وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا
الخاسرون في القرآن الكريم.
مقاييس الربح والخسارة.
عظم النية في الربح
والخسارة.
العنصر الأول: الخاسرون فى القرٱن
الكريم
.
عند الحديث عن الخسارة : الكثيرُ منا
لا يُفكِّرُ إلا في خسارةِ الدنيا،إلا فى خسارة فريق ، أوخسارة تجارية بعد ارتفاعِ
الأسعارِ لها . فهل هذه هي الخسارةُ الحقيقيَّةُ ؟
قطعاً ليست هذِهِ هيَ الخسارةَ
الحقيقيَّةَ، لأنَّ خسائِرَ الدنيا تُعوَّضُ بين حينٍ وآخرٍ، كم خَسِرتَ ثم بعد
ذلك رَبِحتَ، وكم رَبِحتَ ثم بعد ذلك خَسِرتَ؟ فهذه ليست هي الخسارةَ الحقيقيَّةَ،
بل قد تكونُ نتيجةُ هذه الخسارةِ الدنيويَّة نعمةً من نِعَمِ الله تعالى عليكَ إن
صَبَرتَ عليها، ألم يقل مولانا عز وجل في كتابه العظيم:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ
وَالثَّمَرَاتِ}؟
ألم يأمُر ربُّنا عز وجل أن نُبَشِّرَ
أصحابَ هذه الابتلاءاتِ والخساراتِ بقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِين *
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا
إِلَيْهِ رَاجِعون}؟ بأيِّ شيءٍ نُبَشِّرُ من ابتلاهُ اللهُ تعالى بِشَيْءٍ مِّنَ
الخَوفْ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ
وَالثَّمَرَاتِ؟نُبَشِّرُهُ بقولِهِ تعالى: {أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن
رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون}. فأيُّ خسارةٍ إذا كانت
هذِهِ هي النتيجة؟ فمن هم الخاسرون ؟
عند التأمل في كتاب الله جل وعلا عن
أنواع الخسارات التي تحلُّ بالعباد، نرى أن ذكر الخسارة في القرآن الكريم ورد في
ثمانية مواضع:
تأمل أن يقال: خسر نفسه، خسروا أنفسهم،
إنهم أهل النار، إنهم أهل الضلال، وقد جاءت هذه الآيات في ثمانيةِ مواضع من القرآن
الكريم.
الموضع الأول: في سورة الأنعام؛ قال
ربنا جل وعلا: ﴿ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ
كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
[الأنعام: ١٢].
الموضع الثاني: ورد في سورة الأنعام،
قال جل وعلا: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا
يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا
يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: ٢٠]. الذين يخسرون أنفسهم هم الذين لا يؤمنون بهذه الحجج
الربانية والآيات الإلهية.
والموضع الثالث قال فيه ربنا:﴿
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا
أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ [الأعراف: ٨ -٩]، خسروا
أنفسهم؛ لأنهم خفَّت موازينهم، فلم تُملأ بالحسنات، وإنما كانت سيئاتهم راجحة، مع
أن الحسنات في الدنيا مضاعفة معظَّمة، وأما السيئات فهي فُرادى، لا يجزي الله
بالسيئة إلا مثلها أو يغفر، بينما الحسنة مع الله مضاعفةٌ أضعافًا كثيرة.
والموضع الرابع الذي أخبر الله فيه عن
الذين خسروا أنفسهم في سورة الأعراف؛ قال تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا
تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ
قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا
لَنَا أَوْ نُرَدُّ ﴾ [الأعراف: ٥٣]، إلى الدنيا: ﴿ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي
كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ [الأعراف: ٥٣]، قال الله: ﴿ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ
عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ [الأعراف: ٥٣]، خسروا أنفسهم؛ لأنهم صاروا إلى
ذلك العذاب الذي وُعِدوا به في الدنيا، فلم يأخذوا حذرهم.
والموضع الخامس: ورد في سورة هود،قال جل جلاله: ﴿ أُولَئِكَ
لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ
السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ
هُمُ الْأَخْسَرُونَ ﴾ [هود: ٢٠ - ٢٢].
