recent
أخبار عاجلة

خُطْبَةُ الجمعة المهن في الإسلام طريق العمران والإيمان معاً الشيخ أحمد المراكبي

المهن في الإسلام طريق العمران والإيمان معاً


​الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ عِمَارَةَ الكَوْنِ عِبَادَةً وَسُلُوكًا، وَصَيَّرَ السَّعْيَ فِي عِمَارَةِ الأَرْضِ طَاعَةً وَمَنْسَكًا، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ جَعَلَ لَنَا مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ بَابًا مَفْتُوحًا، وَمِنْ سُبُلِ الخَيْرِ نَهْجًا مَسْلُوكًا.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ لَنَا مِنْ آيَاتِهِ فِي الآفَاقِ مَوْعِظَةً وَتَذْكِيرًا، وَقَدَّرَ المَقَادِيرَ فِي مَلَكُوتِهِ خَلْقًا وَتَدْبِيرًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، كَانَ فِي العَمَلِ وَالإِتْقَانِ قُدْوَةً وَتَنْوِيرًا، وَعَلَى نَهْجِ الصَّلَاحِ وَالعَمَلِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ شَيَّدُوا فِي العَالَمِينَ مَجْدًا مَبْرُوكًا.

​أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ تَقْوَاهُ هِيَ الزَّادُ الَّذِي يُبَلِّغُ رِضْوَانًا، وَهِيَ الحِصْنُ الَّذِي يَمْنَحُ العَبْدَ أَمْنًا وَأَمَانًا.

فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَصَوَّرَكُمْ إِحْسَانًا، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ مِنْ وَافِرِ عَطَائِهِ امْتِنَانًا، فَاجْعَلُوا التَّقْوَى لَكُمْ شِعَارًا وَدِثَارًا، وَلِأَعْمَالِكُمْ قِوَامًا وَمَنَارًا؛ فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَجَعَلَ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ عُسْرٍ فَرَجًا.

​ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ:

إِنَّ عِمْرَانَ الأَرْضِ بِالعَمَلِ فِي المِهَنِ، وَالحِرَفِ، وَالصِّنَاعَاتِ مَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الدِّينِ، بَلْ هُوَ ثُلُثُ مَقَاصِدِ الدِّينِ، فَالْعُمْرَانُ لِلأَرْضِ لَيْسَ شَأْنًا هَامِشِيًّا، وَلَا خَارِجِيًّا بَعِيدًا عَنِ الدِّينِ الإِسْلَامِيِّ، بَلْ هُوَ رُكْنٌ أَصِيلٌ مِنْهُ، فَاللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) خَلَقَنَا لِحِكَمٍ ثَلَاثَةٍ:

​أَوَّلُهَا: العِبَادَةُ، الَّتِي تُقَوِّي صِلَتَنَا بِالحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَصَدَقَ اللهُ إِذْ يَقُولُ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56-58].

​ثَانِيُهَا: خِلَافَةُ الحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الأَرْضِ، وَصَدَقَ اللهُ إِذْ يَقُولُ: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]، أَيْ: خَلِيفَةُ اللهِ فِي أَرْضِهِ لِإِقَامَةِ أَحْكَامِهِ، وَأَوَامِرِهِ، وَتَنْفِيذِ قَضَايَاهُ، وَوَصَايَاهُ. (تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ بِتَصَرُّفٍ).

​ثَالِثُهَا: عِمَارَةُ (عُمْرَانُ) الأَرْضِ، بِالْمِهَنِ، وَالحِرَفِ، وَالصِّنَاعَاتِ؛ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مُتَحَدِّثًا عَنْ لِسَانِ نَبِيِّهِ صَالِحٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، أَيْ: طَلَبَ مِنْكُمْ عِمَارَتَهَا، وَاسْتِخْرَاجَ كُنُوزِهَا وَخَيْرَاتِهَا، وَإِحْيَاءَ مَوَاتِهَا.

​عِبَادَ اللهِ:

لَقَدْ أَشَارَ القُرْآنُ الكَرِيمُ إِلَى العَدِيدِ مِنَ المِهَنِ وَالحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ؛ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ: التَّشْيِيدُ وَالبِنَاءُ، وَمِمَّنْ عُرِفَ بِذَلِكَ نَبِيُّ اللهِ إِبْرَاهِيمُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَقَدْ قَامَ بِبِنَاءِ الكَعْبَةِ بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ، وَعَاوَنَهُ فِي بِنَائِهَا وَلَدُهُ نَبِيُّ اللهِ إِسْمَاعِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127].

