المَهَنُ في الْإِسْلَامِ طَرِيقُ الْعُمْرَانِ وَالْإِيمَانِ مَعًا
مَكانَةُ المِهَنِ والحِرَفِ في الإسْلامِ.
إِيَاكُم وَالتَّسَوُّلَ وَإِيَاكُم احْتِقَارَ مِهْنَةٍ مِنَ الْمِهَنِ الْمَشْرُوعَةِ.
مِهَنُ السَّلَفِ في شَعْبَانَ.
الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ عِمَارَةَ
الْكَوْنِ عِبَادَةً وَسُلُوكًا ،الْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَائِلِ في مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ
(اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ ( سَبَأ
13) ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ
أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، الْقَائِلُ
كَمَا في حَدِيثِ الْمِقْدَامِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ
أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ – عَلَيْهِ السَّلاَمُ
– كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ”(((رواه البخاري) ؛ الـلّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وزِدْ وبَارِكْ عَلَى
النَّبِيِّ المُخْتَارِ وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ الْأَطْهَارِ الأَخْيَارِ وسَلِّمْ
تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَأَوْصِيكُمْ ونَفْسِي
أَيُّهَا الأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}
(آل عمران: 102) عِبَادَ اللَّهِ: ((المَهَنُ فِي الْإِسْلَامِ طَرِيقُ الْعُمْرانِ
وَالْإِيمَانِ مَعًا)) عُنْوَانُ وزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطبَتِنَا.
أيُّها السَّادَةُ: بَدَايَةً ما أحْوَجَنَا
في هذهِ الدَّقائقِ المَعْدُودَةِ إلى أنْ يَكونَ حَدِيثُنَا عن المِهَنِ في الإسْلامِ
وخاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَاناً انْتَشَرَ فيهِ التَّسَوُّلُ ومَدُّ الأَيْدِي
إلى النَّاسِ بِصُورَةٍ مَخْزِيَةٍ من الرِّجَالِ والشَّبابِ بَلْ وَمِنَ النِّسَاءِ
وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وخاصَّةً وَأَنَّ دِينَنَا الحَنيفَ
حَثَّنَا وأَمَرَنَا بالعملِ والسَّعْيِ في الْأَرْضِ طَلَباً لِلرِّزْقِ وطَلَباً
لِلْحَلاَلِ وطَالِباً لِعَدَمِ التَّسَوُّلِ وحَذَّرَ من البَطالَةِ وخَطرِهَا على
الفَرْدِ والمُجتَمَعِ.
وما نَيْلُ المَطالِبِ بالتَّمَنِّي
ولكنْ تُؤْخَذُ الدُّنْيا غِلاباً وما استعصَى على قَوْمٍ مَنَالٌ
إِذا الإِقْدامُ كانَ لَهُمْ رِكاباً
أوَّلاً: مَكانَةُ المِهَنِ والحِرَفِ في
الإسْلامِ.
