رِجَالٌ مِن قَرِيتِيِ
الأستاذ المرحوم /محمدمحمود النشرتي
الأستاذ المرحوم /محمدمحمود النشرتي
رجل من قريتي اليوم رجل نادر الوجود قدتحلي بدماثة الخلق والصبر علي الأذي لطالما تطاول عليه البعض وهو يقوم بأعمال الخير .. ولكنه كان متسامحاً يجيد خلق التغافل عن هفوات وأخطأ الأخرين ..
فالتغافل عن هفوات الأخرين لا يجيده ولا
يتقنه إلا الحكيم السعيد
كما يقول ابن الجوزي رحمه الله:"ما يزال التغافل عن الزلات من أرقى شيم الكرام فالناس مجبولون على الزلات والأخطاء فإن أهتم المرء بكل زلة وخطيئة تعب وأتعب غيره والعاقل الذكي من لا يُدقق في كل صغيرة وكبيرة مع أهله وجيرانه وزملائه كي تحلو مُجالسته وتصفو عشرته"
ولهذا قال الأمام أحمد بن حنبل:"تسعة أعشار حُسنُ الخُلق في التغافل"
عرفناه منذ الصغر أنه الأستاذ والمعلم أستاذاً للغة العربية وله مؤلفات فيها "الأستاذ" ألف كتاباً في اللغة العربية اسمه "الاستاذ" وقد رأيت هذا الكتاب وقرأت منه صفحات عندما كنا نتزاور مع نجله الاستاذ وائل وطارق وكان الاستاذ حازم لايزال طفل صغير ..
حصل المرحوم علي بكالوريوس دار العلوم
وهي الكلية العريقة التي أنشأها علي باشا مبارك في 1872. تدرس اللغة العربية، الدراسات الإسلامية، والأدب.و يُعد خريجوها من أبرز المتخصصين في اللغة العربية في مصر والعالم العربي.تعد الكلية معقلاً للدراسات العربية والإسلامية، وتُخرّج سنوياً أجيالاً متخصصة في هذا المجال..
تخرج فيها جهابذة اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وتعمل على إعداد
معلمين متخصصين، وتتواجد في جامعات القاهرة، المنيا، وأسوان. ومن أعلامها الراحلين،
الأستاذ محمد النشرتي الذي تخرج منها قبل بعثته إلي ليبيا ومكث فيها سنوات.
ثم عاد ليعين بمدارس القاهرة وسكن فيها مدة وعمل علي إنشاء بعض المدارس الأهلية
بالقاهرة ولكنه استخار الله أن يعود إلي قريته لينفع أهله فخيركم خيركم لأهله ..
مديراً لمدرسة أبوزيادة الإعدادية
عاد إلي موطنه ومسقط رأسه وسط أهله وأحبابه بقريتنا وتقلد منصب مدير مدرسة
أبوزيادة الإعدادية سنوات طويلة وتخرج من تحت يده أعداد كثيرة هم الآن في مراكز
مرموقة أساتذة جامعات وأطباء وصيادلة ومهندسين ومحامين ومدرسين وكلهم
يذكرونه بكل خير ويترحمون عليه عملاً بقول رسول الله صلي الله عليه وسلم:"
"لا تذكروا موتاكم إلا بخير"وفي رواية:" اذكروا محاسن موتاكم"
بناء المعهد الإبتدائي
أراد الشيخ محمد النشرتي أن ينفع أهل قريته عملاً بقول رسول الله صلي الله عليه وسلم:" خير الناس أنفعهم للناس " فتبرع بقطعة أرض لبناء معهد ديني أزهري إبتدائي ليتعلم فيه أبناء القرية والقري المجاورة وبالفعل تم البناء علي نفقته وجزء علي نفقة من تم تعينهم .
وأذكر أنه قد طلب مني أن أناشد أهل القرية للتعاون في تشطيب المعهد وكان يتبقي بعض التشطيبات ليتم افتتاح المعهد في أواخر ثمانيات القرن الماضي ..
وبالفعل ناشدت الأهالي في خطبة الجمعة وأن يقدم كل منا لنفسه قبل موته وأتذكر أنني قولت في الخطبة الثانية إنك ياأخي لو تبرعت ولو بجزء قليل لبناء معهد ديني يتعلم فيه أبناؤنا "القرأن والحديث والفقه والسيرة والمطالعة" فلك أجر كل طالب وطالبة "وخير الصدقة علي طالب علم" كما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم وسوف يتعلم فيه الكثير وسوف ييسر الله لك الحال واستشهدت بقول الله تعالي :" فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ (7) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ" (الليل) .."