​وَمِنْهَا: الحِدَادَةُ وَنَفْخُ الكِيرِ: وَتَعْنِي صِنَاعَةَ الأَشْيَاءِ النَّافِعَةِ وَالجَمِيلَةِ وَالأَسْلِحَةِ الحَرْبِيَّةِ، مِنَ الحَدِيدِ المُطَاوِعِ أَوِ الصُّلْبِ عَنْ طَرِيقِ تَشْكِيلِهِ بِاسْتِخْدَامِ أَدَوَاتِ الطَّرْقِ وَاللَّيِّ وَالقَطْعِ وَالتَّسْخِينِ، وَمِمَّنْ عُرِفَ بِذَلِكَ نَبِيُّ اللهِ دَاوُدُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَقَدْ كَانَ حَدَّادًا يَصْنَعُ الدُّرُوعَ، حَتَّى قَالَ رَبُّنَا عَنْهُ: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 79-80].

​عِبَادَ اللهِ:

إِنَّ العَمَلَ لَا يَنْفَكُّ فِي التَّصَوُّرِ الإِسْلَامِيِّ عَنِ العِبَادَةِ، بَلْ يُعَدُّ أَحَدَ صُوَرِهَا العُظْمَى وَمَجَالَاتِهَا الرَّحْبَةِ؛ إِذْ لَا يَقْتَصِرُ مَفْهُومُ العِبَادَةِ عَلَى الشَّعَائِرِ التَّعَبُّدِيَّةِ المَحْضَةِ، وَإِنَّمَا يَشْمَلُ كُلَّ جُهْدٍ نَافِعٍ يُبْذَلُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ، وَيُؤَدَّى فِي إِطَارٍ مِنَ القِيَمِ وَالضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ، فَالعَمَلُ فِي الإِسْلَامِ لَيْسَ حَرَكَةً مَادِّيَّةً مُجَرَّدَةً، بَلْ فِعْلٌ مَقْصُودٌ تَتَجَلَّى فِيهِ مَعَانِي الإِيمَانِ، وَتَتَحَقَّقُ بِهِ حَقِيقَةُ الِاسْتِخْلَافِ فِي الأَرْضِ، وَيَقُومُ عَلَيْهِ عِمْرَانُ الكَوْنِ وَصَلَاحُ الحَيَاةِ.

​وَقَدْ قَرَّرَ القُرْآنُ الكَرِيمُ هَذَا المَعْنَى حِينَ رَبَطَ بَيْنَ الخَلْقِ وَالعَمَلِ وَالِاسْتِخْلَافِ، فَقَالَ تَعَالَى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، أَيْ طَلَبَ مِنْكُمْ عِمَارَتَهَا، وَجَعَلَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا شَرْعِيًّا وَمَسْؤُولِيَّةً حَضَارِيَّةً، لَا مُجَرَّدَ خِيَارٍ دُنْيَوِيٍّ. كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ} [التوبة: 105]، فَجَعَلَ العَمَلَ مَرْصُودًا بِنَظَرِ اللهِ، وَمَحْكُومًا بِرَقَابَتِهِ، وَمَحَلًّا لِلثَّوَابِ وَالمُحَاسَبَةِ.

​وَقَدْ سَاوَى القُرْآنُ بَيْنَ السَّعْيِ فِي الأَرْضِ وَالعَمَلِ وَبَيْنَ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل: 20]، قَالَ القُرْطُبِيُّ: "سَوَّى اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ دَرَجَةِ المُجَاهِدِينَ وَالمُكْتَسِبِينَ المَالَ الحَلَالَ لِلنَّفَقَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، وَالإِحْسَانِ وَالإِفْضَالِ، فَكَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ كَسْبَ المَالِ بِمَنْزِلَةِ الجِهَادِ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَهُ مَعَ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ".

​وَجَاءَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ لِتُؤَكِّدَ هَذَا الِارْتِبَاطَ الوَثِيقَ بَيْنَ العَمَلِ وَالعِبَادَةِ، فَمَدَحَتِ الكَسْبَ الحَلَالَ، وَرَفَعَتْ مِنْ شَأْنِ السَّاعِي عَلَى رِزْقِهِ وَأَهْلِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ).

