recent
أخبار عاجلة

فضل شهر رجب إعداد الشيخ أحمد أبو اسلام

فضل شهر رجب 


التأصيل الشرعي ومكانة الأشهر الحرم

تكتسب الأشهر الحرم قدسيتها من النص القرآني القطعي؛ فقد قال الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ﴾ [التوبة: ٣٦].

وقد جاءت السنة النبوية لتفصل هذا الإجمال القرآني وتحدد هذه الأشهر بدقة، ففي الصحيحين (البخاري ومسلم) عن أبي بكرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السماوات وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ».

‌الأشهر ‌الحرم ‌فضلها ‌الله ‌على ‌سائر شهور العام، وشرفهن على سائر الشهور، فخص الذنب فيهن بالتعظيم، كما خصهن بالتشريف، يقول سيدنا عبد الله ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "خَصَّ اللَّهُ مِنْ شُهُورِ الْعَامِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَجَعَلَهُنَّ حُرُمًا، وَعَظَّمَ حُرُمَاتِهِنَّ، وَجَعَل الذَّنْبَ فِيهِنَّ وَالْعَمَل الصَّالِحَ وَالأَجْرَ أَعْظَمَ"

وورد عن الإمام قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله قال: الظُّلْمُ فِي الأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْرًا مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهَا، وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ فِي كُل حَالٍ عَظِيمًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُعَظِّمُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اصْطَفَى صَفَايَا مِنْ خَلْقِهِ، اصْطَفَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا، وَمِنَ النَّاسِ رُسُلًا، وَاصْطَفَى مِنَ الْكَلَامِ ذِكْرَهُ، وَاصْطَفَى مِنَ الأَرْضِ الْمَسَاجِدَ، وَاصْطَفَى مِنَ الشُّهُورِ رَمَضَانَ وَالأَشْهُرَ الْحُرُمَ، وَاصْطَفَى مِنَ الأَْيَّامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاصْطَفَى مِنَ اللَّيَالِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَعَظِّمُوا مَا عَظَّمَ اللَّهُ، فَإِنَّمَا تُعَظَّمُ الأُمُورُ بِمَا عَظَّمَهَا اللَّهُ عِنْدَ أَهْل الْفَهْمِ وَأَهْل الْعَقْل.

 مكانة شهر رجب قبل الإسلام

كان لشهر رجب وقعٌ خاص في نفوس العرب، تجلى ذلك في كثرة الأسماء التي أطلقوها عليه، ومن المقرر عند اللغويين أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى وكماله في بابِه، كما أشار العلامة الفيروز آبادي في كتابه بصائر ذوي التمييز (١/ ٨٨).


لشهر رجب ثمانية عشر اسماً

 

وقد أحصى العلامة ابن دِحْيَة الكلبي في كتابه أداء ما وجب من بيان وضع الوضَّاعين في رجب (ص:٣٠) ثمانية عشر اسمًا لهذا الشهر، ومن أشهر هذه التسميات ودلالاتها:

الفَرْد: لأن الأشهر الحرم الثلاثة (ذو القعدة، ذو الحجة، المحرم) تأتي متتابعة (سرد)، بينما يأتي رجب منفردًا عنهم.

الأصَم: سمي بذلك لأنه كان لا يُسمع فيه قعقعة السلاح ولا صوت القتال، لتعظيم العرب له وتوقفهم عن الحروب فيه.

رجب مُضر: نسبة إلى قبيلة مضر التي كانت تبالغ في تعظيمه وتلزم توقيته بدقة،

 بخلاف غيرهم ممن كانوا ينسؤون الشهور.

 فضيلة شهر رجب والصيام فيه

 

وقد استنبط العلماء المحققين فضل شهر رجب وفضل الصيام فيه من نصوص ثابتة بطريق الإشارة والدلالة، ومن أدق هذه الاستنباطات ما أورده الحافظ ابن حجر العسقلاني تعليقًا على حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما عند النسائي، حيث سأل النبي ﷺ: "لَمْ أَرَكَ تَصُومُ مِنَ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟"، فقال ﷺ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبَ وَرَمَضَانَ».

يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: " فهذا فيه إشعار بأنَّ في رجب مشابهة برمضان وأن الناس يشتغلون من العبادة بما يشتغلون به في رمضان، ويغفلون عن نظير ذلك في شعبان؛ لذلك كان يصومه صلى الله عليه وآله وسلم، وفي تخصيصه ذلك بالصوم إشعار بفضل رجب، وأن ذلك كان من المعلوم المقرر لديهم". [تبيين العجب بما ورد في فضل رجب ص: ١٢]

وهذا يدل على أن شهر رجب كان موسمًا معروفًا للعبادة، لدرجة أن الناس كانوا ينشغلون به وبشهر رمضان، ويغفلون عن الشهر الذي بينهما وهو شهر شعبان.


