فخريات الإسراء والمعراج (4)
يقين الرؤية وعصمة الإدراك النبوي
تأمل معي يا صديقي العزيز هذه الآيات
القرآنية التي لا تناقش حدثًا عابرًا، ولا تثبت مجرد رؤية حسية، وإنما تؤسس لمبدأٍ
عظيم ، هو عصمة الإدراك النبوي فيما رآه في الإسراء والمعراج.
يقول تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ
مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾
هذه الآيات تحمل بيانًا قرآنيًّا
رصينًا يغلق منافذ الشك.
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، أي لم
تكن الرؤية التي وقعت للنبي ﷺ ضربًا من الوهم، ولا خيالًا عابرًا، ولا صورةً
التبست على الحس، بل كانت رؤيةً حقّةً صادقة، تحقق فيها الانسجام الكامل بين العين
والفؤاد، وبين البصر والبصيرة.
لقد رأى رسول الله ﷺ رؤيةً صريحة،
فوافق فؤاده ما رأته عيناه، فلم يلتبس عليه الحق، ولم يتسلل إليه وهم، ولم يعرض له
تخييل؛ إذ إن القلب إذا تطهّر صفا الإدراك، وإذا اصطفاه الله أيّده باليقين، فلا
يزلّ ولا يضطرب.
إن هذه الآية الكريمة إذن هي تقريرٌ
قرآنيٌّ جليٌّ لعصمة الإدراك النبوي ؛ فلا كذب في الحس، ولا خطأ في الفهم، ولا
اضطراب في القلب.
لقد اختار القرآن الكريم لفظ الفؤاد لا
القلب؛ لأن الفؤاد في كتب اللغة والمعاجم هو موضع الوعي المتقد، والإدراك الحي،
والانفعال الصادق، وهي معانٍ ملازمة للصدق والحق، منزهة عن التخيل والوهم
والاضطراب.
وكأن المعنى: إن هذا الإدراك النبوي
كان إدراكًا كامل الوعي، حاضر الشعور، بعيدًا عن الغيبة أو الغشية أو التخييل.
وعلى هذا يُفهم قوله تعالى: ﴿مَا
كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ على أنه نفيٌ قاطع لكل صورة من صور الوهم أو التلبيس
الحسي أو الخطأ في الإدراك؛ إذ إن الكذب هنا بمعنى التخيل أو الاشتباه، وهو منفيٌّ
بالكلية. فما رآه النبي ﷺ رؤية حق، شهد لها البصر وصدقها الفؤاد في آنٍ واحد.
ثم يعقب الحق سبحانه ذلك باستفهام
إنكاري في قوله:
﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَى﴾؛ أي
أتجادلونه وتخاصمونه في أمرٍ رآه رؤية عيان، بعدما جحدتم ما بلّغكم به عن ربكم؟!
فهذا الاستفهام ليس طلبًا للجواب،
وإنما هو زجرٌ وتوبيخ، وتعجيب من حال المكذبين: أفتخاصمونه في أمرٍ شاهده مشاهدةً
مباشرة، كما خاصمتموه في الوحي الذي نقله إليكم عن الله؟
إنها مفارقة كاشفة: إذا كنتم قد كذّبتم
الوحي حين جاءكم خبرًا، أفيمكن أن تكذّبوا الرؤية حين وقعت مشاهدةً أمام عينيه؟!
وهكذا تقيم الآية الحجة على المشركين
من وجهين متكاملين: حجة الصدق فيما بلّغه عن ربه نقلًا، وحجة اليقين فيما رآه
بنفسه مشاهدة، فتغلق باب الشبهة، ولا تترك مجالًا لإنكار بعد هذا البيان.
اللهم صل على نور الأنوار.
انتظرونا غدا في فخرية جديدة عن
الإسراء والمعراج