أيُّها السَّادَةُ: الإسْلامُ دينُ العملِ
والاجْتِهَادِ، دينُ النَّشاطِ والحَيَويَّةِ، دينُ الرِّيَادَةِ والعَطَاءِ، دينُ
السَّعْيِ في الأَرْضِ بَحْثًا عن الرِّزْقِ وطَلَبًا للحَلالِ، وَلَيْسَ دينَ الكَسَلِ
والخُمُولِ، قَالَ رَبُّنَا : ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ
بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾(التوبة:105) ؛ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ إِذَا أَعْجَبَهُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ: هَلْ لَهُ حِرَفَةٌ؟ فَإِذَا
قِيلَ لَهُ: لَا، سَقَطَ مِنْ عَيْنِهِ، فَالمسلمُ ما خُلِقَ ليكونَ عَالَةً، وَلَا
ليكونَ نَكِرَةً في الحَيَاةِ، وَلَا ليكونَ عَطَّالًا بَطالًا، بَلْ خُلِقَ لِلْعِبَادَةِ
وَالْعَمَلِ، خُلِقَ لِلْإِنْتَاجِ وَالْإِنْجَازِ، فَالإِسْلامُ يَدْعُو الْمُسْلِمَ
لِلْعَمَلِ في دُنْيَاهُ كَمَا لَوْ كَانَ يَعِيشُ أَبَدًا، وَيَعْمَلُ لَآخِرَتِهِ
كَأَنَّهُ يَمُوتُ غَدًا، وَالسَّعْيُ في إِتْقَانِ الْمِهَنِ وَالْحِرَفِ هُوَ عَيْنُ
الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ، لِذَا مَا إِنْ يَتَنَفَّسُ الصَّبَاحُ وَيَبْزُغُ الْفَجْرُ
إِلَّا وَتَرَى النَّاسَ يَخْرُجُونَ أَفْوَاجًا لِكَسْبِ الْأَقْوَاتِ وَالْمَعَايِشِ،
كُلٌّ يَغْدُو يَأْمَلُ من فَضْلِ اللَّهِ وَعَطَائِهِ، يَغْدُونَ خُمَاصًا، وَيَرُوحُونَ
بَطَانًا، مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا وَلَهُ حَاجَةٌ، فَيَسُدُّ اللَّهُ الْخَلَّةَ
وَيَقْضِي الْحَاجَةَ، بِمُقْتَضَى عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ تَحَارُ لَهُ عُقُولُ أُولِي
الْأَلْبَابِ: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الْمُلْكِ:
14]. وَمِنْ غَاياتِ الإِسلامِ عِمَارَةُ الأَرْضِ قَالَ جَلَّ وَعَلا { {هُوَ أَنْشَأَكُمْ
مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} } [هُودَ : 61]، وَلَا يَتحَقَّقُ الإِعْمَارُ
إِلَّا بِالْعَمَلِ الْجَادِّ ،لِذَا أمَرَنا الإِسلامُ بِالسَّعْيِ، وَكَيْفَ لَا
؟ وَالمِهَنُ فِي الإِسْلَامِ وَالْعَمَلُ سَرُّ الْبَقَاءِ وَرُوحُ النَّمَاءِ وَأَسَاسُ
الْبُنَاءِ قَالَ جَلَّ وَعَلَا :{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا
فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الْمَلَكِ : 15]
وَكَيْفَ لَا؟ وَالْعَمَلُ وَالْمَهَنُ
وَالْكَسْبُ وَالْحِرَفَةُ فِي الْإِسْلَامِ لَهَا مَكَانَةٌ كَبِيرَةٌ وَمَنْزِلَةٌ
رَفِيعَةٌ، وَكَيْفَ لَا؟ وَبِالْعَمَلِ وَالْمَهَنْ وَالْحِرَفِ يُنَالُ الْأَجْرُ
وَالثَّوَابُ، وَهُوَ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ لِلَّهِ وَامْتِثَالٌ لِأَمْرِهِ، عَنْ طَرِيقِهِ
تَقُومُ الْحَيَاةُ، وَتَعْمُرُ الدِّيَارُ، وَتَزْدَهِرُ الْأَوْطَانُ، وَيَحْدُثُ
الْاِسْتِقْرَارُ، أَمَرَ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَقَالَ:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ
فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا
لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الْجُمُعَةِ: 10] قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ
لِهَذِهِ الْآيَةِ: رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: مَن بَاعَ وَاشْتَرَى
فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ مَرَّةً
وَكَيْفَ لَا؟ وَالْإِسْلَامُ اعْتَبَرَ الْعَمَلَ جِهَادًا وَالْكَسْبَ وَالِاحْتِرَافَ
عِبَادَةً دِينِيَّةً،، لَذَا رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ رَأَوْا شَابًّا قَوِيًّا
يُسْرِعُ إِلَى عَمَلِهِ، فَقَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، رَدَّ
عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ
فِي مُعَاجِمِهِ الثَّلَاثَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ـ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
رَجُلٌ فَرَأَى أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من جلَدِهِ
ونشاطِهِ فقالوا: يا رسولَ اللهِ لو كان هذا في سبيلِ اللهِ؟! فقال رسولُ اللهِ صلَّى
اللهُ عليهِ وسلَّمَ:” إنْ كانَ خَرَجَ يَسْعَى على وُلْدِهِ صِغارًا فَهُوَ في سَبِيل
اللَّهِ ،وإنْ كانَ خَرَجَ يَسْعَى على أبوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ في
سَبِيلِ اللَّهِ ،وإنْ كانَ خَرَجَ يَسْعَى على نَفْسِهِ يُعِفُّها فَهُوَ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ ،وإنْ كانَ خَرَجَ يَسْعَى رِياءً وَمُفاخَرَةً فَهُوَ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ”.