​وَمِنْ هَذَا المَنْظُورِ، يُصْبِحُ العَمَلُ الصَّادِقُ عِبَادَةً مُتَعَدِّيَةَ النَّفْعِ، لَا يَقْتَصِرُ أَثَرُهَا عَلَى صَاحِبِهَا، بَلْ يَتَجَاوَزُ إِلَى المُجْتَمَعِ بِأَسْرِهِ؛ إِذْ بِهِ تُسَدُّ الحَاجَاتُ، وَتُصَانُ الكَرَامَاتُ، وَتُبْنَى الأَوْطَانُ، وَتَتَحَقَّقُ مَقَاصِدُ الشَّرِيعَةِ فِي حِفْظِ الدِّينِ وَالنَّفْسِ وَالعَقْلِ وَالمَالِ وَالعِرْضِ. كَمَا يَتَحَوَّلُ السَّعْيُ المِهْنِيُّ إِلَى وَسِيلَةِ تَزْكِيَةٍ لِلنَّفْسِ، وَتَرْسِيخٍ لِمَعَانِي الأَمَانَةِ، وَالإِتْقَانِ، وَالمَسْؤُولِيَّةِ.

​وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ الإِسْلَامَ يُحَرِّرُ العَمَلَ مِنْ كَوْنِهِ مُجَرَّدَ وَسِيلَةٍ لِلْكَسْبِ أَوِ الِارْتِزَاقِ، وَيَرْفَعُهُ إِلَى مَنْزِلَةِ الرِّسَالَةِ وَالعِبَادَةِ، مَتَى صَلُحَتِ النِّيَّةُ، وَاسْتُوفِيَتِ الشُّرُوطُ، وَالْتُزِمَ فِيهِ بِأَسَاسِيَّاتِ المِهَنِ.

​وَمِنْ أَسَاسِ العَمَلِ: الإِتْقَانُ:

فَهُوَ الأَسَاسُ الأَوَّلُ، وَيُمَثِّلُ جَوْدَةَ العَمَلِ وَإِحْكَامَهُ وَضَبْطَهُ، وَهُوَ الحَدُّ الأَدْنَى الوَاجِبُ فِي كُلِّ مُمَارَسَةٍ مِهْنِيَّةٍ، وَبِدُونِهِ يَتَحَوَّلُ العَمَلُ إِلَى تَقْصِيرٍ أَوْ عَبَثٍ أَوْ إِضْرَارٍ.

وَقَدْ قَرَّرَ القُرْآنُ هَذَا الأَصْلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88].

وَجَاءَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ لِتُؤَكِّدَ هَذَا المَعْنَى العَمَلِيَّ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ : «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ]، لِيُصْبِحَ الإِتْقَانُ وَاجِبًا شَرْعِيًّا وَمِعْيَارًا مِهْنِيًّا لَا يَقْبَلُ التَّهَاوُنَ.

​وَمِنْ أَسَاسِ العَمَلِ: إِحْسَانُ العَمَلِ:

وَيُقْصَدُ بِهِ انْتِقَالُ المُمَارَسَةِ المِهْنِيَّةِ مِنْ حُدُودِ صِحَّةِ الأَدَاءِ وَسَلَامَةِ الإِجْرَاءِ إِلَى حُسْنِ القَصْدِ، وَجَمَالِ الفِعْلِ، وَرِفْعَةِ الأَثَرِ. فَالإِحْسَانُ فِي العَمَلِ لَيْسَ زِيَادَةً شَكْلِيَّةً عَلَى الجَوْدَةِ، وَلَا تَرَفًا أَخْلَاقِيًّا، بَلْ هُوَ رُوحٌ تَسْرِي فِي الأَدَاءِ فَتَمْنَحُهُ مَعْنًى، وَفِي الجُهْدِ فَتَمْنَحُهُ قِيمَةً، وَفِي النَّتَائِجِ فَتَمْنَحُهَا بُعْدًا إِنْسَانِيًّا وَأَخْلَاقِيًّا أَعْمَقَ.

