من صور الاحترام احْتِرَامُ العُلَمَاءِ
وَالمُعَلِّمِينَ
لَا تَنْهَضُ أُمَّةٌ لَا تُقَدِّرُ عُلَمَاءَهَا وَمُعَلِّمِيهَا.
أهمية احترام العلماء، والتحذير من انتقاصهم
الحمدلله والصلاة والسلام علي رسول الله أمابعد
لَا تَنْهَضُ أُمَّةٌ لَا تُقَدِّرُ عُلَمَاءَهَا وَمُعَلِّمِيهَا.
عباد الله :"
المُعَلِّمُ هُوَ وَارِثُ عِلْمِ الأَنْبِيَاءِ، وَالاحْتِرَامُ لَهُ وَاجِبٌ. كَانَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: “كُنْتُ أَتَصَفَّحُ الوَرَقَ بَيْنَ يَدَيْ مَالِكٍ (شَيْخِهِ) تَصَفُّحاً رَقِيقاً هَيْبَةً لَهُ، لِئَلَّا يَسْمَعَ وَقْعَهَا!”. فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذَا؟ أَيْنَ أَبْنَاؤُنَا الذِينَ رُبَّمَا رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ عَلَى مُعَلِّمِيهِمْ؟ يَقُولُ أَمِيرُ الشُّعَرَاءِ:
قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلَا … كَادَ المُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَا
أَعَلِمْتَ أَشْرَفَ أَوْ أَجَلَّ مِنَ الَّذِي … يَبْنِي وَيُنْشِئُ أَنْفُساً وَعُقُولَا
احترام العلماء وتوقيرهم واجب شرعي وأخلاقي، دليل على إجلال الله وتعظيم شعائره، لأنهم ورثة الأنبياء وحملة العلم، ويظهر ذلك في إكرامهم وتقديمهم، والتحذير من انتقاصهم أو الطعن فيهم، مع العلم أنهم بشر معصومون من الخطأ، وأن الخطأ لا يقلل من مكانتهم، ويجب التعامل معه بأدب وطلب العلم منهم بتواضع، كما فعل السلف الصالح، فمجالستهم تقويم للسلوك وتزيد الإيمان.
دليل وجوب الاحترام
ورثة الأنبياء: قال النبي ﷺ: «العلماء ورثة الأنبياء» (رواه أحمد).
محبوب إجلال الله: إجلال العلماء من إجلال الله، قال النبي ﷺ: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن».
علامة سلامة الدين: الأمة التي لا تقدر علمائها لديها خلل، فالاحترام دليل على صحة إيمان الأمة وسلامة إسلامها.
أمر نبوي: قال ﷺ: «ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه».
نماذج من السلف
ابن عباس وزيد بن ثابت: ابن عباس يمسك بركاب زيد بن ثابت، ويقول له: "هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا".
مسلم والبخاري: مسلم يقول للبخاري: "دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين".
الإمام الشافعي: الربيع بن سليمان يقول: "ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليّ هيبة له".
العلماء في القرآن والسنة
ولقد رفع الإسلام والقرآن قدر العلماء، وأثنى ربُّنا عليهم في كتابه فقال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}[المجادلة:11]. واستشهد بهم على أعظم مشهود عليه وهو توحيده وإخلاص الدين له: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُواْ الْعِلْمِ قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم}[آل عمران:18]. قال الإمام القرطبي رحمه الله: "في هذه الآية دليلٌ على فضل العلم، وشرف العلماء وفضلهم؛ فإنه لو كان أحدٌ أشرفَ من العلماء، لقَرَنَهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء".
وميزهم الله ورفعهم على غيرهم فقال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}[الزمر:9]. بالطبع لا، فهم أهل الخشية لله: و{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}[فاطر:28].
وكما امتدحهم القرآن، كذلك أثنى عليهم النبي العدنان صلى الله عليه وسلم أعظم ثناء في سنته كما في حديث معاوية رضي الله عنه: (مَنْ يُرِدِ اللّهِ بِهِ خَيْراً يُفَقّهْهُ فِي الدّينِ)، ومن حديث أبي هريرة: (وَمَنْ سَلَكَ طَريقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً، سَهّلَ الله لَهُ طَرِيقاً إِلَى الْجَنّةِ).[رواه أبو داود والترمذي]. ومن حديث أبي أمامة رضي الله عنه: (فَضْلُ الْعَالِمَ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ)، و قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (إِنّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتّى النّمْلَةَ في جُحْرِهَا وَحَتّى الْحُوتَ لَيُصَلّونَ عَلَى مُعَلّمِ النّاسِ الْخَيْرَ)[رواه الترمذي، وصححه الألباني]. وفي سنن أبي داود والترمذي عن سيدنا النبي قال: (العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به، فقد أخذ بحظ وافر).
