حُكْمُ اِسْتِخْدَامِ السّبْحَةِ فِىَّ الذِّكْرَ وَالْعَدَّ بِهَا
-
السبحة مشتقة من التسبيح وهو تفعيل من السبح الذى هو المجئ والذهاب لأن لها فى اليد مجئ وذهاب ومأخوذة من قوله تعالى:"إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا"(المزمل: 7).
إن لك في النهار تصرفًا وتقلبًا في مصالحك، واشتغالا واسعًا بأمور الرسالة، ففرِّغْ نفسك ليلا لعبادة ربك..قالوا :" التسبيح باليد أفضل من التسبيح بالمسبحة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعقد التسبيح بيده، فعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح -قال ابن قدامة-: بيمينه رواه أبو داود.
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا نساء المؤمنات: عليكن بالتهليل، والتسبيح، والتقديس، ولا تغفلن فتنسين الرحمة، واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات"( أحمد وأبو داود والترمذي، والحاكم، وحسن إسناده الإمام النووي في الأذكار، وجود العراقي إسناده في تخريج الإحياء).
قال الشوكاني: (مسؤولات مستنطقات) يعني: أنهن يشهدن بذلك، فكان عقدهن بالتسبيح من هذه الحيثية أولى من السبحة والحصى).
إذاً فهذه الأنامل ستشهد لصاحبها يوم القيامة بهذا التسبيح وغيره من خير أو شر،
الرأي الثاني :"
التسبيح بالسبحة والحصي جائز
قال ابن تيمية: وعد التسبيح بالأصابع سنة … وأما عده بالنوى والحصى ونحو ذلك فحسن، وكان من الصحابة رضي الله عنهم من يفعل ذلك، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين تسبح بالحصى، وأقرها على ذلك.
وروي أن أبا هريرة كان يسبح به. وأما التسبيح بما يجعل في نظام الخرز ونحوه، فمن الناس من كرهه، ومنهم من لم يكرهه، وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه، وأما اتخاذه من غير حاجة، أو إظهاره للناس مثل: تعليقه في العنق، أو جعله كالسوار في اليد، أو نحو ذلك، فهذا إما رياء للناس، أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير حاجة، والأول محرم، والثاني أقل أحواله الكراهة.."(انتهى من مجموع الفتوى 22/506) .
وأخرج بن أبى شيبة عن أبى سعيد الخدرى
( أنه كان يسبح بالحصى ) ,, وعن مولاه سعد ( أن سعدا كان يسبح بالحصى أو النوى ) .
عن القاسم بن عبدالرحمن قال:"كان لأبى
الدرداء نوى من نوى العجوة فى كيس فكان إذا صلى الغداة أخرجهن واحدة واحدة يسبح
بهن حتى ينفذن (أحمد فى الزهد).
وأخرج الإمام أحمد فى الزهد أن أبا
صفية – رجل من أصحاب النبى – وكان جارنا يسبح بالحصى.
وأخرج عبد الله بن الإمام أحمد فى زوائد الزهد عن طريق نعيم بن محرز بن هريرة عن جده أبى هريرة (أنه كان له خيط فيه ألفا عقدة فلاينام حتى يسبح بهن فإذا كان هؤلاء استعملوا السبحة فلمَ نحرمها على أنفسنا أليست تذكرنا بتسبيح الله وذكره. ومن الفهم الخاطئ أيضا عند البعض إنكار العد على السبحة ومن يقول أن العد ليس واردا فأين هو من الأركان الأساسية للإسلام أليست مقرونة بعدد؟ ونسوق لهم هذا الحديث فى استعمال العد والعدد
عن سعد بن أبى وقاص قال:"كنا عند رسول الله فقال: أيعجز أحدكم أن يكسب فى كل يوم ألف حسنة فسأله سائل من جلسائه كيف يكسب ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فتكتب له ألف حسنة وتحط عنه ألف خطيئة"(مسلم).
ومما يدل على جواز عد التسبيح بالنوى
والحصى حديث سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله على امرأة وبين يديها نوى أو
حصى تسبح به الحديث، وحديث صفية قالت دخل علي رسول الله وبين يدي أربعة آلاف نواة
أسبح بها الحديث(أخرجهما الترمذي) .
قال الإمام الشوكاني : هذان الحديثان
يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى وكذا بالسبحة لعدم الفارق لتقريره
للمرتين على ذلك وعدم إنكاره "(نيل الأوطار للشوكاني/112ج2).