هذا هو الخُسران الأكبر، هذه هي
الخسارة الكبرى، خسارة النفس، وما يتبع ذلك من الضلال، وما يتبع ذلك من العذاب
والنكال.
والموضع السادس من خبر الله عند الذين
خسروا أنفسهم في سورة المؤمنون، قول ربنا:
﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا
يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي
جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: ١٠١ - ١٠٣]، خسِروا أنفسهم؛ لأن موازين الحسنات
كانت خفيفة عندهم، كانت مثاقيل السيئات هي الراجحة.
والموضع السابع في سورة الزمر، قال
تعالى: ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ
اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ
قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ
عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴾ [الزمر: ١٣ -١٦]، أعذر الله وأنذر وأخبر
سبحانه عن ذلك في مواضع من كتابه، ولكنَّ أكثر الناس يصدون عن هذه الذكرى وعن هذه
العظات.
وأما الموضع الثامن في خبر الله عن
الذين خسروا أنفسهم، ففي سورة الشورى، قال جل وعلا: ﴿ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ
عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ
الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ ﴾ [الشورى: ٤٥].
هنالك اتحدت الكلمة، كلمة أهل الجنة
وكلمة أهل النار على أنَّ الخسارة الكبرى هي خسارة الذين خسروا أنفسهم، خسروها
بأنهم لم يُنجوها من عذاب الله، لم يستقيموا على طاعة الله، أهلكوا أنفسهم بالذنوب
والعصيان.
إنَّ الذين يتعاطون السيئات يجدون في
بعضها لذةً حاضرة من لذائذ البطن، أو لذائذ الفرج، أو شهوة المال وتعاطيه، إنَّ
ذلك إنما هي لذة حاضرة منقضية، تعقبها المنغصات والنكد والعذاب والحساب، ولذلك
فإنَّ المؤمن الحق هو الذي ينظر إلى ما يكون به نجاته وفلاحه، وحسن عاقبته، وأن
ينجو من هذا الخسران.
العنصر الثاني:
إنَّ الناس تتفاوت معاييرهم في الدنيا
ومقاييسهم في مسألة الخسارة، وإنما يعدون الخاسر منهم الذي فاته المال أو فاته
المنصب، أو فاته غير ذلك من أمور هذه الحياة الدنيا، لكنَّ الخسران الحقيقي الذين
خسروا أنفسهم، فصاروا إلى النار بعصيانهم للملك الجبار.
عجبتُ للمرء في دنياهُ تطمعهُ
في العَيشُ
والأجلُ المحتوم يقطعهُ
يُمسي ويصبحُ في عَشواءَ يخبِطها
اعمى البَصيرة والآمالُ تَزرَعه
يَغتر بالدَهرِ مَسروراً بصحبتهِ
وقد تيقّن أن الدَّهرَ يَصرَعه
ويجمع المالَ حِرصاً لا يفارقه
وقد درى أنه للغَير يجمعه
تراه يشفق من تَضييع درهمه
وليسَ يشفِق من دينِ يُضيِّعه
وأسوأ الناسِ تدبيراً لعاقبِةٍ
من انفقَ العمر فيما ليس ينفعه
إن مقاييس الربح والخسران ليست في
الدنيا فقط، فكم من رابح في الدنيا وهو خاسر يوم القيامة أَلا ذَلِكَ هُوَ
الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:١٥]
وكم من خاسر في نظر الناس في الدنيا
ولكنه يربح عند الله الربح العظيم يوم يدخل الجنة، يقول الله عز وجل: فَمَنْ زُحْزِحَ
عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:١٨٥]
والناس بحكم ضعف إيمانهم، وتعلق قلوبهم
بالمادة والدنيا والحياة، ونسيان معظمهم لأمر الآخرة يقيسون الربح والخسارة على
هذه الدنيا، فإذا اشترى رجلٌ سيارة وانقلبت قال: خسارة، وإذا تزوج زوجة وطلقها
قال: يا خسارة، وإذا فصل من وظيفته قال: خسارة، وإذا انهدم بيته قال: خسارة، لكن
إذا هدمت عقيدته، أو ضيع صلاته، أو خان أمانته، أو نظر بعينه إلى الحرام، أو سمع
بأذنه الحرام، هل يعتبر نفسه خاسراً؟ لا. لماذا؟ لأن مصيبة الناس في دنياهم أعظم
من مصيبتهم في دينهم؛ لعظم وشأن وقيمة وأهمية الدنيا، أما الدين فهو بسيط في قلوب
أكثر الناس إلا من رحم الله.
