فخريات الإسراء والمعراج (5)
من الشهود إلى الأدب: كمال القرب المحمّدي في آيات المعراج
عند سدرة المنتهى: ذروة القرب وجمال العبودية
رؤية بلا زيغ وقرب بلا طغيان: أسرار المقام المحمّدي
يقول الحق (جل
جلاله): ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ
الْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ
الْمَأْوَىٰ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ مَا
زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ
رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾
هذه الآيات من
سورة النجم تؤكد حقيقة الرؤية النبوية في المعراج، وتقطع مادة الشك، وتبيّن أن ما
وقع كان شهودًا حقيقيًّا في أعلى مقامات القرب. كما تُظهر كمال الأدب المحمّدي؛ إذ
رأى النبي ﷺ آيات ربّه الكبرى دون زيغٍ أو طغيان، فاجتمع له شرف القرب مع تمام
العبودية، وكان ذلك ذروة الاصطفاء وكمال المقام.
﴿وَلَقَدْ
رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، تبدأ الآيات بترقٍّ في الحُجّة وارتقاءٍ في البيان،
لتغلق أبواب التردّد والشك.
فإن دار الجدل
حول الرؤية الأولى، فإن هذه الآية تقطع النزاع بإثبات رؤيةٍ ثانية، أتمّ وأعلى، لا
في أفق الحسّ الأرضي، بل في فضاء العالم العلوي، حيث تتجلّى الحقائق على ما هي
عليه بلا حجاب ولا التباس.
وجاء التعبير
بـ ﴿نَزْلَة﴾ ليشير إلى نزول مخصوص، معيَّن، متفرّد في وقته ومقامه، لا يُشبه ما
سبقه، ولا يُقاس عليه، بل هو مشهد إلهي فريد، لا يُستعاد ولا يُكرَّر.
ثم يقول
سبحانه: ﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾، فتحدّد الآية مكان هذا الشهود، لتربطه
بأعلى مواضع الكون رتبةً وقدرًا.
فـ سدرة
المنتهى هي الحدّ الفاصل الذي جعله الله نهايةً للخلق:
تنتهي عنده معارف الملائكة.
ويتوقّف عنده العروج.
ولا يتجاوزه مخلوق إلا بإذنٍ خاصٍّ وتشريفٍ
فريد.
إنها نقطة الانتهاء لكل سائر، وبداية
التفرّد للمصطفى ﷺ.
ثم قال تعالى:
﴿عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾، والمعنى: لما كان هذا المقام نهاية السير، قرن
الله به المأوى؛ فهو مستقرّ القرب، وغاية الرحلة، وموطن الأرواح الزكيّة إذا بلغت
كمال صفائها.
فمن انتهى إلى
هذا المقام، فقد بلغ الغاية، ولا يبقى بعده إلا فيض الفضل الإلهي المحض، الذي لا
يُنال بكسب، بل يُوهَب باصطفاء.
ثم يجيء هذا
الأسلوب العجيب في الإبهام، لا للإخفاء، بل للتفخيم والتعظيم.﴿إِذْ يَغْشَى
السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾
أي: يغشى
السدرة من أنوار الجلال، وأسرار القرب، وتجليات العظمة، ما تعجز العبارة عن وصفه،
وتقف اللغة أمامه حيـراء.
هو مقام يُشهد
ولا يُحدّ، ويُذاق ولا يُقال، إذ تضيق الألفاظ عن حمل ما يتنزّل فيه من الأسرار.
وفي ذروة هذا
الشهود، يتجلّى كمال الأدب المحمّدي.
قال
تعالى:﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾
فلم يمل بصره ﷺ
إلى غير ما أُذن له فيه، ولم يتجاوز حدّ العبودية، ولم يطلب مقامًا لم يُؤذن له به.
ثبت بصره ﷺ
حيث أُقيم، فاجتمع له كمال الرؤية مع كمال الخضوع، وتمام القرب مع تمام الأدب، وهو
ذروة العبودية في أسمى المقامات.
وتُختم الآيات
بتذييلٍ جامعٍ حاسم، يضع المشهد في سياقه العقدي واليقيني.، قال تعالى: ﴿لَقَدْ
رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾،
فما كان الذي
رآه ﷺ مجرّد مشاهدة عابرة، بل شهودًا لآياتٍ كبرى من دلائل الربوبية، تزيده رفعةً
وتشريفًا، وتؤكّد أن ما رآه حقٌّ ثابت، ووحيٌ صادق، وكرامةٌ إلهية، لا مجال فيها
للريب ولا موضع للجدال.
فتأمل يا
صديقي العزيز هذا الخيط الجامع بين الآيات السابقة بهذا النسق البديع، حيث ترسم
الآيات مسار المعراج من إثبات الرؤية، إلى تحديد المقام، إلى بيان الغاية، إلى وصف
التجلي، ثم إظهار الأدب، وختم ذلك بإثبات الحقيقة الكبرى.
فتجتثّ هذه
الآيات مادة الشك من أصلها، وتؤسّس لحقيقة الرؤية النبوية، وتقرّر أن المعراج
انتقالٌ شهوديٌّ حقيقي، وتُظهر مقام النبي ﷺ في أعلى مراتب القرب، مع تمام
العبودية وكمال الأدب.
فهو ﷺ:
رأى… فلم يطغَ.
وشهد… فلم يزغ.
وقُرِّب… فلم يتجاوز.
وذلك هو سرّ
الكمال المحمّدي:
قربٌ لا يُنسي
العبودية، واصطفاءٌ لا يُسقط الأدب، ورفعةٌ يزداد معها الخضوع كلما ازداد القرب.
اللهم صل على
نور الأنوار
انتظرونا غدا
في فخرية جديدة عن الإسراء والمعراج
أسامة_فخري_الجندي