من صور الاحترام احترامُ الوَالدينِ يُطيلُ العُمرِِ
مكارم الأخلاق تعمِّر الديارَ وتزيد في الأعمار
كيف يزيدان العمر ؟
احْتِرَامُ الوَالِدَيْنِ " بَوَّابَةُ الجَنَّةِ المَفْتُوحَةُ "
الحمدلله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد
فياعباد الله :" حديثنا إليكم اليوم عن الاحترام وبخاصة احترام الوالدين واحترام الكبير وتوقيره واحترام المعلم والجيران وغيرهم .
ونخص هنا اليوم احترام الأبوين لأن ذلك فيه فوائد جمة في الدنيا وفي الأخرة
عباد الله:" نحن لا نعيش أزمة أخلاق جزئية، ولا مشكلة سلوك عابرة،
نحن نعيش انهيار قيمة… وحين تسقط القيم، لا تنفع القوانين.
اسأل نفسك بصدق:لماذا كثرت المشكلات؟لماذا ساءت الأخلاق؟ لماذا صار الغضب سيد الموقف؟لماذا أصبح الصوت العالي هو المنتصر؟
الجواب واحد: لأن الاحترام غاب.قال سبحانه وتعالى:"وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا"كلمة جامعة… تشمل اللفظ، والنبرة، والنظرة، والأسلوب.لكن أين نحن من هذا الأمر الرباني؟
انظروا إلى البيوت:أبٌ يُهان ....وأمٌ تُقاطع ....وكلمة "اسكت" تُقال بلا حياء،ونبرة الأمر تُستخدم مع من كان سبب وجودنا بعد الله.
أي قلب هذا؟ .. وأي تربية هذه؟ والله عز وجل يقول :"فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ"
لم يقل: لا تضرب، ولا تشتم،...بل نهى حتى عن أقل كلمة ضيق. . فكيف بمن يرفع صوته؟
كيف بمن يسخر؟ كيف بمن يفضح أسرار البيت خارجه؟
الاحترام لا يُقاس بالعمر فقط، بل يُقاس بالمكانة. ومن فضل بر الوالدين:
زيادة العمر: يمد الله في عمر البار، ويجعله يرزق بأبناء يبرونه كما بر والديه.
فتح أبواب الجنة: يفتح الله للبار بابين من أبواب الجنة، ويُرضيه حتى يرضى عنه الله.
دخول الجنة: من الكبائر التي يمنع دخول الجنة للعاق بها.
احترام الوالدين إجلال الله وتعظيمه
عباد الله:"
قد جعل الإسلام احترام الكبير عموماً والوالدين خصوصاً نوعاً من أنواع إجلال الله وتعظيمه، فعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي
الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ" (أبو داود بسند حسن)
وقوله: “إِنَّ مِن إجلالِ الله” أي: تبجيلهُ وتعظيمهُ، “إكرامُ ذي الشيبةِ المسلمِ”، أي: تعظيمُ الشيخِ الكبيرِ في الإسلامِ بتوقيرهِ في المجالسِ، والرفقِ بهِ، والشفقةِ عليهِ ونحو ذلك، كلُّ هذا مِن كمالِ تعظيمِ اللهِ؛ لحرمتهِ عندَ اللهِ” فمن إجلال الله أن تكرمَ هؤلاء الثلاثة: ذو الشيبةِ من أهل الإسلام، تكرِمه، ترحَم كِبَره، تخاطبه بخطابٍ ليِّن، تقضي حاجتَه، تعينه على نوائِبِ الدنيا، تعرِف له كِبَره ضعفَ قوّته وعجزه عن التصرُّف، فكلُّ هذه الأمور تكون في فِكرِك، فتعامِل ذا الشّيبةِ المعاملةَ الطيّبة، التي تنمّ عن رحمةٍ وأدَب
فِكرِك، فتعامِل ذا الشّيبةِ المعاملةَ الطيّبة، التي تنمّ عن رحمةٍ وأدَب يقولُ الرَّسولُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "إنَّه مَن أُعطِيَ حظَّه مِن الرِّفقِ"، أي: نَصيبَه مِن اللُّطفِ واللِّينِ والسَّماحَةِ في تَعامُلِه مع النَّاسِ، "فقد أُعطِيَ حظَّه مِن خيرِ الدُّنيا والآخرةِ"، أي: الرِّفقُ خيرٌ كلُّه؛ فإنَّ العبْدَ يَرفُقُ بالنَّاسِ في الدُّنيا، فيَرفُقُ اللهُ به في الآخرةِ جزاءً وِفاقًا، "ومَن حُرِمَ حظَّهَ مِن الرِّفقِ"، أي: مُنِعَ نَصيبَه مِن اللُّطفِ واللِّينِ والسَّماحَةِ في تَعامُلِه مع النَّاسِ، "فقد حُرِمَ حظَّه مِن الخيرِ"؛
مكارم الأخلاق تعمِّر الديارَ وتزيد في الأعمار
عباد الله :"
بر الوالدين، والأعمال الصالحة من أعظم القربات، والبر من أسباب طول العمر، والبركة في العمر، كما في الحديث لا يزيد في العمر إلا البر.