مقاييس الربح والخسارة.
أىْ بني: إن من الرجال من يشبه الأنعام
في صورة رجل السميع المبصر، عيون ورأس آدمي، لكن عقليته ونفسيته وأفكاره أفكار
الأنعام.﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ
لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا
وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ
أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾[ سورة الأعراف: ١٧٩]
أى بني: إن من الرجال من يشبه الأنعام
في صورة الرجل السميع المبصر فَطِنُُ لكل مصيبة في ماله، وإذا أصيب بدينه لم يشعر،
ولذا فإن الناس لما هدأت الأمور آمنوا، فلما آمنوا عادوا إلى ما كانوا عليه من
المعاصي والذنوب، رغم أنهم في مصيبة من قبل ومن بعد،
فالذي لا يصلي: هذا في مصيبة وينتظره
عذاب الله الأكيد.
ومن يسمع الحرام، ويتكلم بالحرام،
وينظر بعينه إلى الحرام، ويأكل الربا والحرام، ويقع في الحرام، ويمد يده إلى
الحرام، ويسير بقدمه إلى الحرام ... هؤلاء كلهم أصحاب مصائب لكن لا يشعرون بها،
يشعرون بمصيبة البطون إذا جاعت كما تشعر الأنعام بمصيبتها إذا جاعت، ويشعرون
بمصيبة البيوت والأمن إذا اختل، لكن لا يشعرون بمصيبة الدين إذا اختل.
الخسارة الحقيقية هي المصيبة في الدين.
إن المصيبة الحقيقية هي مصيبة الإنسان في دينه، ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله
عليه وسلم أنه كان يقول: اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر
همنا، لأن كل مصيبة دون مصيبة الدين فهي هينة، لها نهاية ومخرج، لكن مصيبة الدين
لا مخرج منها؛ لأن نهايتها النار والعياذ بالله.
الخسارة الحقيقية هي التي ينبغي أن
نراجع أنفسنا معها وأن نعرف فيها هل ربحنا أم خسرنا ؟صحيح أننا ربحنا الحق؛ لأننا
على الحق؛ ولأننا أصحاب قضية عادلة، نناصر المعتدى عليه، ونناصر المظلوم، ونقف مع
المغلوب، لكن يجب علينا أيضاً مع هذا أن نراجع أنفسنا، كيف نحن مع الله؟ هل نحن
رابحون معه أم خاسرون؟ من هو الرابح مع الله، ومن هو الخاسر؟
اسمعوا ماذا يقول الله عز وجل: (قُلْ
إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ) [الزمر:١٥]
.
هذا هو الخاسر، ليس الخاسر الذي ضاعت
تجارته وسقطت عمارته، بل الخاسر الذي إذا مات خسر نفسه وأهله ودخل النار (قُلْ
إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) [الزمر:١٥-١٦]
هذه الخسارة يوم يكون الظلال ناراً،
ومن تحتك نار، وأنت بين ناري السماء والأرض (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ
فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) [الأعراف:٤١] هذه الخسارة الحقيقية.
#أما الدنيا فأعظم ما في الدنيا أنك
تموت، وإذا مت تخلصتْ نفسك من هذه المصائب كلها، لكن النار ليس فيها موت، فالموت
أعظم أمنية عند أهل النار، ينادون وهم في شعابها يبكون من شدة عذابها، ينادون: يا
مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك: قد أثقلنا الحديد.