قدم لنفسك ياأخي وأنت مالك مالك من قبل أنت تفني ياأخي ويصبح حالك حالك..
وقابلني بعدها الشيخ محمد وقال لي خلاص تم المراد وانتهينا من المعهد والحمد لله ..
وظل المعهد يؤدي رسالته في تخريج التلاميذ سنوات ..وسنوات ..
بناء المعهد الإعدادي
وذات ليلة ونحن نصلي العشاء بالمسجد الكبير جاءني نجله الأستاذ طارق وقال لي والدي يدعوك لزيارته وعايزك تشرب معه الشاي وذهبنا وعلي ما أذكر كانت ليلة من ليالي الشتاء وجلسنا نتحدث ولم أطلب منه لما أرسلت إلي ولكنه بادرني قال أنت تريد أن تعرف لماذا طلبت منك الحضور؟ فقلت له نعم قال أريد 20عشرين رجلاً من رجالات القرية للجلوس معهم فقلت ولما ؟
قال لي:"أريد أن أكمل المعهد وأبني معهداً إعدادي بجوار المعهد فقلت له ولما هذا العدد من الرجال ؟ فنحن نستطيع البناء بمن سيتم تعينهم ولواحتجنا لمبلغ للتشطيب نناشد الناس دون استدعاءهم كما حدث في المعهد الإبتدائي ..
فقال :" اسمع كلامي أنا لاأريد حاجة من أحد ولاأموال من أحد أريد أن يعرف هؤلاء قيمة العمل الذي يتم وتقدير المجهود الذي يبذل لأننا في قريتنا واحد يبني والباقي يتفرج عليه وليتنا نسلم من كلامهم ومن ألسنتهم ..
وقال لي سأل رجل الإمام أحمد : كيف السبيل إلى السلامة من الناس؟
قال: تعطيهم ولا تأخذ منهم، ويؤذونك ولا
تؤذيهم، وتقضي مصالحهم ولا تكلفهم بشيء.
قال الرجل: إنها صعبة.. فقال - رحمه الله - : وليتك تسلم.. فليتنا نسلم ..
وبالفعل جمعت له عدداً من الرجال علي رأسهم المرحوم الحاج عبدالجيد أبوحليمة والمرحوم الحاج فؤاد النجار والمرحوم /علي محمد زيادة والحاج مصطفي الصباغ والحاج أحمد أبوحسين والحاج /عبدالمنعم أبوهبرة والحاج /عيسي الزغبي والحاج عبدالله خضر والاستاذ محمد عبدالله بليح وعدد من الرجال وجلسنا عنده بالبيت ووضعنا النقاط علي الحروف وعزمنا العزم علي التخصيص والبناء ..
أخبرني الاستاذ أحمد عبدالعزيز زيادة بأن المرحوم هو من اشتري مدخل المدرسة بالبوابة الخارجية الاعدادية من ماله الخاص عندما وجد أن هناك تضييق من الجيران علي المدرسة ..
وقد أخبرني البعض بأنه هو صاحب فكرة إقامة كوبري للمدافن علي بحر نشرت وقد نفذنا هذه الفكرة بعد وفاته عليه رحمة الله ..
وفاته :"
ولكن أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ماتريد ..
ولكن القدر لم يمهله فقد قابل ربه بعد أيام ولقي الله عزوجل ليجازيه بالإحسان إحساناً
وشهد مشهده يوم وفاته جمع غفير وحتي تلاميذ المعهد خرجت لتشيعه إلي مثواه وكما قال الإمام أحمد بن حنبل بيننا وبينكم الجنائز..
أخي المسلم :"
هل انتهي الأمر عند هذا ؟ وهل اكتمل بناء المعهد الإعدادي الأزهري بعد ذلك ؟
نعم شاءت إرادة العلي القديرأن يأخذ هذا الرجل المخلص أجره كاملاً غير منقوص فهو قد علم اجيلاً وساهم في تعليم أجيال وبني معهداً ابتدايء و قد نوي لتكملة البناء معهد إعدادي :" وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء مانوي " وحتي ولم يكتمل البناء في عهده وقدمات وتوفاه الله إليه كان قد أخذ الأجر والثواب .. ويأخذ الأجر والثواب إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها .. فعداد الحسنات للمعهدين يستمر مع كل حرف قرأن ومع كل كلمة تدرس يحصل علي ثوابها وأجرها ..