الصيام في شهر رجب

 

والصيام في رجب داخل ضمن الأمر بالصيام في الأشهر الحرم على العموم لقوله «‌صُمْ ‌مِنَ ‌الْحُرُمِ ‌وَاتْرُكْ، ‌صُمْ ‌مِنَ ‌الْحُرُمِ ‌وَاتْرُكْ، ‌صُمْ ‌مِنَ ‌الْحُرُمِ ‌وَاتْرُكْ، وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثَةِ فَضَمَّهَا، ثُمَّ أَرْسَلَهَا"( أبو داود في سننه).

وفي رواية "صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ، وَصُمْ أَشْهُرَ الْحُرُمِ"( ابن ماجة في سننه).

يقول شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله: "(وَأَفْضَلُ الْأَشْهُرِ لِلصَّوْمِ) بَعْدَ رَمَضَانَ ‌الْأَشْهُرُ (‌الْحُرُمُ) ‌ذُو ‌الْقَعْدَةِ ‌وَذُو ‌الْحِجَّةِ ‌وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «صُمْ مِنْ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ صُمْ مِنْ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ صُمْ مِنْ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ» وَإِنَّمَا أَمَرَ الْمُخَاطَبَ بِالتَّرْكِ لِأَنَّهُ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ إكْثَارُ الصَّوْمِ كَمَا جَاءَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي الْخَبَرِ أَمَّا مَنْ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ فَصَوْمُ جَمِيعِهَا لَهُ فَضِيلَةٌ (وَأَفْضَلُهَا الْمُحَرَّمُ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «أَفْضَلُ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ» (ثُمَّ بَاقِيهَا) وَظَاهِرُهُ اسْتِوَاءُ الْبَقِيَّةِ وَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ رَجَبٍ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ فَضَّلَهُ عَلَى الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ (ثُمَّ شَعْبَانُ)" [أسنى المطالب (١/ ٤٣٢، ٤٣٣ ط. دار الكتاب الإسلامي)]

رجب شهر الغرس


وقد خصت هذه الأشهر ببعض الفضائل، قال ابن رجب: " شهر رجب مفتاح أشهر الخير والبركة، وقال أبو بكر الوراق البلخي: شهر رجب شهر للزرع وشعبان شهر السقي للزرع ورمضان شهر حصاد الزرع، وعنه قال: مثل شهر رجب مثل الريح ومثل شعبان مثل الغيم ومثل رمضان مثل القطر وقال بعضهم: السنة مثل الشجرة وشهر رجب أيام توريقها وشعبان أيام تفريعها ورمضان أيام قطفها والمؤمنون قطافها جدير بمن سود صحيفته بالذنوب أن يبيضها بالتوبة في هذا الشهر وبمن ضيع عمره في البطالة أن يغتنم فيه ما بقي من العمر، فانتهاز الفرصة بالعمل في هذا الشهر غنيمة واغتنام أوقاته بالطاعات له فضيلة عظيمة"(لطائف المعارف ).

ومن أراد ثمار رمضان لابد من الاستعداد، والبذر الجيد لها، ولو أرادوا رمضان لأعدوا له عدة.

قوافل المستعـدين:

1-قافلة التلاوة:

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29، 30]

فقراءة القرآن من أفضل الذكر، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رضي الله عنه-، أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ"(رواه البخاري).

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ  -رضي الله عنه-، أنَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: " {قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ} تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ"(رواه الترمذي ).

وفي الحديث الآخر عن ابْنَ مَسْعُودٍ  -رضي الله عنه-، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ"(رواه الترمذي).

وهذا دليل على عظم قراءة القرآن والله يضاعف لمن يشاء، وكل إنسان وهمتَه في هذا الباب، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26]

2- قافلة الذاكرين:

قال تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [الأحزاب: 35]

وقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } [الأحزاب: 41، 42]

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ  -رضي الله عنه-، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: "لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ"(رواه الترمذي).

وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ  -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ"؟ ، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: "ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى"، قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: "مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ"(رواه الترمذي).

قال ابن القيم: " ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، وصدأ القلب بأمرين بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين بالاستغفار والذكر.

فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكباً على قلبه، وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل، فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقاً ولا ينكر باطلاً."(الوابل الصيب).

3-قافلة المتصدقين:

فقد أخبرنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- عن يوم القيامة وأهواله، فذكر أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْهُمْ فَيَبْلُغُ النَّاسُ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ.