يا مالك: أخرجنا منها فإنا لا نعود،
فلا يجيبهم، بعد ذلك يدعون مالكاً في الهلاك يقولون: "وَنَادَوْا يَا مَالِكُ
لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ" [الزخرف:٧٧] يعني: أمتنا (قَالَ إِنَّكُمْ
مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)
[الزخرف:٧٧-٧٨] فالله يقول: إن الخاسرين الحقيقيين هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم
يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين، ما هو الخسران؟ قال: (لَهُمْ مِنْ
فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ
اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ) [الزمر:١٦].
أي: اتقوا عذابي، هذا كلام الله،
أخوفكم يا عبادي، من عذابي فاتقوا عذابي، اتقوا عذابي بماذا؟ بفعل طاعة الله وترك
معصيته، هذه هي التقوى، اجعل بينك وبين عذاب الله عز وجل وقاية، حاجزاً وساتراً.
وما هذا الواقي لك؟إنه فعل الطاعات
الله وترك المعصيات، إذا فعلت الأمر وتركت النهي، وخضعت للشريعة، وأَسْلمتَ نفسك
لله، وجعلت بينك وبين عذاب الله وقاية، فلست من أهل هذا الوعيد، أنت في غرف من
فوقها غرف مبينة تجري من تحتك الأنهار في جنات النعيم، لماذا؟ لأنك رابح .. ربحت
الدنيا وربحت الآخرة، حتى ولو أنك في الدنيا كنت تمشي حافي القدم، عاري البدن،
خاوي البطن، تنام على الرصيف وليس عندك رصيد، ولا راتب، ولا بيت، ولا زوجة، ولكن
معك الإيمان والدين والعقيدة والصلة بالله والخوف من الله.
لكن إذا كان العبد يفقد ويفتقد هذه
الأشياء، والله لو ملك الدنيا بأسرها، هل سيملك أحد مثل ما ملك فرعون؟
كان فرعون قد ملك مصر وأهلها، وكان يدعي
أنه الرب، وكان يقول: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) [النازعات:٢٤]
وكان يقول لبني إسرائيل: (أَلَيْسَ لِي
مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ *
أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) [الزخرف:٥١-٥٢] أين فرعون
الآن؟ في خسران مبين.(النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ *
وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ
اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا
نَصِيباً مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا
إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) [غافر:٤٦-٤٨] الكبير والصغير في
جهنم.
فمهما امتلك الإنسان من كنوز وليس معه
إيمان ولا عقيدة، فهو خاسر، ومهما امتلك الإنسان من مال وليس معه إيمان، ولا
عقيدة، ولا دين فهو خاسر. خاسر لأنه لن يجمع أحد أموالاً مثل قارون؟
قارون الذي كانت له مخازن الذهب الأحمر
، والفضة البيضاء ومفاتيحها، لا تحملها العصبة من الرجال، لكن ربنا يقول فيه:
(أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ
مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً)[القصص:٧٨]
أين هو الآن؟ أين أمواله؟ هل حجزته
أمواله من عذاب الله؟ إنه الآن يتجلجل في بطن الأرض إلى يوم القيامة. (فَخَسَفْنَا
بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ)[القصص:٨١] ابتلعته الأرض، فقد أوحى الله إلى الأرض أن
تفتح فتحة بمقدار قصوره وأمواله ومخازنه وأولاده وحشمه وخدمه وما عنده، فانفتحت ثم
انطبقت، فهو الآن في بطنها إلى يوم القيامة ( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ
الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا
كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ
بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ
مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ
لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ
لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ) [القصص:٨١-٨٣]
اللهم اجعلنا من هؤلاء المتقين الذين
اتقوك يا رب! وجعلوا مخافتك بين أعينهم فلم يقدموا على معصيتك ولم يتأخروا عن
طاعتك، هؤلاء لهم العلو ولهم السيادة، والفوز والنجاح يوم تبيض وجوه وتسود وجوه،
هنالك يعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون (يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ
مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [غافر:٥٢].
الخطبة الثانية:
العنصر الثالث: عِظَم النّية في الربح
والخسارة
.
النية هي التي تجعل من عمل صغير
سُلّماً إلى الجنّة،وهي التي تجعل من عمل عظيم طريقاً إلى النّار.
