recent
أخبار عاجلة

حكم كتابة الميراث للأبناء علي حياة عينك محمد أبوالنصر

 حكم كتابة الميراث للأبناء علي حياة عينك 


حُكْمُ الكِتَابَةِ لِلأَوْلَادِ فِي حَيَاةِ الأَبِ وَالأُمِّ؟

وَكَيْفَ نُحَقِّقُ العَدْلَ فِي العَطَايَا وَنُغْلِقُ أَبْوَابَ الضَّغِينَةِ؟

 

الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ .

أَمَّا بَعْدُ.

إنَّ الأُسْرَةَ هِيَ اللَّبِنَةُ الأُولَى فِي بِنَاءِ المُجْتَمَعِ، وَإِنَّ اسْتِقْرَارَهَا مَادِّيًّا وَنَفْسِيًّا يَقُومُ عَلَى رَكِيزَةِ "العَدْلِ".

وَمِنْ أَخْطَرِ القَضَايَا الَّتِي تُثَارُ فِي البُيُوتِ قَضِيَّةُ "العَطِيَّةِ" أَوْ مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ "الكِتَابَةَ لِلأَوْلَادِ" فِي حَيَاةِ الأَبِ أَوِ الأُمِّ.

 هَلْ هِيَ مُطْلَقَةُ العِنَانِ؟ أَمْ لَهَا ضَوَابِطُ تَكْبَحُ جِمَاحَ الهَوَى

  أَوَّلًا: الأَصْلُ الشَّرْعِيُّ فِي مِلْكِيَّةِ الإِنْسَانِ لِمَالِهِ وَحُدُودُ التَّصَرُّفِ

إِنَّ الإِسْلَامَ يَحْتَرِمُ المِلْكِيَّةَ الفَرْدِيَّةَ، فَالإِنْسَانُ حُرٌّ فِي مَالِهِ، لَكِنَّ هَذِهِ الحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ عَبَثِيَّةً، بَلْ هِيَ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ الإِضْرَارِ بِالوَرَثَةِ أَوِ الجُنُوحِ عَنْ جَادَّةِ العَدْلِ.

  المَالُ اسْتِخْلَافٌ لَا تَمَلُّكٌ مُطْلَقٌ

يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الأَبُ أَوِ الأُمُّ أَنَّ مَالَهُ هُوَ مَالُ اللهِ، وَهُوَ مُسْتَخْلَفٌ فِيهِ، قَالَ تَعَالَى:

﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [سُورَةُ الحَدِيدِ: 7].

فَالتَّصَرُّفُ فِي المَالِ يَجِبُ أَنْ يُوَافِقَ مُرَادَ المُسْتَخْلِفِ (سُبْحَانَهُ)، وَمُرَادُهُ هُوَ الحَقُّ وَالعَدْلُ.

  مَشْرُوعِيَّةُ الهِبَةِ فِي الحَيَاةِ

يَجُوزُ لِلأَبِ وَلِلأُمِّ أَنْ يُعْطُوا أَوْلَادَهُمْ مِنْ مَالِهِمْ وَهُمْ فِي كَامِلِ قُوَاهُمُ العَقْلِيَّةِ، وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ الإِحْسَانِ، لَكِنَّ الفُقَهَاءَ فَرَّقُوا بَيْنَ "النَّفَقَةِ" (وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِقَدْرِ الحَاجَةِ) وَبَيْنَ "الهِبَةِ المَحْضَةِ" (وَهِيَ التَّمْلِيكُ الزَّائِدُ عَنِ الحَاجَةِ).

  ثَانِيًا: وُجُوبُ العَدْلِ بَيْنَ الأَوْلَادِ فِي العَطِيَّةِ

هَذَا هُوَ الرُّكْنُ الرَّكِينُ؛ فَالمَيْلُ لِوَلَدٍ دُونَ الآخَرِ بَذْرَةُ شِقَاقٍ تُزْرَعُ فِي النُّفُوسِ، وَقَدْ حَذَّرَ مِنْهَا النَّبِيُّ بِأَشَدِّ العِبَارَاتِ.

  حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: العُمْدَةُ فِي البَابِ

رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (رَقْم 2586) وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (رَقْم 1623) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: " قَالَ: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ (أُمُّ النُّعْمَانِ) لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ. قَالَ فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ. اهـ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ.