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهمُ .... .. على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه .. .. .. والجاهلون لأهل العلم أعداء
ففز بعلم تعـش حيــا بــه أبدا .. .. .. الناس موتى وأهل العلم أحياء
وقال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين": "العلماء هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء؛ بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجةُ الناس إليهم أعظمُ من حاجتهم إلى الطعام والشراب".
العلماء أولياء الله
ولكل هذا الفضل وتلك المكانة كان العلماء أحق الناس بأن يكونوا أولياء الله .
قال الإمام أبو حنيفة: إن لم يكن الفقهاء أولياء الله فليس لله وليّ.
وقال الشافعي: إن لم يكن الفقهاء أولياء الله في الآخرة فما لله وليّ.
وقال عكرمة رضي الله عنه: "إياكم أن تؤذوا أحداً من العلماء؛ فإن من آذى عالماً فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقال عبيدالله بن جعفر: "العلماء منار البلاد منهم يقتبس النور الذي يهتدى به".
توقير العلماء ومعرفة حقهم
لذلك كان من الواجب على جميع المسلمين توقير العلماء، واحترامهم، وإكرامهم، ومعرفة قدرهم وحقوقهم، وإنزالهم منازلهم، والتأدب معهم في جميع شؤونهم، كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ"( أحمد، وحسنه الألباني).
إن توقير العلماء من إجلال الله تعالى وتعظيمِ شريعته، وامتثالِ أمره، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ)(رواه أبو داود، وحسَّنه الألباني). وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (أمَرَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم)(رواه أبو داود والبزار).
ولهذا كان من أصول أهل السنة ومنهج السلف احترام العلماء وتوقير الفقهاء، والتأدب معهم غاية الأدب، فإن الجناية عليهم خرق في الدين، قال الإمام الطحاوي: "وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يُذكَرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل".
ولا يزال أهل العلم - قديماً وحديثاً - يؤكدون على التأدب مع العلماء والسمع لهم؛ أخرج عبدالرزاق في مصنفه عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه طاووس، قال: "من السنة أن يوقر أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسلطان، والوالد".
وعن الشعبي قال: صلّى زيد بن ثابت على جنازة، ثم قربت له بغلة ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال له زيد: خل عنك يا ابن عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم. فقال ابن عباس: هكذا يفعل بالعلماء والكبراء.
وفي رواية عنه قال: أمسك ابن عباس بركاب زيد بن ثابت فقال: أتمسك لي وأنت ابن عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم؟ قال: إنا هكذا نصنع بالعلماء.
وقال خلف: جاءني أحمد بن حنبل يسمع حديث أبي عوانة؛ فاجتهدت أن أرفعه فأبى، وقال: لا أجلس إلا بين يديك، أُمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه.
عبيد الله بن عمر قال: كان يحيى بن سعيد يحدثنا فيَسِحُّ علينا مثل اللؤلؤ، وإذا طلع ربيعة قطع حديثه إجلالاً لربيعة وإعظاماً،(تهذيب الكمال:31/ 353)
ويقول أبو زرعة الرازي: "كنت عند أحمد بن حنبل، فذُكِر إبراهيم بن طهمان، وكان متكئاً من علة، فجلس، وقال: لا ينبغي أن يُذكر الصالحون فيُتكأ"(السير:7/381).
وهذا باب يطول ذكره، وقد كان تعظيم العلماء فاشيا في القديم، وقد قل هذا الأدب في زماننا، وحل محله الطعن في الأكابر، والحط من أقدار الدعاة والعلماء.. وهي والله بلية من البلايا، فإياك أن تكون من أهلها فإن الوقوع فيهم من أكبر الذنوب وفاعله لا يفلح أبدًا إلا أن يتوب.
قال ابن المبارك: من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته.
قال ابن الأذرعي: الوقيعة في أهل العلم ـ لا سيما أكابرهم ـ من كبائر الذنوب.
وقال الحسن بن ذكوان لرجلٍ تكلم عنده على أحد العلماء: مه.. لا تذكر العلماء بشيء فيميت الله قلبك.
وما أجمل قول ابن عساكر بعد هذه الأقوال الجميلة: "واعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب.{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(النور:63)..
أهمية احترام العلماء، والتحذير من انتقاصهم
التحذير من انتقاصهم
لحوم العلماء مسمومة: قال ابن عساكر: "لحوم العلماء رحمة الله عليهم مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة".
موت القلب: إطلاق اللسان في العلماء بالسب قد يؤدي إلى موت القلب.
الوقوع في فتن: الطعن في العلماء قد يوقع صاحبه في فتنة أو عذاب أليم.
آداب التعامل مع العلماء
التواضع: مجالستهم بتواضع، والبدء بالسلام وتلطف السؤال.
عدم الاعتراض: عدم المبادرة بالاعتراض قبل التوثق، والتركيز على الاستفادة.
طلب العلم: سؤالهم للعلم، ومجالستهم للسعادة وتقويم السلوك.