كان ابن سلول يُصلّي الفجر في المسجد
جماعةً خلف رسول الله صلى الله عليه وسلّم ويحسب أن عمله عظيم، وهو بالفعل عظيم،
لكن هذا العمل الجميل كان وراءه نيّة خبيثة، لهذا هو في الدّرك الأسفل من النّار.
نموذج ثانِِ: لَمَّا تُوُفِّيَ عبدُ
اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، جاءَ ابنُهُ عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ إلى رَسولِ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَسَأَلَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ
يُكَفِّنُ فيه أباهُ، فأعْطاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أنْ يُصَلِّيَ عليه، فَقامَ رَسولُ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِيُصَلِّيَ عليه، فَقامَ عُمَرُ فأخَذَ
بثَوْبِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ،
تُصَلِّي عليه وقدْ نَهاكَ رَبُّكَ أنْ تُصَلِّيَ عليه؟ فقالَ رَسولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّما خَيَّرَنِي اللَّهُ فقالَ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ
أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً}
[التوبة: ٨٠] ، وسَأَزِيدُهُ علَى السَّبْعِينَ، قالَ: إنَّه مُنافِقٌ، قالَ:
فَصَلَّى عليه رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأنْزَلَ اللَّهُ:
{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}
[التوبة: ٨٤] . صحيح البخاري ومسلم.
وبغيّ بني إسرائيل دخلت الجنّة بكلب
سقته... بيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ برَكِيَّةٍ، كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إذْ
رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَها فَسَقَتْهُ
فَغُفِرَ لها بهِ.. البخارى.
هذا العمل البسيط كان وراءه نيّة عظيمة
وهي الشّفقة على مخلوق من مخلوقات الله.
إن أوّل من تُسعّر بهم النّار ثلاثة:
شهيدٌ، وعالمٌ بالقرآن، ومُتصدّق.
عمال عظيمة أفسدتها النّية.
يُؤتى بالشّهيد يوم القيامة، فيسأله
الله تعالى : ما عملتَ فيها ؟فيقول: قاتلتُ فيك حتى استشهدت ،فيقول له الله :
كذبتَ، ولكنك قاتلت حتى يُقال جريء، وقد قيل،ثم يُسحب على وجهه إلى النّار.
وأما العالم بالقرآن: فيقول له الله
تعالى: ما عملتَ فيها؟ فيقول: تعلّمتُ العلم وعلّمته، وقرأتُ فيك القرآن،فيقول له
الله تعالى: كذبتَ، ولكنّك تعلّمتَ ليُقال عالم وقد قيل،ثم يُسحب على وجهه إلى
النّار.
وأمّا المتصدّق:فيقول له الله تعالى:
ما عملتَ فيها ؟ فيقول : ما تركتُ من سبيل تُحبُّ أن يُنفق فيها إلا أنفقتُ، فيقول
له الله تعالى : كذبتَ ، وإنّما أنفقتَ ليُقال جوادٌ، وقد قيل ،ثم يُسحب على وجهه
إلى النّار.
النّية عمل قلبيّ لا شأن للجوارح فيه،
ولكنّها إذا ساءت تُفسد عمل الجوارح وتضيع الأعمال، وإذا حسُنت بلغ صاحبها من
الأجر مبلغاً دون عمل.
ومما يُروى في قصص بني إسرائيل ، أنّه
قد حدثت مجاعة زمن موسى عليه السّلام، فنظر أحد الفقراء إلى الجبال وقال : اللهم
لو مالُُ لي مثل هذا ذهباً لأنفقتها في سبيلك، فأوحى الله إلى موسى عليه السّلام
أن يا موسى: قُل لعبدي أنّي قد قبلتُ منه صدقته.
قبل الله منه صدقته من الجبال ذهبا
حسنات وحسنات لنيته الصادقة مع ربه.
وصدق ربنا حين قال:﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا
لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ
وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾
[ البينة: ٥]
وصدق رسولنا صلى الله عليه وسلم حين
قال:أنا أغْنَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فيه مَعِي
غيرِي، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ... مسلم.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يارب
العالمين.