وَكَيْفَ لَا؟ وَاللَّهُ جَعَلَ الْعَمَلَ
سُنَّةَ أَنبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ بِالرَّغْمِ مِنْ انشِغَالِهِمْ بِالدُّعْوَةِ إِلَى
اللَّـهِ وَتَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ إِلَى أُمَمِهِمْ وَأَقْوَامِهِمْ، فَلِكُلٍّ مِنْهَا
مِهْنَةٌ وَحِرْفَةٌ بَرَعَ فِيهَا وَأَخْلَصَ فِيهَا فَنَفَعَ نَفْسَهُ وَنَفَعَ مُجْتَمَعَهُ
بَلْ وَمِنْ خِلَالِهَا بِأَمَانَتِهِ وَأَخْلَاقِهِ بَدَأَ دَعْوَتَهُ مِنْ خِلَالِ
مِهْنَتِهِ وَكَأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ لِلدُّعْوَةِ إِلَى اللَّـهِ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ
سُبْحَانَهُ:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ
الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾(الفرقان: 20) لِذَا عَمِلَ آدَمُ بِالزِّرَاعَةِ،
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بَزَّازًا، وَنُوحٌ نَجَّارًا وَكَذَا زَكَرِيَّا، وَكَانَ لُقْمَانُ
خَيَّاطًا وَكَذَا إِدْرِيسُ، وَكَانَ مُوسَى رَاعِيًا، وَقَدْ أَخْبَرَ نَبِيُّنَا
مُحَمَّدٌ – صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِرَعْيِ
الْأَغْنَامِ، حَيْثُ يَقُولُ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
– رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ – عَنْ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
– قَالَ : مَا بَعَثَ اللَّـهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ ». فَقَالَ أَصْحَابُهُ
وَأَنْتَ فَقَالَ:« نَعَمْ كُنتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ ” كَمَا
كَانَ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَخْرُجُ إِلَى الشَّامِ لِلَّاتِّجَارِ
بِمَالِ خَدِيجَةَ – رَضِيَ اللَّـهُ تَعَالَى عَنْهَا وَأَرْضَاهَا، بَلْ يُبَثُّ
فِينَا صلى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُوحَ الأَمَلِ وَالْعَمَلِ، فَفِي مُسْنَدِ
أَحْمَدَ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّـهِ
-صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ– إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ
فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ))
وَقَدْ سُئِلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَوْمًا: دُلِّنِي عَلَى عَمَلِ الْأَبْطَالِ؟
فَقَالَ: كَسْبُ الْحَلَالِ وَالْإِنْفَاقُ عَلَى الْعِيَالِ. وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَةَ
عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ الزُّبَيْدِيِّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ
: مَا كَسَبَ الرَّجُلُ كَسْبًا أَطْيَبَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَمَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ
عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ. فَالعَمَلُ بِلا
إتْقانٍ جَسَدٌ بِلا رُوحٍ، وبِنَاءٌ يَوشَكُ أنْ يَنهارَ، وكلُّ جُهدٍ يَخدُمُ النّاسَ
هُوَ عِندَ اللهِ عَظيمٌ، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ اللهَ يُحبُّ إذا عَمِلَ أَحدُكُم
عَمَلًا أنْ يُتقِنَهُ».