فالبر من أسباب طول العمر، وبركته، وفي الحديث الصحيح: من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أجله؛ فليصل رحمه وبر الوالدين من أعظم صلة الرحم، أعظم صلة الرحم، فبر الوالدين وصلة الرحم من أسباب طول العمر، والبركة في العمر. نعم
عَنْ عَائِشَةَ رضيَ اللهُ عنها أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ لَهَا: "إِنَّهُ مَنْ أُعْطِىَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِىَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِى الأَعْمَارِ"(أحمد صحيح الجامع)
وعن وهب بن منبه قال: إن الله تعالى قال: يا موسى! وقر والديك، فإنه من وقر والديه؛ مددت له في عمره عمرًا، ووهبت له ولدًا يبره. ومن عق والديه؛ قصرت عمره، ووهبت له ولدًا يعقه.
وقال كعب: والذي نفسي بيده ! إن الله ليعجل حين العبد إذا كان عاقًا لوالديه ؛ ليعجل له العذاب.وإن الله ليزيد في عمر العبد إذا كان بارًا بوالديه؛ ليزيده برًا وخيرًا.
- وقال أبو بكر بن أبي مريم: قرأت في التوراة: من يضرب أباه يقتل.
- وقال وهب: في التوراة: على من صَكَّ والديه الرجم...."يا موسى وقّر والديك" هي وصية إلهية جاءت في بعض الآثار، وتؤكد على وجوب بر الوالدين واحترامهما وإكرامهما، وتخبر أن جزاء من يفعل ذلك هو طول العمر والبر من الأبناء، بينما من يعق والديه يُعجّل له بالعقوبة في الدنيا وتُقصر حياته. هذه الوصية تحمل معاني عظيمة في الإسلام وتُعد من أهم الواجبات، ويشدد عليها القرآن الكريم والسنة النبوية، فبر الوالدين يأتي بعد عبادة الله مباشرة، وعقوقهما من الكبائر العظيمة.
ماذا تعني "وقّر والديك"؟
التعظيم والاحترام: تقديرهم واحترامهم فوق كل شيء.
الإحسان إليهما: تقديم النفقة والرعاية عند الحاجة، واللطف في المعاملة، وعدم إيذائهما قولاً أو فعلاً.
طاعة الله فيهما: طاعتهما في المعروف، وعدم عصيانهما فيما لا يغضب الله.
كيف يزيدان العمر ؟
عباد الله:" وقول النبي - صلى الله عليه وسلم : صلة الرحم تزيد في العمر ، والله - تبارك وتعالى - يقول : فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، قالوا : فكيف تزيد صلة الرحم في أجل لا يتأخر عنه ولا يتقدم ؟
قال أبو محمد : ونحن نقول : إن الزيادة في العمر تكون بمعنيين :
أحدهما : السعة والزيادة في الرزق وعافية البدن ، وقد قيل : " الفقر هو الموت الأكبر " . وجاء في بعض الحديث : إن الله تعالى أعلم موسى - صلى الله عليه وسلم - أنه يميت عدوه ، ثم رآه بعد يسف الخوص ، فقال : يا رب ، وعدتني أن تميته . قال : قد فعلت قد أفقرته . وقال الشاعر :
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
يعني الفقير .
[ ص: 294 ] فلما جاز أن يسمى الفقر موتا ويجعل نقصا من الحياة ، جاز أن يسمى الغنى حياة ويجعل زيادة في العمر
هل تزيد صلة الرحم في الأجل
ففي الحديث: ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر . رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وحسنه الألباني.
