث وأحدّثك عن نوح: إنه كان عبدًا نجارًا،الحاكم في المستدرك،
وقيل:" وكان نوح يرعى الغنم لقومه، وكان نجارًا، صنع سفينة النجاة بيده من الخشب والمسامير، وكان هذا سببًا لسخرية بعض الجهلاء منه: " وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ "(هود: 38).
وعمل زكريا وعيسي عليهما السلام في النجارة والخشب يقول صلى الله عليه وسلم : (كان زكريا عليه السلام نجارا"( مسلم)،
قال النووي"فيه جواز الصنائع، وأن النجارة لا تسقط المروءة وأنها صنعة فاضلة).
وعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن زكريا عليه السلام كان نجارًا "(مسلم).
وفي الحديث :"زكريا وعيسى عليهما السلام: وكان زكريا وعيسى نجارين، وكان عيسى يأكل من غزل أمه الصدِّيقة (مريم).
وزكريا -عليه السلام- فقد كان يعمل بالنِجارة،[ بدليل ما جاء عن النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام-: (كان زكريَّا نجارًا )
الغوص ــ وقد استخدمها سيدنا يونس عندما ألجأتها الحاجة وهي مهنة الآن قال تعالى : "وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ" (ص : 37).
وقد أرسل الله يونس إلى قومه في نينوى (بالعراق) لدعوتهم لعبادة الله وحده، لكنهم رفضوا فغضب منهم.وخرج يونس منهم دون إذن إلهي، فعاقبهم الله، ثم ألقى يونس بنفسه في البحر هرباً من سفينة هاجت أمواجها.ابتلعه حوت عظيم، فسبح الله في بطنه ودعا: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".
فأنجاه الله من بطن الحوت
وألقاه على الشاطئ، وأنبت عليه شجرة يقطين ليتعافى، ثم أرسله لعودة إلى قومه بعد إيمانهم.
الحدادة :" وهي مهنة نبي الله داود عليه السلام: الحدادة ــ قال تعالى :"آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ" (الكهف : 96) وهي مهنة داود عليه السلام.
ومن ذلك قوله تعالى عن داود عليه السلام :"وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ۖ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"(سبأ : 10 - 11).
لأنه كان يعمل في صنع الدروع وقد قال صلى الله عليه السلام :"كان داود لا يأكل إلا من عمل يده"(البخاري).
قال ابن حجر :"والحكمة في تخصيص داود بالذكر أن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة، لأنه كان خليفة الله في الأرض، وإنما ابتغى الأكل من طريق أفضل".
الخبازة ــ وهي مهنة ذو الكفل قال تعالى :"أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا" (يوسف : 36). بعض المصادر تشير إلى أن النبي ذو الكفل عليه السلام كان رائدًا للخبازين ويصنع الخبز،
الجزارة ــ قال تعالى :"إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ" (المائدة : 3).
وكان يعمل بالجزارة من الصحابة أ
الفخارة ــ قال تعالى : (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ) (القصص : 38).وكانت هذه مهنة تعلمها بنواسرائيل من الفراعنة وكانوا يعملون بها والتي اشتهروا بها في مصر، كانت الحرف اليدوية وصناعة البناء والنسيج وصناعة الفخار وصب المعادن، خاصة صناعة الحلي والأدوات، إلى جانب أعمال السخرة والزراعة، فكانوا يشرفون على بناء المعابد والقصور ويقومون بأعمال دقيقة في الورش، مستفيدين من خبرات المصريين القدماء في هذه الصناعات المتقنة
وروي كان عمل النبي نوح عليه السلام فخاري ( يصنع الفخار )وبعد الطوفان واغراق القوم الظالمين..
الزجاجة ــ قال تعالى : (صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ) (النمل : 44).
وهذه المهنة التي ذكرت في القرأن وهي صناعة الزجاج اشتهر بها شخصيات تاريخية وعلمية بارزة ارتبطت بهذا المجال، أبو إسحاق الزجاج الذي كان يعمل فيها قبل أن يتجه للأدب، وصناع الزجاج في الخليل قديماً، بينما كانت مصر القديمة سباقة بصناعة الزجاج كحرفة خاصة بالكهنة والنبلاء. و العالم الأندلسي (عباس بن فرناس) اخترع صناعة الزجاج من الحجارة و الرمل ، واخترع الساعة الرملية ، وصنع أول قلم حبر في التاريخ الإنساني ، وكان أول من صنع النظارات الطبية...
لكن الذين لم يتمكنوا حتى من صناعة حروف يكتبون بها لغتهم الخرافية المزعومة ، لا يذكرون له إلا محاولته للطيران واصطدامه بالأرض وانكسار ساقه بالقرب من قصر (الرُصافة).
علماً بأنه لم يمت من ذلك السقوط وعاش عمرا" طويلا" واخترع أمورا" عدة و كانت محاولته هذه سببب في تفكير الإنسانية بالطيران
النحت ــ قال تعالى :"وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ"(الشعراء : 149).
وقال الله تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ"(سبإ -13).
فإن التماثيل المذكورة في الآية الكريمة كانت لنبي الله سليمان بن داود عليهما السلام الذي سخر الله له الريح والجن... فكانوا يعلمون له المحاريب والتماثيل والجفان الكبيرة.. فكانت هذه التماثيل -كما قال أهل التفسير- صورا من النحاس والزجاج...
قال البغوي في تفسيره: كانوا يعملون له تماثيل، أي: صوراً من نحاس وصفر وشبة وزجاج ورخام. وقيل: كانوا يصورون السباع والطيور. وقيل: كانوا يتخذون صور الملائكة والأنبياء والصالحين في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة، ولعلها كانت مباحة في شريعتهم، كما أن عيسى كان يتخذ صوراً من الطين فينفخ فيها فتكون طيراً بإذن الله. قال القرطبي: ونسخ ذلك بشرع محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال الألوسي في تفسير هذه الآية: إنما حرمت التماثيل لأنه بمرور الزمان اتخذها الجهلة مما يعبد وظنوا وضعها في المعابد لذلك فشاعت عبادة الأصنام.
الحكم والملك :" الأنبياء الذين اشتغلوا بالحكم هُناك العديد من الأنبياء الذين عملوا بالحُكمِ والمُلك، ومنهم :
داود -عليه السلام- لِقولهِ -تعالى-:"يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ"(ص/26). حيثُ كان خليفةً في الأرض.
سُليمان -عليه السلام- حيثُ كان وريثاً للحُكم بعد أبيه داود -عليه السلام-، فقد كان يُشاورهُ في الحُكم؛ لوفورة عقله، فقال -تعالى- عن ذلك: "وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ"(النمل/16).
أي ورثهُ في النُبوَّة والمُلك والحُكم، وكان ملكاً على الشَّام، وقيل: إنّه مَلَكَ الأرض جميعها، وقال ابن عباس -رضي الله عنه-: "ملك الأرض مؤمنان: سليمان وذو القرنين" وكان في حُكمهِ ربّانياً، وعادلاً، بعيداً عن الطُغيان والظُلم،
وقد أعطاه الله -تعالى- ملكاً عظيماً وكبيراً.
و يوسف -عليه السلام- فقد كان وزيراً للماليَّة أو التموين، وهو منصبٌ يتعلَّق بالأموال، والإحصاءات، والتَّخزين والتَّوزيع،
الوظيفة :"وهي مهنة نبي الله يوسف عليه السلام: فقد كان وزيراً للماليَّة أو التموين، وهو منصبٌ يتعلَّق بالأموال، والإحصاءات، والتَّخزين والتَّوزيع،
فكان عليه السلام وزيرًا على خزائن مصر " قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ "(يوسف: 55). وكان من قبل خادمًا في بيت عزيز مصر.
فالوظيفة والمنصب في الاسلام لها شأنها ولكنها تحتاج لشروط منها القوة والأمانة :" قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ"(يوسف/55).
قال صلي الله عليه وسلم لمن طلب الوظيفة قالها لأبي ذرلما قال :"يا رسولَ اللهِ ألا تستعملْني أي في منصبٍ قال:فضرب بيدِه على منكبي ثم قال:يا أبا ذرٍّإنك ضعيفٌ و إنها أمانةٌ وإنها يومَ القيامةِ خزيٌّ و ندامةٌإلا من أخذها بحقِّها وأدَّى الذي عليه فيها "(مسلم).
الصيد ــ وهي مهنة اسماعيل ويونس وعيسي قال تعالى :"لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) (المائدة : 94).
و من أنبياء الله الذين عملوا بالصيد: نبي الله إسماعيل عليه السلام، حيث كان يعمل به ويعد رائداً فيه، ويونس عليه السلام الذي كان يعيش على صيد الأسماك وكان رائداً في هذا المجال، وكذلك عيسى عليه السلام الذي كان صياداً ويعيش على صيد السمك، وكان رائداً في هذا المجال أيضاً
التجارة :"وهي مهنة صالح وشعيب عليهما السلام: واشتغل صالح وشعيب بالتجارة. في الحديث عن وهب بن منبه ، عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - وأحدثك عن صالح أنه كان عبدا تاجراً"،
الكيالة والوزن ــ نبي الله شعيب :" وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (الأعراف/85).
قال تعالى : (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ) (المطففين : 1)
الطب والتداوي:" وكان نبي الله عيسى – عليه السلام – يعمل بالطب وعلاج المرضى، يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة آل عمران (أية: 49): {.. وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ...}
وفي الحديث وأحدثك عن ابن العذراء البتول عيسى ابن مريم أنه كان لا يخبئ شيئا لغد ، ويقول : الذي غداني سوف يعشيني ، والذي عشاني سوف يغديني ، يعبد الله ليلة كلها يصلي حتى تطلع الشمس وهو بالنهار سائح ، ويصوم الدهر كله ، ويقوم الليل كله .
رعي الغنم :" وهي مهنة موسى عليه السلام: وكان موسى راعياً لغنم شيخ مدين ثماني أو عشر سنوات على أن يزوجه ابنته التي شهدت له بالقوة والأمانة والعفة التي شاهدتها منه " إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ " [القصص: 26].
وقد حمد موسى ربه الذي ساق إليه هذا العمل " رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ " [القصص: 24] وكان موسى كاتباً يكتب التوراة بيده.
وموسى عليه السلام عمل أجيراً عند الرجل الصالح، قال تعالى :"قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ" (القصص : 27) فتزوج ابنته وعمل عنده عشر سنين،
وكان -عليه السلام- فقد كان يعمل برعي الغنم، إضافةً إلى عمله بالتِّجارة، مما يدُلُّ على إعلاء شأن العمل، وتشريفِ للعاملين. وقد عمل بالكتابة، حيث كان يكتب التوراة بيده.
الملاحة ــ قال تعالى :"أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ"(الكهف : 79).
النبي الذي ارتبط اسمه بالملاحة (البحر)
بشكل كبير هو نبي الله نوح عليه السلام من خلال بناء السفينة العملاقة لإنقاذ المؤمنين
من الطوفان، وقد وصفه القرآن بـ "الفلك" أو "السفينة"، وكان يُعتقد
أنه نجار، وبنى السفينة بالألواح والدسر (المسامير أو الحبال)، وهي التي حملته مع المؤمنين
والحيوانات إلى بر الأمان.
فنبي الله نوح عليه السلام: صنع الفلك ليكون
وسيلة النجاة في الطوفان، وهو الأبرز في مجال بناء السفن والملاحة.
ونبي الله يونس عليه السلام: ارتبط اسمه بالبحر من خلال حادثة الحوت، حيث ابتلعه الحوت وقذف به إلى الشاطئ، ولكن لم يعمل بالملاحة بالمعنى الحرفي
فقد كانوا مثلًا أعلى على مر العصور وقدوة حسنة لأممهم في كل شيء، ومن ذلك التكسب من الطرق المشروعة.
الخطبة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد
ومسك الختام وبدر التمام سيد البشرية سيدنا مُحمد -صلي الله عليه وسلم فقد جمع بين الكثير من المهن
أولها :" رعي الغنم
أنه صلي الله عليه سولم كان يرعى الغنم لأهل مكة بالقراريط قال سويد: يعني كل شاة بقيراط فقد روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ"، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ"(البخاري). والقيراط نصف عشر الدينار
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "كان آدم عليه السلام حراثًا، ونوح نجارًا، وإدريس خياطًا، وإبراهيم ولوط زارعين، وصالح تاجرًا، وداود زرّادًا، وموسى وشعيب ومحمد صلوات الله عليهم وسلم رعاة"(ابن قدامة المقدسي، مختصر منهاج القاصدين ومع اختلاف في اللفظ نسبه الحافظ ابن حجر إلى الحاكم في المستدرك، انظر: فتح الباري).
ثانيها:" التجارة
وأنه صلي الله عليه وسلم عمل بالتِّجارة بعد عمله برعي الغنم، وذلك بعد أن طلب من عمِّه أبي طالب وهو في سنِّ الثانية عشر من عُمره أن يصحَبَهُ معه في تجارتهِ إلى بلاد الشّام، وهناك التقوا بالراهب بحيرا الذي أخبر أبا طالب أنّ ابن أخيه محمّد سيكون له شأنٌ عظيمٌ، ثُمّ كانت رحلته الثانيّة إلى بلاد الشَّام في تجارةٍ للسيدة خديجة -رضي الله عنها- مع غُلامها ميسرة وما قاله عن صدقه وأمانته وإتقانه وظل يتاجر حتي لحق بالرفيق الأعلى (راجع ابن هشام: أبي محمد عبد الملك، سيرة النبي صلى الله عليه وسلم).
ثالثها:" كان يعمل في البناء
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ , فإتقان العمل يدل على كمال العامل.
وكان صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة ويشد الحجر الأسود بنفسه في بناء الكعبة الشريفة ( راجع ابن هشام: أبي محمد عبد الملك، سيرة النبي صلى الله عليه وسلم)
وكان صلى الله عليه وسلم لا يحب أن يتميز على أصحابه، ففي بناء المسجد النبوي كان ينقل الحجارة بنفسه، ويشجع أصحابه على العمل.
تقول أم سلمة رضي الله عنها: "فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفض وفرته بيده".
ورأى الصحابة المشاركة الفعلية والروح العالية فنشطوا في البناء وجدوا في العمل وهم ينشدون:"لئن قعدنا والرسول يعمل لذاك منا العمل المضلل" (راجع ابن هشام وانظر الحافظ ابن حجر في فتح الباري).
وكانت الصخرات القوية التي يعجز عنها القوم تتفتت، تحت ضربات النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق (راجع ابن هشام: أبي محمد عبد الملك، سيرة النبي صلى الله عليه وسلم).
وكان صلى الله عليه وسلم أقرب الناس إلى العدو إذا حمى الوطيس، واشتد البأس في الحروب، وبهذا ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في وجوب العمل، وعدم التمييز عن الرعية.
رابعاً:"رسالة الدعوة إلي الله
فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشتغل بالتجارة قبل البعثة، كما اشتغل
برعي الغنم في بعض فترات حياته الأولى، فلما بعث اشتغل عن التكسب بالدعوة إلى الله
تعالى، وتبليغ رسالته التي كلف وشرف بها من ربه -عز وجل-، وأغناه الله تعالى؛ ليتفرغ
لما اختاره له، وهو المغني سبحانه: وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى "(الضحى:8)، أي: بمال
خديجة، كما قال المفسرون.
وهكذا هؤلاء وغيرهم من رسل الله وأنبيائه، ممن اختار الله سبحانه واصطفى، لم يقعدوا عن طلب الرزق، ولم يرزقوا دون كد وتعب، وأخذ بالأسباب، بما لهم من منزلة عند الله تعالى، أو من حق القيادة والريادة لأممهم، وإنما عملوا بأيديهم، وسعوا في تحصيل عيشهم، ليستن بهم غيرهم ويحذوا حذوهم، فيطلبون الدنيا من حلها، وقاية لهم من الحرام، والكسب غير المشروع، وليس هناك استثناء في هذا المقام، حتى خاتم الرسل وصفوة خلقه صلى الله عليه وسلم.