بِقَدْرِ الْكَدِّ تُكْتَسَبُ المعَالِي
*** ومَنْ طَلبَ العُلا سَهرَ اللَّيالِي
ومَنْ طلبَ العُلا مِن غيرِ كَدٍّ *** أَضَاعَ
العُمْرَ في طلبِ الْمُحَالِ
وَكَيْفَ لَا؟ وإنَّ العَمَلَ والكَسْبَ
والِاحْتِرافَ لم يَكُنْ في حَياةِ الأنْبياءِ فَقَط، بَل رَبَّى النَّبِيُّ ﷺ صَحابَتَهُ الكِرَامَ عَلَى الجَدِّ والاجْتِهادِ
والعَمَلِ والِاحْتِرافِ مِنْ أَجْلِ البِنَاءِ والتَّعْمِيرِ، فَكانَ لِكُلِّ واحِدٍ
مِنْهُمْ مِهْنَةٌ يَتَكَسَّبُ بِهَا؛ فَهَذا أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ كان تَاجِرَ
أَقْمِشَةٍ، وَكان عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ دَلَّالًا، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَبْدُ
الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ تُجَّارًا،
كَما كانَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ خَيَّاطًا، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ نَبَّالًا
أَي يُصنِعُ النِّبَالَ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ جَزَّارًا، وَخَبَّابُ بْنُ الأَرْتِ
حَدَّادًا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَاعِيًا، وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ وَعَمَّارُ
بْنُ يَاسِرٍ كَانَا خَادِمَيْنِ، وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ كان حَلَّاقًا وَمُؤَبِّرًا
لِلنَّخْلِ، وَخَبِيرًا بِفُنُونِ الْحَرْبِ، وَعَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَامِلًا،
وَكان يَقُولُ مُفْتَخِرًا:
لَنْقُلَ الصَّخْرَ مِنْ قِمَمِ الْجِبَالِ
*** أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِنَنِ الرِّجَالِ
يَقُولُ النَّاسُ لِي في الْكَسْبِ عَارٌ
*** فَقُلْتُ الْعَارُ في ذِلِّ السُّؤالِ
ثَانِيًا: إِيَاكُم وَالتَّسَوُّلَ وَإِيَاكُم
احْتِقَارَ مِهْنَةٍ مِنَ الْمِهَنِ الْمَشْرُوعَةِ.
أيُّها السَّادَةُ: احْتِقَارُ مِهْنَةٍ
مِنَ المِهَنْ الْمَشْرُوعَةِ دَاءٌ اجْتِمَاعِيٌّ خَطِيرٌ ، وَوَبَاءٌ خُلْقِيٌّ كَبِيرٌ
مَا فَشَا فِي أُمَّةٍ إِلَّا كَانَ نَذِيرًا لِهَلَاكِهَا ، وَمَا دَبَّ فِي أُسْرَةٍ
إِلَّا كَانَ سَبَبًا لِفَنَائِهَا ، فَهُوَ مَصْدَرٌ لِلْكُلِّ عَدَاءٍ وَيَنْبُوعٌ
لِلْكُلِّ شَرٍّ وَتَعَاسَةٍ ، وَالتَّسَوُّلُ آفَةٌ مِنْ آفَاتِ الإِنْسَانِ ، مَدْخَلٌ
كَبِيرٌ لِلشَّيَاطِينِ ، مُدَمِّرٌ لِلْقَلْبِ وَالْأَرْكَانِ ، يُفَرِّقُ بَيْنَ
الْأَحِبَّةِ وَالْإخْوَةِ ، يُحَرِّمُ صَاحِبَهُ : الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ ، وَيُدْخِلُهُ
النِّيرَانَ ، وَيُبْعِدُهُ عَنْ الْجِنَانِ ، فَالْبُعْدُ عَنْهُ خَيْرٌ فِي كُلِّ
زَمَانٍ وَمَكَانٍ. فَإِيَّاكُمْ وَاحْتِقَارَ أَيَّةِ حِرْفَةٍ مِنَ الحِرَفِ الَّتِي
لَا تَتَعَارَضُ مَعَ الشَّرِيعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ الغِرَاءِ. فَالْعَمَلُ عِبَادَةٌ
فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الْعِبَادَةِ لَذَا رَوَى إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي عَهْدِ
النَّبِيِّ ﷺ ، أَحَدُهُمَا بَيَّاعًا فَإِذَا سَمِعَ
النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ فَإِن كَانَ الْمِيزَانُ بِيَدِهِ طَرَحَهُ وَلَا يَضَعْهُ
وَضْعًا، وَإِن كَانَ بِالْأَرْضِ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَكَانَ الْآخَرُ قَيِّنًا يَعْمَلُ
السُّيُوفَ لِلْتِجَارَةِ، فَكَانَ إِذَا كَانَتْ مَطْرَقَتُهُ عَلَى السِّنْدَانِ
أَبْقَاهَا مَوْضُوعَةً، وَإِن كَانَ قَدْ رَفَعَهَا أَلْقَاهَا مِن وَرَاءِ ظَهْرِهِ
إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ، فَأَنزَلَ اللَّهُ ثَنَاءً عَلَيْهِمَا وَعَلَى كُلِّ مَنِ
اقْتَدَى بِهُمَا قَالَ تَعَالَى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ
عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 37].