وقد ورد أن سعد بن أبي وقاص كان يسبح
بالحصى(أحمد في الزهد) .
وقيل:" لاحرج -إن شاء الله- في استعمال المسبحة، وإن كان الأفضل التسبيح بالأصابع.
فقد روى أبو داود -واللفظ له- والترمذي عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهَا، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى -أَوْ حَصًى- تُسَبِّحُ بِهِ، فَقَالَ: «أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا -أَوْ أَفْضَلُ-»، فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ"( وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب).
فدلها النبي صلى الله عليه وسلم على الأفضل، ولم ينهها عن التسبيح بما تعد به من نوى أو حصى، ولو كان التسبيح بذلك غير مشروع لنهاها عنه.
وقال ابن سعد في الطبقات : أخبرنا عبد
الله بن موسى أخبرنا إسماعيل عن جابر عن امرأة خدمته عن فاطمة بنت الحسين بن علي
بن أبي طالب أنها كانت تسبح بخيط معقود فيها , وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة أنه كان
يسبح بالنوى المجموع .
عن أم الحسن بنت جعفر عن أبيها عن جدها
عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: “نعم المذكر السبحة"(الديلمي في مسند الفردوس )
وقد ساق السيوطي آثاراً في الجزء الذي
سماه المنحة في السبحة وهو من جملة كتابه المجموع في الفتاوى وقال في آخره ولم
ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة بل كان أكثرهم
يعدونه بها ولا يرون ذلك مكروها .
ومن العلماء من ألحق السبحة بالنوى
والحصى، قال الشوكاني:" والحديثان الآخران يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى
والحصى، وكذا بالسبحة لعدم الفارق لتقريره صلى الله عليه وسلم للمرأتين على ذلك،
وعدم إنكاره، والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز) ثم ذكر آثاراً عن الصحابة
في التسبيح بالحصى والنوى. (انظر نيل الأوطار (2/602).
أما الحديثان اللذان استدل بهما الشوكاني فأحدهما: عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به، فقال: " أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض… "(أبو داود والترمذي).
والآخر هو
حديث صفية قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة
أسبح بها، فقال: " لقد سبحت بهذا! ألا أ علمك بأكثر مما سبحت به؟ فقالت:
علمني. فقال :" قولي سبحان الله عدد خلقه ..."(الترمذي).
لكن اعترض البعض بما ذكر الشاطبي في
الاعتصام عن ابن مسعود فيما حكاه ابن وضاح عن الأعمش عن بعض أصحابه قال: مر عبد
الله برجل يقص في المسجد على أصحابه وهو يقول: سبحوا عشراً، وهللوا عشراً، فقال
عبد الله إنكم لأهدى من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أو أضل؟ بل هذه بدعة (يعني
أضل) وذكر له أن ناساً بالكوفة يسبحون بالحصى في المسجد، فأتاهم وقد كوم كل رجل
منهم بين يديه كوماً من حصى - قال - فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من
المسجد، ويقول: لقد أحدثتم بدعة وظلماً، وقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
علماً؟! فهذه أمور قد أخرجت الذكر عن المشروع، كالذي تقدم من النهي عن الصلاة في
الأوقات المكروهة… ) انتهى محل الغرض منه
والراجح - والله أعلم :"
جواز التسبيح بالمسبحة لمن كان محتاجاً
إليها لما تقدم من الأحاديث، حيث أقر النبي صلى الله عليه وسلم التسبيح بالحصى،
فتحمل المسبحة على ذلك. وأما ما روي عن ابن مسعود فلا تصح معارضته للأحاديث، لتطرق
الاحتمال إليه لأنه ربما أنكر عليهم لاجتماعهم، أو لصدور الأمر بذلك من بعضهم
بقوله (سبحوا كبروا) ثم إن هذا قول صحابي على فرض صحته لا يجوز أن يعارض ما ثبت عن
النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن التسبيح باليد أفضل كما تقرر.
أنه لا حرج في التسبيح بالسبحة ؛ لأنه ورد عن بعض الصحابيات وعن بعض السلف التسبيح بالحصى، وبالنوى، والعقد لا بأس وإن سبح بالسبحة، أو بالحصى، أو بالنواة بعض الأحيان في بيته؛ فلا بأس؛