​فَإِذَا كَانَ الإِتْقَانُ يَضْبِطُ كَيْفَ يُؤَدَّى العَمَلُ، فَإِنَّ الإِحْسَانَ يَتَعَلَّقُ بـ "لِمَاذَا يُؤَدَّى" وَكَيْفَ يُعَاشُ أَثَرُهُ. وَهُوَ انْتِقَالٌ مِنْ أَدَاءِ الوَاجِبِ إِلَى أَدَاءِ الرِّسَالَةِ، وَمِنَ الوَفَاءِ بِالحَدِّ الأَدْنَى المَطْلُوبِ إِلَى السَّعْيِ نَحْوَ الأَكْمَلِ وَالأَجْمَلِ وَالأَصْلَحِ. وَلِذَلِكَ جَعَلَ الإِسْلَامُ الإِحْسَانَ مَبْدَأً شَامِلًا يَحْكُمُ جَمِيعَ الأَفْعَالِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ : «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، فَلَا يَنْفَصِلُ الإِحْسَانُ عَنْ أَيِّ مُمَارَسَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ، مِهْنِيَّةً كَانَتْ أَوْ اجْتِمَاعِيَّةً أَوْ حَضَارِيَّةً.

​وَقَدْ قَرَّرَ القُرْآنُ هَذَا المَعْنَى حِينَ وَصَفَ الخَلْقَ الإِلَهِيَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 7]، لِيَكُونَ الإِحْسَانُ نَمُوذَجًا يُحْتَذَى فِي العَمَلِ البَشَرِيِّ، حَيْثُ يَتَكَامَلُ الإِحْكَامُ مَعَ الجَمَالِ، وَتَلْتَقِي الدِّقَّةُ مَعَ المَعْنَى، وَيَقْتَرِنُ الإِنْجَازُ بِحُسْنِ الأَثَرِ.

​وَفِي المَجَالِ المِهْنِيِّ، يَتَجَلَّى الإِحْسَانُ فِي صِدْقِ النِّيَّةِ، وَسَعَةِ الصَّدْرِ، وَالحِرْصِ عَلَى نَفْعِ النَّاسِ، وَمُرَاعَاةِ آثَارِ العَمَلِ عَلَى الإِنْسَانِ وَالمُجْتَمَعِ، فَالمُحْسِنُ لَا يَكْتَفِي بِأَدَاءِ مَا طُلِبَ مِنْهُ، بَلْ يَسْأَلُ نَفْسَهُ: هَلْ حَقَّقَ عَمَلِي الخَيْرَ؟ هَلْ دَفَعَ ضَرَرًا؟ هَلْ أَضَافَ قِيمَةً؟ وَهَلْ تَرَكَ أَثَرًا طَيِّبًا؟ وَبِذَلِكَ يَتَحَوَّلُ العَمَلُ مِنْ فِعْلٍ تَقْنِيٍّ إِلَى فِعْلٍ أَخْلَاقِيٍّ، وَمِنْ مَهَارَةٍ مُكْتَسَبَةٍ إِلَى رِسَالَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ.

​وَمِنْ أَسَاسِ العَمَلِ: الرَّحْمَةُ:

تَتَصَدَّرُ الرَّحْمَةُ هَاتَيْنِ القِيمَتَيْنِ العُلْيَيَيْنِ – الإِتْقَانَ وَالإِحْسَانَ – بِوَصْفِهَا التَّاجَ الأَخْلَاقِيَّ الأَعْلَى، وَالمِيزَانَ الحَاكِمَ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ الأَعْمَالُ وَتُقَوَّمُ بِهِ المُمَارَسَاتُ، فَهِيَ الَّتِي تُهَذِّبُ القُوَّةَ حِينَ تَشْتَدُّ، وَتَضْبِطُ الكَفَاءَةَ حِينَ تَتَعَاظَمُ، وَتَمْنَعُ أَنْ يَنْقَلِبَ الإِتْقَانُ إِلَى قَسْوَةٍ بَارِدَةٍ، أَوْ يَتَحَوَّلَ الإِحْسَانُ إِلَى تَعَالٍ مِهْنِيٍّ، أَوْ تُسَخَّرَ القُدُرَاتُ لِنَزْعِ الكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ تَحْتَ دَعَاوَى الإِنْجَازِ أَوِ التَّمَيُّزِ. فَالرَّحْمَةُ فِي التَّصَوُّرِ الإِسْلَامِيِّ لَيْسَتْ ضَعْفًا، بَلْ كَمَالٌ إِنْسَانِيٌّ يُوَجِّهُ القُوَّةَ، وَيَمْنَحُ العَمَلَ مَعْنَاهُ الأَخْلَاقِيَّ الأَسْمَى.