لَذَا حَارَبَ الإِسْلَامُ الْبَطَالَةَ
وَالْكَسَلَ وَالتَّسَوُّلَ وَدَعَا إِلَى الإِنْتَاجِ وَالْعَمَلِ , وَأَبَى الإِسْلَامُ
أَنْ يَكُونَ أَتْبَاعُهُ عَالَةً عَلَى النَّاسِ، يَتَسَوَّلُونَ خُبْزَ طَعَامِهِم،
وَمَلَابِسَ لِسَتْرِ عَوْرَاتِهِم، وَيَنْتَظِرُونَ سَلَّةَ إِغَاثَتِهِم، بَل وَرَفَضَ
الإِسْلَامُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ مَكْسُورَ الْجَنَاحِ، يَطْعَمُهُ وَيَسْقِيهِ
غَيْرُهُ، وَيَنْتَظِرُ الْمَعُونَةَ مِنْ هُنَا وَهُنَاكَ، فَهَا هُوَ سَيِّدُ الْعَامِلِينَ
مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْبَى أَنْ يُعْطِيَ شَابًّا مُتَسَوِّلًا
شَيْئًا بَل قَالَ لَهُ:(اِذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ
يَوْمًا(، فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ
دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ
نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ( رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
لَذَا نَجِدُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَدْعُو إِلَى الْعَمَلِ وَالِاحْتِرَافِ خَيْرًا مِنَ الْمَسْأَلَةِ فَعَنْ
الزُّبَيْرِ ابْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ
بِحَزْمَةٍ مِنَ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيُكَفِّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ
خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ: أَعْطُوهُ أَوْ مَنَعُوهُ (( (البخاري) وَعَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: (وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلَّا
زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا قِلَّةً)؛ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ:
((وَلَا فَتَحَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ يَسْأَلُ النَّاسَ إِلَّا فَتَحَ
اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ)) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا تَزَالُ
الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ
مُزْعَةُ لَحْمٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. أَمَّا عِقَابُ الْمَتَسَوِّلِ بَعْدَ الْحِسَابِ،
فَهُوَ الْجَمْرُ، يَا رَبِّ سَلِّمْ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ
تَكَثُّرًا فَإنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ»؛ رواه
مسلم الْيَدُ السَّفْلَى وَالتَّسَوُّلُ قَدْ
كَثُرَ فِي أَوْطَانِنَا لِذَا يَجِبُ تَحْفِيزُهَا عَلَى الْدَّوَامِ لِتَكُونَ عُلْيَا
بِالْعَطَاءِ وَالْعَرَقِ وَالْعَمَلِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ،
وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ:
“الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السَّفْلَى، فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ،
وَالسَّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ” (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). وَطَالِبُ الْعَفَافِ مِنْ
رَبِّهِ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ سَيُغْنِيهِ اللَّهُ بَيْقِينِهِ، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (إنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ،
سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ
فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِندَهُ، فَقَالَ: “مَا يَكُونُ عِندَي مِنْ خَيْرٍ
فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنكُمْ، وَمَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَن يَسْتَغْنِ
يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً
خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ” رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فِيَا عِبَادَ اللَّهِ، كَيْفَ يَرْبَحُ
هَـؤُلَاءِ الأَشْخَاصُ؟ وَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ بِالْكَسْبِ الْحَلَالِ؟ أَلَا تَعْلَمُ