والمراد بالبر الإحسان إلى الوالدين وطاعتهما في المعروف، وتدخل فيه أيضا صلة الأرحام والطاعة؛ كما قال المباركفوري في شرح الترمذي: ومن البر والإحسان أن يبر المسلم والديه ويحسن إليهما ويصل أرحامه ويحسن إليهم.
وقد ثبت في الحديث أن من أسباب طول العمر بر الوالدين وصلة الرحم، وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سره أن يبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه.
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا : إن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأجل .
وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا: صلة الرحم وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار.
والمعنى الآخر أن الله تعالى يكتب أجل عبده عنده مائة سنة ويجعل بنيته وتركيبه وهيئته لتعمير ثمانين سنة ، فإذا وصل رحمه زاد الله تعالى في ذلك التركيب وفي تلك البنية ، ووصل ذلك النقص فعاش عشرين أخرى حتى يبلغ المائة ، وهي الأجل الذي لا مستأخر عنه ولا متقدم
ولذلك؛ فإن من عظمة الإسلام أنه كما اهتمّ بالإنسان صغيراً ووجّه الأسرة والمجتمع إلى رعايته والاهتمام به، فإنه كذلك أمر بحسن رعاية واحترام الكبير في الإسلام مهما كان, أباً أو أماً، قريباً أم بعيداً، جاراً أم صديقاً، أخاً أم عماً أم خالاً, معروفاً أم غريباً، فقال -تعالى- عن الوالدين: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كريمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الإسراء:23-24]، وقد أكدتْ الآياتُ على حقِّ الوالدينِ خصوصًا عندَ الكبرِ؛ ردًّا لبعضِ جميلِ عطائِهِمَا غيرِ المحدودٍ، وشكرًا على تضحياتهِمَا التي لا نظيرَ لهَا، يقولُ الحقُّ سبحانَهُ: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)، وذلك دأبُ الأنبياءِ والمرسلين، فهذا نبيُّ اللهِ (يحيَى) عليهِ السلامُ يقولُ سبحانَهُ في حقِّهِ: {وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا}، ويقولُ تعالَى على لسانِ عيسَى (عليهِ السلامُ): {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)، وقد زارَ نبيُّنَا ﷺ قبرَ أُمِّهِ، فبكَى وأبكَى مَن حولَهُ؛ برًّا بهَا وشوقًا إليهَا.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي وَجْهَ اللهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: “هَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟” قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا وَلَقَدْ تَرَكْتُهُمَا يَبْكِيَانِ قَالَ: “فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللهِ؟” قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: “فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ أَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا وَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا”، وَأَبَى أَنْ يُبَايِعَهُ)) رواه أبو داود والنسائي،
وعَنْ أَبي هريرةَ رضي اللهُ عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ“، قيلَ: مَنْ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: “مَن أدْرَكَ أبَوَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أحَدَهُما، أوْ كِلَيْهِما فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ“. ( مسلم).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "ليس منَّا من لم يوقِّر كبيرَنا، ويرحَم صغيرَنا" رواه أحمد وصححه ابن حبان.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» (الترمذي وحسنه)، أيْ: لَيْسَ عَلَى سُنَّتِنَا، أَوْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ مِنَّا،
وجعلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ للشيبِ قيمةً عظيمة، وأجراً كبيراً؛ فَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: “نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ”، وَقَالَ: “هُوَ نُورُ الْمُؤْمِنِ”، وَقَالَ: “مَا شَابَ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ شَيْبَةً، إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةٌ، وَكُتِبَتْ لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ))رواه أحمد وصححه الأرناؤوط).
ونبيّنا صلى الله عليه وسلم إذا تحدّث عنده اثنان في أمرٍ ما يبدَأ بأكبَرهما بالحديث، ويقول: ((كبِّر كبِّر)) ، يبدأ الأكبرُ قبلَ أن يبدأَ الأصغر. هكذا خلُق الإسلام،.