​وَقَدْ قَرَّرَ القُرْآنُ الكَرِيمُ شُمُولَ الرَّحْمَةِ وَسَعَتَهَا، وَجَعَلَهَا صِفَةً إِلَهِيَّةً جَامِعَةً تُحِيطُ بِالوُجُودِ كُلِّهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، فَهِيَ لَيْسَتْ مَقْصُورَةً عَلَى فِئَةٍ دُونَ أُخْرَى، وَلَا مَحْصُورَةً فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، بَلْ مَبْدَأٌ كَوْنِيٌّ عَامٌّ، يَنْبَغِي أَنْ يَنْعَكِسَ أَثَرُهُ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ إِنْسَانِيٍّ، وَلَا سِيَّمَا فِي مَجَالِ العَمَلِ وَالمِهَنِ حَيْثُ تَتَجَلَّى آثَارُ القُوَّةِ وَالقَرَارِ وَالقُدْرَةِ.

​وَجَعَلَ النَّبِيُّ الرَّحْمَةَ قَاعِدَةً حَاكِمَةً فِي التَّعَامُلِ الإِنْسَانِيِّ، وَسُنَّةً مَاضِيَةً فِي عَلَاقَةِ الإِنْسَانِ بِغَيْرِهِ، فَقَالَ: «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]؛ فَرَبَطَ بَيْنَ الرَّحْمَةِ فِي السُّلُوكِ، وَالرَّحْمَةِ فِي الجَزَاءِ، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ خُلُقًا فَرْدِيًّا اخْتِيَارِيًّا، بَلْ مَبْدَأٌ أَخْلَاقِيٌّ مُلْزِمٌ تَقُومُ عَلَيْهِ العَلَاقَاتُ، وَتُبْنَى بِهِ المُجْتَمَعَاتُ، وَتُقَاسُ بِهِ شَرْعِيَّةُ الأَفْعَالِ.

​وَفِي المَجَالِ مِهْنِيِّ، تَتَجَلَّى الرَّحْمَةُ فِي مُرَاعَاةِ ضَعْفِ الإِنْسَانِ وَحَاجَتِهِ، وَفِي تَقْدِيرِ ظُرُوفِهِ، وَفِي تَقْدِيمِ الخِدْمَةِ أَوِ العَمَلِ دُونَ اسْتِعْلَاءٍ أَوِ اسْتِغْلَالٍ، وَفِي الحِرْصِ عَلَى أَلَّا يُفْضِيَ الإِنْجَازُ إِلَى ظُلْمٍ، وَلَا تُؤَدِّيَ الكَفَاءَةُ إِلَى إِقْصَاءٍ، وَلَا تَتَحَوَّلَ التِّقْنِيَّةُ إِلَى أَدَاةِ إِيذَاءٍ أَوْ تَهْمِيشٍ. فَالعَمَلُ الَّذِي يَخْلُو مِنَ الرَّحْمَةِ، وَإِنْ بَلَغَ غَايَةَ الإِتْقَانِ، يَظَلُّ نَاقِصَ القِيمَةِ، فَاقِدَ الأَثَرِ الإِنْسَانِيِّ.

​أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

​الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

​الحَمْدُ للهِ الَّذِي كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا، وَجَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا.

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ رَبُّهُ هَادِيًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

​أَمَّا بَعْدُ:

إن المِقْيَاسَ الحَقِيقِيَّ لِإِصْلَاحِ المِهَنِ هو الأمانة، ولقد أَكَّدَ الشَّرْعُ عَلَى قِيمَةِ الأَمَانَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}، وَهُوَ مَا يَجْعَلُ الِالْتِزَامَ بِهَا وَاجِبًا شَرْعِيًّا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا مِهْنِيًّا، وَيَعْنِي الِالْتِزَامُ بِالأَمَانَةِ أَنْ يُمَارِسَ المِهْنِيُّ عَمَلَهُ بِصِدْقٍ وَشَفَافِيَّةٍ، دُونَ تَحْرِيفٍ أَوْ تَضْلِيلٍ، مَعَ الِالْتِزَامِ بِالحَقَائِقِ وَالمَعَايِيرِ المِهْنِيَّةِ وَالأَخْلَاقِيَّةِ.

​كَمَا أَنَّ الأَمَانَةَ تَسْتَدْعِي أَلَّا نُسْنِدَ الأُمُورَ إِلَّا إِلَى أَهْلِهَا ذَوِي الكَفَاءَةِ وَالخِبْرَةِ؛ فَفِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ يَقُولُ النَّبِيُّ : «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].