وقال أبو موسى  -رضي الله عنه-: " الشَّمسُ فوق رؤوسِ النَّاس يومَ القيامة، فأعمالهم تُظِلُّهم، أَوْ تُضَحِيِّهُمْ "(جامع العلوم والحكم).

فلا ظل هنالك ولا ظليل إلا ظل عرش الملك الجليل، وقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- عن الأعمال الموجبة للاستظلال بظل عرش الرحمن منها التصدق، فعَن أبي هُرَيْرَةَ  -رضي الله عنه-: عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ-فذكر منها-" وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ"(رواه البخاري ).

 وقال سبحانه: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ، وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 271]

وعَن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ قَالَ: حَتَّى يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ". وقَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ: فَكَانَ

أَبُو الخَيْرِ اليَزَنِيُّ المِصْرِيُّ لَا يُخْطِئُهُ يَوْمٌ لَا يَتَصَدَّقُ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَلَوْ كَعْكَةً وَلَوْ بَصَلَةً(رواه ابن خزيمة ).

فلا تحرم نفسك من ثواب الصدقة ولو بالقليل، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ قَالُوا: وَكَيْفَ؟ ، قَالَ كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا"(رواه النسائي).

وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ  -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ"(رواه البخاري ).

ومن عجز عن التصدق بماله، لن يضيع منه الفضل والثواب، عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أَنَّهُ قَالَ: "يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلاَمَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى"(رواه مسلم ).

4-قافلة المدلجين في ظلام الليل:

البعض يستثقل صلاة التراويح في رمضان، وسبب ذلك أنه لم يكن متعودًا على قيام الليل قبل ذلك فيصاب بالفتور فيحرم الثواب، ولقد ذكر الله عز وجل صفات المتقين الذين وجبت لهم الجنات والعيون بأنهم، (كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ)، قال ابن عباس: "لم يكن يمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئاً"(تفسير الطبري ).

هذا حال المتقين لا ينعمون بنوم خوفاً من عقاب ربهم، وطمعًا في رضوانه كما وصفهم سبحانه بقوله: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون} [السجدة: 16]

وورد عَنْ عَلِيٍّ  -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا"، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لِمَنْ أَطَابَ الكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ"(رواه الترمذي ).

وإن الليل موطن تَنَزلُ الرحمات، ونزول رب الأرض والسماوات، فعليك باغتنامه بالطاعات، والإكثار من  القربات، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ  -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: " إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهِ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ "(رواه النسائي).

وعَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، يَقُولُ: إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لاَ يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ(رواه مسلم ).

وفي الحديث تنبيه على أن آخر الليل للصلاة والدعاء والاستغفار وغيرها من الطاعات أفضل من أوله(شرح النووي على مسلم).

ومن يغفل عن مثل هذه الساعة، فقد حُرم الخير الكثير، عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-، قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا الوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الفَجْرِ"(رواه البخاري).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: " مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطَرِينَ"(رواه أبو داود).

ومن تأمل حال السلف مع قيام الليل يرى العجب، ويشعر بالخجل والتقصير، فعن عَنْ قَمِيرٍ، امْرَأَةِ مَسْرُوقٍ، قَالَتْ: " مَا كَانَ مَسْرُوقٌ يُوجَدُ إِلَّا وَسَاقَاهُ قَدِ انْتَفَخَتَا مِنْ طُولِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، قَالَتْ: وَاللهِ، إِنْ كُنْتُ لِأَجْلِسُ خَلْفَهُ، فَأَبْكِي رَحْمَةً لَهُ "(أخرجه النسائي في الكبرى).

وقال أَبُو الدَّرْدَاءِ  -رضي الله عنه-: " لَوْلَا ثَلَاثٌ مَا أَحْبَبْتُ أَنْ أَعِيشَ يَوْمًا وَاحِدًا: الظَّمَأُ لِلَّهِ بِالْهَوَاجِرِ، وَالسُّجُودُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَمُجَالَسَةُ قَوْمٍ يَنْتَقُونَ مِنْ خِيَارِ الْكَلَامِ، كَمَا يُنْتَقَى أَطَائِبُ التَّمْر"(الزهد لابن المبارك ).

٥- العمرة في رجب

ومما يدل على فضلها قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: (اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: أَرْبَعًا، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وكَانَ السَّلَفُ يَعتمرون في رجب ، وَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَمِرُ فِي رَجَبٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَذَكَرَ ابْنُ سِيرِينَ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَفْعَلُونَهَا كَمَا قَالَ ابْنُ رَجَب – رَحِمَهُ اللَّهُ فِي اللَّطَائِفِ

فاغتنم أيامك بالخير وسارع وبادر حتى تكون على أفضل حال ، نسأل الله أن يكتب لنا وإياكم الخير.

@إشارة

google-playkhamsatmostaqltradent