وَفِي رِوَايَةٍ : "فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ".

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَيْضًا (2650) : ( لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ ) .

وَصَفَ النَّبِيُّ التَّفْضِيلَ بِأَنَّهُ "جَوْرٌ" وَالجَوْرُ هُوَ الظُّلْمُ الَّذِي يُظْلِمُ القُلُوبَ وَيَقْطَعُ الأَرْحَامَ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (1623) عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي ، فَقَالَ : أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : ( فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ) ثُمَّ قَالَ : ( أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً ) قَالَ : بَلَى . قَالَ : ( فَلَا إِذًا )

  العَدْلُ سَبَبٌ لِلْبِرِّ

وَكَمَا يُحِبُّ الأَبُ أَنْ يَبَرَّهُ أَبْنَاؤُهُ جَمِيعًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ فِي العَطَاءِ.

  ثَالِثًا: هَلْ يَجُوزُ مُسَاوَاةُ البِنْتِ بِالوَلَدِ فِي العَطِيَّةِ؟

هَذِهِ المَسْأَلَةُ مِنْ أَدَقِّ المَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، وَالتَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا يَعْتَمِدُ عَلَى فَهْمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ:

  القَوْلُ الأَوَّلُ: المُسَاوَاةُ المُطْلَقَةُ (الذَّكَرُ وَالأُنْثَى سَوَاءٌ)

ذَهَبَ بَعْضٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّ العَدْلَ هُوَ التَّسْوِيَةُ المُطْلَقَةُ فِي العَطِيَّةِ (جُنَيْهٌ لِلْوَلَدِ وَجُنَيْهٌ لِلْبِنْتِ)؛ لِأَنَّ هَذَا عَطَاءٌ فِي الحَيَاةِ وَلَيْسَ مِيرَاثًا.

وَالمُسَاوَاةُ هُنَا تَجْبُرُ خَاطِرَ البَنَاتِ، وَتُشْعِرُهُنَّ بِقِيمَتِهِنَّ فِي كَنَفِ الوَالِدِ، وَلَا تَكْسِرُ قُلُوبَهُنَّ أَمَامَ إِخْوَتِهِنَّ الذُّكُورِ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ , وَمَالِكٌ , وَالشَّافِعِيُّ , وَابْنُ المُبَارَكِ : تُعْطَى الأُنْثَى مِثْلَ مَا يُعْطَى الذَّكَرُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ : " سَوِّ بَيْنَهُمْ " ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : أَيَسُرُّكَ أَنْ يَسْتَوُوا فِي بِرِّكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَسَوِّ بَيْنَهُمْ ، وَالبِنْتُ كَالاِبْنِ فِي اسْتِحْقَاقِ بِرِّهَا , وَكَذَلِكَ فِي عَطِيَّتِهَا ،

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي العَطِيَّةِ , وَلَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا لأَحَدٍ لآثَرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ ) رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ " ؛ وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ فِي الحَيَاةِ , فَاسْتَوَى فِيهَا الذَّكَرُ وَالأُنْثَى , كَالنَّفَقَةِ وَالكِسْوَةِ .

  القَوْلُ الثَّانِي: التَّوْزِيعُ كَالمِيرَاثِ (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)

ذَهَبَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ العَدْلَ يَكُونُ بِاتِّبَاعِ قِسْمَةِ اللهِ فِي المِيرَاثِ، اسْتِنَادًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 11].

 قَالُوا: لِأَنَّ اللهَ قَسَمَ العَطَاءَ هَكَذَا وَهُوَ أَعْدَلُ العَادِلِينَ، وَلِأَنَّ الوَلَدَ يَحْتَاجُ لِلْمَالِ أَكْثَرَ لِلإِنْفَاقِ وَتَأْسِيسِ الأُسْرَةِ.

قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ رَحِمَهُ اللهُ : " إِذَا ثَبَتَ هَذَا , فَالتَّسْوِيَةُ المُسْتَحَبَّةُ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ قِسْمَةِ اللهِ تَعَالَى المِيرَاثَ , فَيَجْعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ، وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ , وَشُرَيْحٌ , وَإِسْحَاقُ , وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ . قَالَ شُرَيْحٌ لِرَجُلٍ قَسَمَ مَالَهُ بَيْنَ وَلَدِهِ : ارْدُدْهُمْ إِلَى سِهَامِ اللهِ تَعَالَى وَفَرَائِضِهِ وَقَالَ عَطَاءٌ : مَا كَانُوا يَقْسِمُونَ إِلَّا عَلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى .

  الرَّأْيُ الرَّاجِحُ وَالمُخْتَارُ فَتْوًى

الأَفْضَلُ وَالأَبْرَأُ لِلذِّمَّةِ هُوَ المُسَاوَاةُ المُطْلَقَةُ فِي حَالِ العَطِيَّةِ التَّمْلِيكِيَّةِ فِي الحَيَاةِ، تَأْلِيفًا لِلْقُلُوبِ، بَيْنَ الذُّكُورِ .

أَمَّا الأُنْثَى فَتَأْخُذُ نِصْفَ نَصِيبِ الرَّجُلِ.

العَدْلُ بَيْنَ الأَوْلَادِ فِي الهِبَةِ يَكُونُ عَلَى حَسَبِ قِسْمَةِ المِيرَاثِ، وَهِيَ رُؤْيَةٌ تَنْظُرُ إِلَى "مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ" فِي تَقْدِيرِ الاحْتِيَاجَاتِ وَتَوْزِيعِ الأَعْبَاءِ المَالِيَّةِ.

وَذَلِكَ كَالتَّالِي :

  أَوَّلًا: الِاقْتِدَاءُ بِالقِسْمَةِ الإِلَهِيَّةِ (التَّأَسِّي بِالوَحْيِ)

إِنَّ المُشَرِّعَ الحَكِيمَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُهُمْ، وَقَدْ وَضَعَ مِيزَانًا ثَابِتًا فِي تَوْزِيعِ الأَمْوَالِ بَيْنَ الأَوْلَادِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ.

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى:

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 11].

وَجْهُ الدَّلَالَةِ: إِذَا كَانَ اللهُ قَدِ ارْتَضَى هَذِهِ القِسْمَةَ فِي أَعْظَمِ أَبْوَابِ تَوْزِيعِ المَالِ وَهُوَ "المِيرَاثُ"، فَإِنَّ الِاقْتِدَاءَ بِقِسْمَةِ اللهِ هُوَ أَوْجَبُ الوَاجِبَاتِ وَأَعْدَلُ الأُمُورِ. فَالعَدْلُ لَيْسَ دَائِمًا فِي "المُسَاوَاةِ الرقمية"، بَلْ فِي "المُسَاوَاةِ المقصدية" الَّتِي تُرَاعِي الفَوَارِقَ وَالمَسْؤُولِيَّاتِ.

  ثَانِيًا: قِيَاسُ "العَطِيَّةِ" عَلَى "المِيرَاثُ"

يَرَى هَذَا الِاتِّجَاهُ أَنَّ العَطِيَّةَ فِي الحَيَاةِ وَالمِيرَاثَ بَعْدَ المَوْتِ هُمَا حَالَتَانِ لِجَوْهَرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ انْتِقَالُ المَالِ مِنَ الأُصُولِ إِلَى الفُرُوعِ.

فَالعَطِيَّةُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ هِيَ "تَوْزِيعٌ مُبَكِّرٌ" لِلْمِلْكِيَّةِ، وَالمِيرَاثُ هُوَ "تَوْزِيعٌ حَتْمِيٌّ" لَهَا.

وَبِمَا أَنَّ السَّبَبَ فِي الحَالَتَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ (القَرَابَةُ وَالوِلَادَةُ)، وَجَبَ أَنْ يَتَّحِدَ الحُكْمُ فِي المِقْدَارِ.

 * القِيَاسُ الأُصُولِيُّ: قِيَاسُ العَطِيَّةِ عَلَى المِيرَاثِ هُوَ قِيَاسُ "الأَدْنَى عَلَى الأَعْلَى"؛ فَإِذَا كَانَ الشَّرْعُ قَدْ قَرَّرَ التَّفَاضُلَ فِي الحَالَةِ الَّتِي لَا يَمْلِكُ فِيهَا الإِنْسَانُ التَّصَرُّفَ (بَعْدَ المَوْتِ)، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَتَّبِعَ الإِنْسَانُ نَفْسَ النَّهْجِ فِي حَالِ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّصَرُّفِ (فِي الحَيَاةِ).