التمس العذر: التماس العذر لهم إذا أخطأوا، فهم بشر وليسوا معصومين
للعلماء في شريعتنا منزلة سامية منيعة، ومكانة عالية رفيعة، "فالعلماء هم خلفاء الرسول في أمته، وورثة النبي في حكمته، والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا.. يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله الموتى، ويبصِّرون بنور الله أهلَ العمى، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيَوْه، وكم من ضالٍّ تائهٍ قد هَدَوْه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم"! (مقتبس من كلام الإمام أحمد).
والعلماء هم حراس الدين من الابتداع والتزييف، وحماته من التخريف والتشويه والتحريف؛ وهم العدول الذين يحملون هذا العلم من كل خلف، ينفون عن كتاب الله تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين.. قيضهم الله لحفظ الدين، وصيانة الملة، ولولا ذلك لبطلت الشريعة، وتعطلت أحكامها، وهم في كل زمان الأصل في أهل الحل والعقد، وهم المعنيون مع الأمراء في قوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وَأَولي الأمر منكم}[النساء:59].
للعلماء مكانتهم الجليلة التي تتطلب احترامهم وتقديرهم، فهم حملة لواء العلم الشرعي، ومن يتكلم عن العلماء الذين عرفوا بالتقوى وبذل العلم، ويتعرض لهم بالغيبة وغيرها، فإنه يقع في المنهيات التالية:
الوقوع في السخرية المنهي عنها
قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ "[الحجرات: 11].
فمن يطعن في العلماء فقد استجلب لنفسه رديء الأوصاف، واتَّصف بأنه لَمَّاز، وظالم، يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره: 3 /402: "ينهى الله تعالى عن السخرية بالناس وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، وهذا حرام، فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرًا عند الله تعالى، وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له".
الوقوع في النميمة:
الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن عبدالرحمن بن غنم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة، الباغونَ للبرآءِ[1] العنتَ[2].
أنه متعرض لاستجابة دعوة العالِمِ المظلوم عليه:
فدعوة المظلوم ولو كان فاسقًا ليس بينها وبين الله حجاب، فكيف بدعوة العالم؟
قال الإمام الحافظ أبو العباس الحسن بن سفيان لمن أثقل عليه: "يا هذا، قد احتملتك وأنا ابن تسعين سنة، فاتَّق الله في المشايخ، فربما استُجيبت فيك دعوة؛ (سير أعلام النبلاء: 14 /159).
الطاعن في العلماء لم يعرف حقهم:
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس من أمتي - وفي رواية: ليس منا من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويَرْحَم صغيرنا، ويعرف لِعَالِمنَا حقَّه"؛ (أحمد والحاكم صحيح الجامع ).
من يفعل ذلك فإنه لا يجلُّ حملة القرآن:
فقد أخرج أبو داود عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ من إجلال الله: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن، غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط"؛ (صحيح الجامع: 2199). ومفهوم المخالفة للحديث أن من وقع في هؤلاء وأنتقض من حقهم، فهو غير معظم لله وغير مجلٍّ له، ومن لم يجل الله تعالي، فهو مطرود، مخذول، محروم، معاقب.
أنه يسنُّ سنة سيئة:
الخائض في أعراض العلماء ظلمًا وعدوًا إن حُمل عنه ذلك، واقتُدِي به فيه، فقد سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزرُ من عمِل بها إلى يوم القيامة، والدال على الشر كفاعله، والسعيد من إذا مات ماتت معه سيئاته؛ قال تعالى: ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَاَرَهُمْ ﴾ [يس: 12]، وصدق القائل حيث قال:
وما من كاتب إلا سيلقى
غداة الحشر ما كتبت يداهُ
فلا تكتب بكفك غير شيء
يسرك في القيامة أن تراهُ
أنه معرض لموت القلب:
يقول مخلد رحمه الله: "حدثنا بعض
أصحابنا قال: "ذكرت يومًا عند الحسن بن ذكوان رجلًا بشيء، فقال: "مَهْ،
لا تذكر العلماء بشيء، فيميت الله قلبك".
ويقول ابن عساكر رحمه الله: "ومَن أطلق لسانه في العلماء بالثلْب؛ ابتلاه الله قبل موته بموت القلب: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63].
ومن مخاطر الطعن في العلماء:
أن القدح بالحامل يفضي إلى القدح بما يحمله من الشرع والدين:
ولما استهزأ أحد المنافقين بالصحابة رضي الله عنهم قائلًا: "ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب حديثًا، ولا أجبن عند اللقاء"، أنزل الله تعالى:"وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ"(التوبة: 65، 66-انظر تفسير الطبري: 14 /333).
التسبب إلى تعطيل الانتفاع بعلمهم:
فكيف يستبيح قوم إطلاق ألسنتهم في ورثة الأنبياء الداعين إلى الله عز وجل؟ والذين قال عنهم رب العالمين في كتابه الكريم: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33].
وقد مر بنا قول الإمام السخاوي رحمه
الله؛ حيث قال: "إنما الناس بشيوخهم، فإذا ذهب الشيوخ فمع من العيش؟!"؛
(فتح المغيث: 2 /320).