تدخر له في بنك الحسنات فرع التعليم الديني الأزهري"
وأقول لكم :"
تكرر المشهد مرة ثانية المشهد الذي رويته لك وحدث في أواخر الثمانينات تكرر في بداية الألفية الثانية ونحن نصلي العشاء ويأتي الأستاذ طارق النشرتي نجل المرحوم وبعد الصلاة يقول لي استأذنك أن تزورنا لأن الحاجة والدتي تريد أن تتحدث معك في شيء وذهبت معه وجاءت الحاجة أم طارق وقالت لي إننا سوف نكمل ماأراده الشيخ وسوف نبني المعهد الإعدادي حسب وصيته وإرادة الله ..
وطارق معك من الصبح بالسيارة فقلت لها نحن كنا شرعنا في تخصيص المعهد ولم تكتمل إجراءات التخصيص فقالت طارق معك وسيروا علي بركة الله وبالفعل شرعنا في تكملة بناء المعهد الإعدادي وتم الترخيص وشكلنا لجنة من جميع عائلات القرية وينوب عنهم المرحوم الحاج عبدالجيد والحاج مصطفي الصباغ والحاج أحمد أبوحسين وتم بناء المعهد الإعدادي حتي يشارك الجميع في أجر زكاة العلم وبخاصة العلوم الشرعية .. وخرج هذا المعهد علماء وأعلام من أهالي القرية والقري المجاورة ..
وفاتني أن أقول لك :" بأن المعهد الابتدائي الذي بناه المرحوم الشيخ محمد النشرتي صار صرحاً ممرداً خمسة أدوار ..
وله قصة عجيبة :" ونحن كنا نؤسس للمعهد الإعدادي فحضر المهندس عبدربه أبومتولي من شوغي وكان هو مدير الإدارة الهندسية بالمنطقة الإزهرية بكفرالشيخ وجلس علي ردم المعهدالإعدادي في الأساس وحضر يومها المرحوم الشيخ السعيد الزغبي فلم علم المهندس أنه شيخ المعهد الابتدائي قال له يامولانا رممواالمعهد شوية اسمنت ورمل ومحروا الجدران المرطبة دي .. فقلت له ياباشمهندس والله خسارة الشيكارة الأسمنت لأنه ليس هناك فائدة المبني مرطب ومتهالك ..
فلو تتكرم علينا وأنتم أهل الكرم تدخل المعهد ضمن خطة الترميم أو الإحلال والتجديد مثل ماتفعل الأوقاف بالمساجد نحن أحدثنا تحليل وتجديد في المسجد مرتين..
فصمت قليلاً ثم قال :" سأقول لك شيء فيه منحة كويتية من الكويت للمعاهد وكل مركز سيكون منه معهدين فقط
فقلت له ربنا يكرمك ضع معهد أبوزيادة ضمن الخطة..وانصرفنا..
ومرت الأيام بعده بستة شهور كنا في المنطقة الأزهرية بنخلص أورق للمعهد وقال لي المرحوم المهندس عبدربه متولي أبشر ومبروك معهد أبوزيادة الابتدائي تمت الموافقة عليه ضمن المنحة الكويتية .. فقلت لله الحمد والمنة هذا من فضل الله وتكريما لروح المرحوم الشيخ محمد النشرتي أن يشيد هذا المعهد .. وجزاكم الله عنا كل خير ياباشمهندس ..
فرحمة الله علي من ساهم ومات .. ساهم ولو بكلمة طيبة ساهم ولو بجنيه ساهم ولو بمجهوده وأول هؤلاء مؤسس المعهدين الابتدائي والإعداي المرحوم الشيخ محمد النشرتي والمرحوم المهندس عبدربه متولي والمرحوم عبدالجيد أبوحليمة والمرحوم عيسي الزغبي والمرحوم عبدالله خضر وبارك الله في عمر الأحياء الحاج مصطفي الصباغ والحاج أحمد أبوحسين والحاج محمدعبدالله بليح والحاجة أم طارق النشرتي وأبناء المرحوم الشيخ محمد الأستاذ طارق والأستاذ وائل والأستاذ حازم ..
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل
ومع رجل أخر من رجال قريتي ساهم في فعل الخير وعمل الخير وخير الناس أنفعهم للناس
#انتظرونا