  ثَالِثًا: قَاعِدَةُ "المُعَجَّلُ يَأْخُذُ حُكْمَ المُؤَجَّلِ"

هَذَا بُرْهَانٌ عَقْلِيٌّ أُصُولِيٌّ بَارِعٌ، حَيْثُ تُعْتَبَرُ العَطِيَّةِ فِي الحَيَاةِ "اسْتِعْجَالًا" لِمَا سَيَؤُولُ لِلْوَلَدِ حَتْمًا بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِهِ.

 التَّمْثِيلُ بِالعِبَادَاتِ:

  الزَّكَاةُ: إِذَا عَجَّلَ الإِنْسَانُ زَكَاتَهُ قَبْلَ وَقْتِهَا، فَإِنَّهُ يُخْرِجُهَا بِنَفْسِ شُرُوطِهَا وَمَقَادِيرِهَا الوَاجِبَةِ عِنْدَ حُلُولِ الحَوْلِ.

   الكَفَّارَاتُ: إِذَا كَفَّرَ الإِنْسَانُ عَنْ يَمِينِهِ قَبْلَ الحِنْثِ مُعَجَّلًا، فَإِنَّهُ يَلْتَزِمُ بِنَفْسِ الصِّفَةِ المُقَرَّرَةِ شَرْعًا.

التَّطْبِيقُ عَلَى الهِبَةِ: وَبِمَا أَنَّ الهِبَةَ لِلأَوْلَادِ هِيَ فِي حَقِيقَتِهَا تَقْدِيمٌ لِمَا سَيَأْخُذُونَهُ مُسْتَقْبَلًا، فَيَنْبَغِي أَنْ تَخْرُجَ عَلَى نَفْسِ "الصِّفَةِ" وَ"الهَيْئَةِ" الَّتِي قَرَّرَهَا اللهُ لِلْحَقِّ المُؤَجَّلِ (المِيرَاثِ).

  رَابِعًا: فِقْهُ "العِلَّةِ الِاحْتِيَاجِيَّةِ" (مُوَازَنَةُ الأَعْبَاءِ المَالِيَّةِ)

يَنْتَقِلُ الِاسْتِدْلَالُ هُنَا مِنَ النَّصِّ وَالقِيَاسِ إِلَى "التَّعْلِيلِ العَقْلِيِّ" وَمُرَاعَاةِ الوَاقِعِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالمَالِيِّ الَّذِي أَقَرَّهُ الشَّرْعُ لِلرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ.

 تَحْلِيلُ المَسْؤُولِيَّاتِ:

  الذَّكَرُ: هُوَ المُكَلَّفُ شَرْعًا بِتَقْدِيمِ الصَّدَاقِ (المَهْرِ) عِنْدَ الزَّوَاجِ، وَهُوَ المُطَالَبُ بِـ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَهُوَ المَسْؤُولُ عَنْ نَفَقَةِ الأَوْلَادِ وَمَسْكَنِهِمْ، بَلْ وَنَفَقَةِ الأَبَوَيْنِ عِنْدَ عَجْزِهِمَا.

  الأُنْثَى: هِيَ فِي الشَّرِيعَةِ "مَكْفُولَةٌ" لَا "كَافِلَةٌ"؛ تَأْخُذُ الصَّدَاقَ وَلَا تَدْفَعُهُ، وَتَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ أَبِيهَا أَوْ أَخِيهَا، وَمَالُهَا الخَاصُّ مِلْكٌ لَهَا لَا تُجْبَرُ عَلَى الإِنْفَاقِ مِنْهُ.

وَجْهُ الأَوْلَوِيَّةِ: لَمَّا كَانَ الذَّكَرُ أَحْوَجَ لِلْمَالِ لِمُوَاجَهَةِ هَذِهِ الِالْتِزَامَاتِ الجَسِيمَةِ، جَعَلَ اللهُ لَهُ نَصِيبًا أَكْبَرَ. فَالتَّفْضِيلُ هُنَا لَيْسَ لِنَقْصٍ فِي مَكَانَةِ المَرْأَةِ، بَلْ لِزِيَادَةٍ فِي "أَعْبَاءِ الرَّجُلِ".

   خَامِسًا: تَعْدِيَةُ العِلَّةِ مِنَ المِيرَاثِ إِلَى العَطِيَّةِ

خُلَاصَةُ هَذَا البَحْثِ الفِقْهِيِّ أَنَّ "الحَاجَةَ المَالِيَّةَ" المُرْتَبِطَةَ بِـ "التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ" هِيَ عِلَّةُ (سَبَبُ) تَفْضِيلِ الذَّكَرِ فِي المِيرَاثِ.

   القَاعِدَةُ الفِقْهِيَّةُ: "الحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا".

النَّتِيجَةُ: وَبِمَا أَنَّ هَذِهِ العِلَّةَ (الأَعْبَاءُ المَالِيَّةُ لِلرَّجُلُ) مَوْجُودَةٌ فِي حَيَاةِ الأَبِ كَمَا هِيَ مَوْجُودَةٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ العِلَّةَ "تَتَعَدَّى" مِنْ بَابِ المِيرَاثِ لِتَشْمَلَ بَابَ العَطَايَا وَالهِبَاتِ فِي الحَيَاةِ، لِيَظَلَّ النِّظَامُ المَالِيُّ لِلأُسْرَةِ مُتَّسِقًا وَمُنْسَجِمًا مَعَ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ.

«وَلَنَا : أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَسَمَ بَيْنَهُمْ , فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ , وَأَوْلَى مَا اقْتُدِيَ بِقِسْمَةِ اللهِ , وَلِأَنَّ العَطِيَّةَ فِي الحَيَاةِ أَحَدُ حَالَيِ العَطِيَّةِ , فَيُجْعَلُ لِلذَّكَرِ مِنْهَا مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ , كَحَالَةِ المَوْتِ ، يَعْنِي المِيرَاثَ .

   يُحَقِّقُهُ : أَنَّ العَطِيَّةَ اسْتِعْجَالٌ لِمَا يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ , فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَى حَسَبِهِ , كَمَا أَنَّ مُعَجِّلَ الزَّكَاةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا ، يُؤَدِّيهَا عَلَى صِفَةِ أَدَائِهَا بَعْدَ وُجُوبِهَا , وَكَذَلِكَ الكَفَّارَاتُ المُعَجَّلَةُ , وَلِأَنَّ الذَّكَرَ أَحْوَجُ مِنَ الأُنْثَى مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمَا إِذَا تَزَوَّجَا جَمِيعًا فَالصَّدَاقُ وَالنَّفَقَةُ وَنَفَقَةُ الأَوْلَادِ عَلَى الذَّكَرِ , وَالأُنْثَى لَهَا ذَلِكَ , فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّفْضِيلِ ; لِزِيَادَةِ حَاجَتِهِ , وَقَدْ قَسَمَ اللهُ تَعَالَى المِيرَاثَ , فَفَضَّلَ الذَّكَرَ مَقْرُونًا بِهَذَا المَعْنَى ، فَتُعُلِّلَ بِهِ , وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى العَطِيَّةِ فِي الحَيَاةِ "  "المُغْنِي" (5/ 389).

وَالخُلَاصَةُ :

أَيُّهَا الأَبُ، أَوِ الأُمُّ إِنَّ إِعْطَاءَكَ لِلذَّكَرِ ضِعْفَ الأُنْثَى -بِنَاءً عَلَى هَذَا الرَّأْيِ- لَيْسَ ظُلْمًا لِابْنَتِكَ، بَلْ هُوَ وَضْعٌ لِلْمَالِ فِي مَوَاضِعِ الحَاجَةِ الَّتِي قَرَّرَهَا خَالِقُكَ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ القُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَاحْرِصْ حِينَ تَفْعَلُ ذَلِكَ أَنْ تَشْرَحَ لِبَنَاتِكَ بِاللِّينِ وَالحِكْمَةِ أَنَّ هَذَا "اتِّبَاعٌ لِأَمْرِ اللهِ" وَلَيْسَ "انْتِقَاصًا مِنْ قَدْرِهِنَّ"، لِئَلَّا يَجِدَ الشَّيْطَانُ إِلَى صُدُورِهِنَّ سَبِيلًا.