​وَقَالَ لِأَبِي ذَرٍّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) لَمَّا سَأَلَهُ أَنْ يُسْنِدَ إِلَيْهِ مُهِمَّةً وَعَمَلًا يَقُومُ بِهِ: «يَا أَبَا ذَرٍّ! إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ القِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

​وَإِنَّنَا إِذْ نَرْصُدُ أَحْوَالَ المِهَنِ فِي عَصْرِنَا، نَجِدُ أَنَّ دَائِرَةَ الأَمَانَةِ قَدِ اتَّسَعَتْ لِتَرْبِطَ بَيْنَ مِطْرَقَةِ الحَدَّادِ وَمِدَادِ البَرْمَجِيَّاتِ؛ فَالصَّانِعُ فِي وَرْشَتِهِ وَمُسْتَوْدَعِهِ حَارِسٌ عَلَى أَرْوَاحِ الرَّاكِبِينَ وَسَلَامَةِ آلَاتِهِمْ، وَالخَيَّاطُ فِي مَشْغَلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلَى سَتْرِ العِبَادِ، وَصَانِعُ المُحْتَوَى وَالمُبَرْمِجُ فِي الفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ مُرَابِطٌ عَلَى ثُغُورِ الوَعْيِ وَحِفْظِ البَيَانَاتِ؛ فَالأَمَانَةُ الرَّقْمِيَّةُ اليَوْمَ تُوَازِي أَمَانَةَ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ فَالمُصَمِّمُ الَّذِي يُبْدِعُ جَمَالًا، وَالمُبَرْمِجُ الَّذِي يَحْمِي الخُصُوصِيَّةَ، وَالكَاتِبُ الَّذِي يَنْشُرُ وَعْيًا عَبْرَ العَوَالِمِ الِافْتِرَاضِيَّةِ، هُمْ جَمِيعًا صُنَّاعُ حَضَارَةٍ فِي ثَوْبِهَا الجَدِيدِ.

​وَيَتَحَتَّمُ عَلَى كُلِّ أَصْحَابِ تِلْكَ المِهَنِ أَنْ يَجْعَلُوا مِنَ الإِتْقَانِ مِيزَانًا لَا يَخْتَلُّ، وَمِنْ تَجْوِيدِ الصَّنْعَةِ أَمَانَةً لَا تُفَرَّطُ، فَالعَمَلُ بِلَا إِتْقَانٍ جَسَدٌ بِلَا رُوحٍ، وَبِنَاءٌ يُوشِكُ أَنْ يَنْهَارَ. فَالدَّعْوَةُ مُوَجَّهَةٌ لِكُلِّ ذِي صَنْعَةٍ، بِأَنْ يَجْعَلَ مِنْ تَجْوِيدِ العَمَلِ صَلَاةً دَائِمَةً، مُدْرِكًا أَنَّ اللهَ يَرَى حَرَكَةَ البَنَانِ عَلَى آفَاقِ التِّبْيَانِ كَمَا يَرَى ضَرَبَاتِ الفَأْسِ فِي الحَقْلِ.

​عبادَ الله، إنَّ المهنَ في الإسلام ليست حركاتٍ آلية، ولا وسائلَ عيشٍ مجرَّدة، بل هي عبادةٌ إذا صلحت النيَّة، ورسالةٌ إذا اقترنت بالأمانة، وعمرانٌ إذا زُيِّن بالإتقان، ورحمةٌ إذا تخلَّقت بالإحسان. فطوبى لمن جعل عمله قُربة، وصنعته رسالة، وجهده طريقًا لرضوان الله، وبذلك تُبنى الأوطان، وتُحفظ الكرامات، وتنهض الأمم.

اللهم اغفر لنا ذنوبَنا، وكفِّر عنَّا سيئاتِنا، وتوفَّنا مع الأبرار.

اللهم بارك في أعمالنا، وأرزاقنا، وأعمارنا، واجعل أعمالنا خالصةً لوجهك الكريم.

اللهم ارزقنا الإتقانَ في العمل، والإحسانَ في القول، والرحمةَ في الفعل، والأمانةَ في السرِّ والعلن.

اللهم أصلح أحوالَ عمَّالنا، وصُنَّاعنا، وحِرَفيِّينا، ومهنِيِّينا، واكتب لهم السدادَ والتوفيق.

اللهم احفظ بلادنا وبلادَ المسلمين، واجعلها آمنةً مطمئنة، سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على سيِّدنا محمد، وعلى آله وصحبِه أجمعين، وأقِمِ الصلاة.

google-playkhamsatmostaqltradent