أَيُّهَا الصَّانِعُ، وَأَيُّهَا الْحَرَفِيُّ، وَأَيَّتُهَا الْحَرَفِيَّةُ، أَنَّهُ:
لَيْسَ التُّقَى بِمُتَّقٍ لِإِلَـٰهِه
*** حَتَّى يَطِيبَ شَرَابُهُ وَطَعَامُهُ
وَيَطِيبَ مَا يَجْنِي وَيُكْسِبُ أَهْلَهُ
*** وَيَطِيبَ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ كَلَامُهُ
نُطِقَ النَّبِيُّ لَنَا بِهِ عَنْ رَبِّهِ
*** فَعَلَى النَّبِيِّ صَلَوَاتُهُ وَسَلَامُهُ
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَاسْتَغْفِرُ اللَّهَ
الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ
وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ وَبِسْمِ اللَّهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ وَأَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ …………………… وَبَعْدُ
وَبَحَثْتُ عَنْ سِرِّ السَّعَادَةِ جَاهِدًا
*****فَوَجَدْتُ هَذَا السِّرَّ فِي تَقْوَاكَا
فَلْيَرْضَ عَنْي النَّاسُ أَوْ فَلْيَسْخَطُوا
*****أَنَا لَمْ أَعُدْ أَسْعَى لِغَيْرِ رِضَاكَا
ثالثاً وأخيراً: مِهَنُ السَّلَفِ في شَ عْبَانَ.
أيُّها السَّادَةُ: شَعْبَانُ بَوَّابَةٌ
وَقُنْطَرَةٌ لِرَمَضَانَ، شَعْبَانُ دَوْرَةٌ تَأْهِيليَّةٌ تَدْرِيبِيَّةٌ عَلَى
الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَالْقُرْآنِ، شَعْبَانُ نِهَايَةُ السَّنَةِ التَّكْلِيفِيَّةِ
لِلْإِنْسَانِ، شَعْبَانُ الْبَيَانُ الْخِتَامِيُّ لِلسَّنَةِ كُلِّهَا تَارِفُ فِيهِ
الْأَعْمَالُ إِلَى اللَّهِ، شَعْبَانُ شَهْرُ الْقُرْآنِ، فَكَانَ حَالُ السَّلَفِ
الصَّالِحِ فِي شَعْبَانَ فَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا دَخَلَ شَهْرُ شَعْبَانَ،
تَرَكُوا الْمِهَنَ وَالْحِرَفَ وَأَقْبَلُوا عَلَى مَصَاحِفِهِمْ فَقَرَأُوهَا، وَأَخْرَجُوا
زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ لِيُعِينُوا غَيْرَهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ.
وَتَرَكُوا الْكَثِيرَ مِنْ مَشَاغِلِ الدُّنْيَا، وَأَخَذُوا يَسْتَعِدُّونَ فِيهِ
لِاسْتِقْبَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَكْثَرُوا فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ وَالذِّكْرِ
وَالْقِيَامِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ عَنْ شَهْرِ شَعْبَانَ إِنَّهُ شَهْرُ الْقُرَّاءِ.
وَكَانَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمَلَائِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إِذَا دَخَلَ شَعْبَانَ
أَغْلَقَ حَانُوتَهُ وَتَفَرَّغَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
وَكَيْفَ لَا؟ وَإِنَّ لِشَهْرِ شَعْبَانَ
عِندَ اللَّهِ -تَعَالَى- فَضِيلَةً، وَقَدْ كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تُغَالِي فِي
تَعْظِيمِ رَجَبٍ وَتُهْمِلُ شَهْرَ شَعْبَانَ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْخَصَائِصِ
مَا زَادَهُ مَكَانَةً فِي نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ، جَعَلَهُ اللَّهُ شَهْرَ خِتَامٍ
لِأَعْمَالِ السَّنَةِ: فَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ
شَعْبَانَ، قَالَ ﷺ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ
بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ
الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»؛ (رواه أحمد والنسائي)،
وَلَقَدْ خَصَّ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا شَهْرَ شَعْبَانَ بِليْلَةِ النِّصْفِ الْمُبَارَكَةِ:
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ
النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ»،
(رواه ابن ماجه وابن حبان)، وَقَالَ ﷺ: «إِذَا كَانَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ
شَعْبَانَ اَطَّلَعَ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيُمْلِي
لِلْكَافِرِينَ وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ»؛ (رواه البيهقي).