أيّها المسلم، إنَّ نبيَّنا محمَّدًا صلى الله عليه وسلم حثَّنا على هذا الخلقِ الكريم، ورَغَّبنا فيه، ويبيِّن صلى الله عليه وسلم أنَّ مَن أحسن إلى الكبيرِ في الدنيا هيَّأ الله له المحسِنِ عند كِبَر سنِّه، ورقَّةِ عَظمه ، يقول صلى الله عليه وسلم: ((مَا مِن مسلمٍ يكرِم ذا الشَّيبةِ؛ إلاَّ قيَّض الله له من يكرِمه في سِنِّه)) فإذا أكرمتَ ذا الكِبَر لسنِّه قيَّض الله لك في حياتِكَ من يجازيك بمثلِ ما عمِلتَ، فيكرمُك ويحسِن إليك.
الخطبة الثانية
الحمدلله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد
احْتِرَامُ الوَالِدَيْنِ " بَوَّابَةُ الجَنَّةِ المَفْتُوحَةُ "
عِبَادَ اللهِ.. أَوْلَى النَّاسِ بِالاحْتِرَامِ هُمَا سَبَبُ وُجُودِكَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ؛ الوَالِدَانِ. الإِحْسَانُ إِلَيْهِمَا لَيْسَ فَقَطْ بِتَوْفِيرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، بَلْ بِلِينِ الجَانِبِ وَخَفْضِ الصَّوْتِ. تَأَمَّلُوا هَذِهِ القِصَّةَ العَظِيمَةَ فَهُوَ الفَرِيضَةُ الغَلِيظَةُ، وَهُوَ الفُرْصَةُ الَّتِي لَا يَنْبَغِي التَّفْرِيطُ فِيهَا. فَقَدْ أَظْهَرَ اللهُ التَّقْدِيرَ لَهُمَا حِينَ قَرَنَ تَوْحِيدَهُ بِبِرِّهِمَا، فَقَالَ: "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا".
الاحْتِرَامُ لِلْوَالِدَيْنِ لَيْسَ تَقْبِيلَ اليَدَيْنِ ، وَلَا إِظْهَارَ الإِحْسَانِ لَهُمَا أَمَامَ النَّاسِ فَقَطْ بَلْ هُوَ خَفْضُ الجَنَاحِ، وَالإنْصَاتُ لَهُمَا بِقَلْبٍ حَاضِرٍ، وَتَرْكُ “التَّأَفُّفِ” حَتَّى لَوْ تَكَرَّرَ الكَلَامُ مِئَةَ مَرَّةٍ وَمُعَامَلَتُهُمَا بَعِيداً عَنِ النَّاسِ كَمَا تُعَامِلُهُمَا أَمَامَهُمْ. انْظُرُوا إِلَى هَذَا النَّمُوذَجِ الرَّاقِي فِي الاحْتِرَامِ! لِابْنٍ بَارٍّ يَخَافُ أَنْ يَأْكُلَ مَعَ أُمِّهِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ خَشْيَةَ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ عَلَى طَعَامٍ تَشْتَهِيهِ أُمُّهُ فَيُكْتَبَ لَهُ عُقُوقاً إِنَّهُ لَمْ يَخَفْ مِنْ إِيذَائِهَا بِالقَوْلِ، بَلْ خَافَ أَنْ يَسْبِقَهَا إِلَى لُقْمَةٍ اشْتَهَتْهَا! إِنَّهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (زَيْنُ العَابِدِينَ)، كَانَ بَارًّا جِدًّا بِأُمِّهِ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ لَا يَأْكُلُ مَعَهَا فِي صَحْفَةٍ (إِنَاءٍ) وَاحِدَةٍ! فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ بِأُمِّكَ، وَلَا نَرَاكَ تَأْكُلُ مَعَهَا؟ فَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: “أَخَافُ أَنْ تَنْبَسِطَ يَدِي إِلَى لُقْمَةٍ قَدْ سَبَقَتْ عَيْنُهَا إِلَيْهَا، فَأَكُونَ قَدْ عَقَقْتُهَا!”. هَكَذَا كَانَ حِسُّهُمْ فِي الاحْتِرَامِ، يَخَافُونَ حَتَّى مِنْ سَبْقِ اليَدِ فِي الطَّعَامِ تَوْقِيرًا لِلأُمِّ!
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: ما من مؤمن له أبوان، فيصبح وهو محسن إليهما، إلا فتح الله له بابين إلى الجنة.ولا يسخط عليه واحد منهما، فيرضى الله عنه حتى يرضى.قيل: وإن كان ظالمًا؟ قال: وإن كان ظالمًا.