-وَلَوْ فَاضَلَ الأَبُ فِي العَطِيَّةِ ثُمَّ مَاتَ ، لَزِمَ الأَوْلَادَ أَنْ يُصَحِّحُوا القِسْمَةَ ، وَيُقِيمُوا العَدْلَ ، فَيُكَمِّلُونَ نَصِيبَ البَنَاتِ ، لِتَأْخُذَ البِنْتُ نِصْفَ مَا أَخَذَ الذَّكَرُ ، ثُمَّ يَقْسِمُونَ الفَاضِلَ مِنَ التَّرِكَةِ بَعْدَ ذَلِكَ .

 * أَمَّا إِذَا قَصَدَ الأَبُ أَنْ يُوَزِّعَ تَرِكَتَهُ وَهُوَ حَيٌّ لِيَهْرَبَ مِنْ أَحْكَامِ المِيرَاثِ، فَهَذَا "تَحَايُلٌ" غَيْرُ جَائِزٍ شَرْعًا.

 رَابِعًا: مَتَى يَجُوزُ التَّفْضِيلُ بَيْنَ الأَوْلَادِ؟

رَغْمَ وُجُوبِ العَدْلِ، إِلَّا أَنَّ هُنَاكَ حَالَاتٍ اسْتِثْنَائِيَّةً "مُقَدَّرَةً بِقَدْرِهَا" تَسْمَحُ لِلأَبِ بِزِيَادَةِ وَاحِدٍ مِنَ الأَبْنَاءِ:

  وُجُودُ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ مُعْتَبَرٍ

 مِثْلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الأَبْنَاءِ:

  عَاجِزًا عَنِ التَّكَسُّبِ لِمَرَضٍ أَوْ إِعَاقَةٍ.

   أَوْ طَالِبَ عِلْمٍ مُتَفَرِّغًا لَا مَالَ لَهُ.

  أَوْ كَثْرَةَ عِيَالِهِ مَعَ ضِيقِ حَالِهِ وَمَرَضِهِ ، بَيْنَمَا إِخْوَتُهُ أَغْنِيَاءٌ.

  فِي هَذِهِ الحَالَاتِ، التَّفْضِيلُ لَيْسَ ظُلْمًا، بَلْ هُوَ "سَدُّ حَاجَةٍ" وَ"مُوَاسَاةٌ".

   التَّحْذِيرُ مِنْ حِرْمَانِ الوَارِثِ

 يَحْرُمُ شَرْعًا أَنْ يَكْتُبَ الأَبُ مَالَهُ لِأَوْلَادِهِ بِقَصْدِ حِرْمَانِ البَنَاتِ، أَوْ حِرْمَانِ زَوْجَةٍ أُخْرَى، قَالَ تَعَالَى:

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 13].

وَجَاءَ الوَعِيدُ بَعْدَهَا لِمَنْ يَتَعَدَّى هَذِهِ الحُدُودَ:

﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 14].

   خَامِسًا: الآثَارُ المُتَرَتِّبَةُ عَلَى عَدَمِ العَدْلِ (رِسَالَةٌ لِلأَبِ وَالأُمِّ)

 إِنَّ "الكِتَابَةَ" لِبَعْضِ الأَوْلَادِ دُونَ بَعْضٍ دُونَ مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ هِيَ "قُنْبُلَةٌ مَوْقُوتَةٌ" دَاخِلَ الأُسْرَةِ:

  فَسَادُ ذَاتِ البَيْنِ

 يَتَحَوَّلُ الإِخْوَةُ إِلَى أَعْدَاءٍ، وَتُزْرَعُ الشَّحْنَاءُ فِي صُدُورِهِمْ، وَيَكُونُ الأَبُ هُوَ المُتَسَبِّبُ فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ بَعْدَ مَوْتِهِ.

  العُقُوقُ

 المُحَابَاةُ فِي العَطَاءِ تَدْفَعُ المَحْرُومَ إِلَى الشُّعُورِ بِالظُّلْمِ، مِمَّا قَدْ يَدْفَعُهُ لِعُقُوقِ وَالِدَيْهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَضِّلَ وَلَدًا: "أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي البِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَسَوِّ بَيْنَهُمْ".

  خَطَرُ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ

المَالُ زَائِلٌ، وَالوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ حَقٌّ، فَكَيْفَ يُقَابِلُ العَبْدُ رَبَّهُ وَقَدْ ظَلَمَ فَلَذَاتِ كَبِدِهِ؟

﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 88-89].

 

google-playkhamsatmostaqltradent