وَخَصَّهُ النَّبِيُّ ﷺ بِزِيَادَةِ صِيَامٍ: فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ
بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ
أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ: «ذَلِكَ
شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ
فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا
صَائِمٌ»؛ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ). وَتَقُولُ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لاَ يُفْطِرُ،
وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لاَ يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ،
وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ؛ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)،
وَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا: “كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ
إِلَّا قَلِيلًا”. فَانْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ كَيْفَ كَانَ حَالُ نَبِيِّنَا ﷺ فِي شَعْبَانَ وَحَالُ السَّلَفِ وَأَصْحَابِ
المهِن.
لِذَا جَعَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا مُرُورَ
الْأَوْقَاتِ تَذْكِرَةً لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِلْمُؤْمِنِ فِي كُلِّ وَقْتٍ
مِنَ الْأَوْقَاتِ عُبُودِيَّةً لِلَّهِ، وَمِنْ سَعَادَةِ الْعَبْدِ أَنْ يَعْرِفَ
شَرَفَ الزَّمَنِ وَقِيمَةَ الْوَقْتِ، وَأَنْ يَعْرِفَ وَظَائِفَ الْأَوْقَاتِ حَتَّى
يُعَمِّرَهَا بِطَاعَةِ الرَّحْمَنِ، وَالْمُسْلِمُ دَائِمًا يَهْتَمُّ بِوَاجِبِ الْوَقْتِ
الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَيَغْتَنِمُ الْفُرَصَ فِي كُلِّ زَمَانٍ لِيُحَقِّقَ عُبُودِيَّتَهُ
لِلَّهِ -سُبْحَانَهُ- الَّتِي خُلِقَ مِنْ أَجْلِهَا قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، فَشَعْبَانُ
نَفْحَةٌ مِنْ نَفَحَاتِ رَبِّكُمْ أَلَا فَتَعْرِضُوا لَهَا قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ،
حَبَاهُ اللَّهُ بِخَيْرَاتٍ عَظِيمَةٍ وَبِفَضَائِلَ عَدِيدَةٍ وَفَوَائِدَ كَثِيرَةٍ
فَاغْتَنِمُوهُ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.
دَقَّاتُ قَلْبِ الْمَرءِ قَالِتٌ لَهُ
*** إِنَّ الْحَيَاةَ دَقَائِقُ وَثَوَانٍ
فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا
*** فَالذِّكْرُ لِلْإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانٍ
يَا عِبَادَ اللهِ: أَرَأَيْتُمْ طَالِبًا مُجِدًّا يَدْخُلُ قَاعَةَ الامْتِحَانِ دُونَ اسْتِعْدَادٍ سَابِقٍ؟ أَرَأَيْتُمْ تَاجِرًا نَاجِحًا يُقْبِلُ عَلَيْهِ مَوْسِمٌ مِنْ المَوَاسِمِ العَامِرَةِ دُونَ أَنْ يَتَهَيَّأَ لَهُ؟ فَإِذَا كَانَ العِبَادُ يَسْتَعِدُّونَ لِأُمُورِ دُنْيَاهُمْ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَسْتَعِدَّ للطَّاعَةِ وَيَتَهَيَّأَ لِشَهْرِ رَمَضَانَ قَبْلَ دُخُولِهِ. انْظُرُوا أَقْوَالَكُمْ وَأَفْعَالَكُمْ وَمُعَامَلَاتِكُمْ في شَهْرِ شَعْبَانَ وَصَحِّحُوهَا قَبْلَ مَجِيءِ شَهْرِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ، لَعَلَّ اللهَ تعالى يُبَلِّغُنَا إِيَّاهُ، وَيَجْعَلُنَا مِنَ المَعْتُوقِينَ مِنَّ النَّارِ. وحَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ، وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ.